تلحقني فضيحة الزنا بعد التوبة

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الجنايات والحدود - العلاقة بين الجنسين - استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

أنا فتاةٌ في أوائل العشرينياتِ، ابتلاني الله - ولله الحمد - بمصيبةٍ بسببِ إسرافي في الذنوبِ، وابتعادي عن طريقه سبحانه وتعالى.
كنتُ على علاقةٍ مع شابٍّ، فوقعتُ في المحظور، لكن هذه العَلاقة انتهتْ، وتخلَّى عني ذلك الشابُّ بدعوى أنه لم يَعُدْ يُحِبُّني بعد أن غرَّر بي، وَوَعَدَني بالزواج، فكان هذا أولَ انتقامٍ مِن الله عز وجل فندمتُ على ما فعلتُ، وحاولتُ أن أستقيمَ وأتوبَ إلى الله تبارك وتعالى لكن الشيطانَ كان يُوَسْوِس لي بأنه لن يُستجاب لي، ولن يفرج عني، وكنتُ أحس بتشاؤمٍ كبير تُجَاه المستقبل؛ فأقلعتُ عن الدعاء والعبادات؛ لأن ظنِّي بالله كان سيئًا، وما زال كذلك للأسف؛ فقد كنتُ أتمنَّى لو أن ذلك الشابَّ يسترني بالحلال؛ لأنني كنتُ أحبُّه كثيرًا، وحاولتُ بشتى الطرقِ إرجاعَه إليَّ، لكن دون جدوى؛ لأنه كان على عَلاقة غير شرعية مع أخرى!
حاولتُ نسيانه، فلم أُفلِح، فابتلاني الله بمصيبةٍ أعظمَ مِن السابقة بكثيرٍ؛ ألا وهي الفضيحة؛ لقد قامتْ أختاي - وهما أصغر مني سنًّا، وعَلاقتنا لم تكنْ جيِّدة منذ الطفولة - بنصبِ فخٍّ لي، وتسجيلِ فيديو وصورٍ لِما دار بيني وبين ذلك الشابِّ دون أن أعلم بذلك وأبلغتا والدتي، وطلبتا منها أن تَحبِسَني، وتمنعني من متابعةِ دراستي الجامعية؛ وذلك حسدًا منهما لي؛ فامتثلتْ لأوامرِهما، ثم ما لبثتا أن أخبرتا أبي بأنني أقوم بفاحشةٍ، وأمي مَن تُسَاعِدُني، وهي مظلومةٌ لا علمَ لها بشيء، وكاد يعرف أمر التسجيل؛ فيُطلِّق أمي، وتدمَّر العائلة، لولا رحمة الله!
أصبحتُ أَعِيشُ في خوفٍ دائم، لا أعرفُ طعمَ الطمأنينة، ورغم إحساني إليهما فإنهما يهددان بفضحي دائمًا!
لقد خسرتُ كلَّ شيء دنياي وآخرتي بسبب ذنوبي، وفقدتُ دراستي ومستقبلي، وحتى سمعتي لوِّثتْ، وهما من فعَلاَ ذلك حتى لا أتزوج! فمَن يرضى بالزواج مِنْ فاسقةٍ!
لقد تبتُ من ذنوبي، وأردتُ أن أبدأ حياةً جديدة، لكن هاتين الأختين يضمران لي أشد الكره منذ كنَّا أطفالًا، والآن يريدان أن يخربا بيتنا، وما بيني وبين أمي، حتى لا تكلمني، وتقطع علاقتها بي تمامًا!
ماذا عساي أن أفعل؟ إنني أموت يومًا بعد يوم من الهلع والفراغ القاتل، أفكِّر أحيانًا في الانتحار فأتراجع، ثم أَدعُو عليهما من جرَّاء إيذائهما لي وجَوْرِهما؛ لأنه ليس لي نصيرٌ غير الله، رغم أنني أخطأتُ في حقِّ نفسي، وعصيتُ إلهي، وأنا الآن نادمة، لكن ما عاد الندم يُجدِي نفعًا، فقد مرَّت شهور وشهور، وما زال الوضع على حاله، ليس لي الحقُّ في أن أدرس، ولا أن أخرج، أصبحتُ محبوسة في البيت، وإن عصيت أوامرَهما هدَّدَا بإخبار أبي!
أصبحتُ أكرههما أشدَّ الكره، لا شيءَ ينفع معهما، فقد قالتْ لي إحداهما بالحرف: إنها وصلتْ لهدَفِها؛ ألا وهو تدمير مستقبلي! فهما الآن في أشد السعادة بتدمير مستقبلي!
لقد مرضتُ صحيًّا بسبب الفراغ، والعطالة، وكثرة الخوف، والتفكير في المستقبل القاتم، أصبحتُ أُعَانِي من السِّمْنَة، والروماتيزم، والأرق، فهل من حلٍّ لمأساتي؟
إنَّ جميع الأبواب مُوصَدة في وجهي، حتى ذلك الشخص الذي كنتُ على عَلاقة به وَعَدني بأن يُساعدني، وأراد أن يَستُرَني بالحلالِ من باب الشَّفَقة وشعوره بالذنب؛ لما تسبَّب لي من عذاب، لكن ظروفَه الماديَّة لا تسمح، ورغم ذلك كان يَعِدُني ويخفِّف عني، لكنه سرعان ما أخلف وعدَه، ولم يَعُدْ يهتم لأمري؛ لأنه لا يحبُّني، ولن يرضى بإنسانة مثلي زوجة له بعدما أغرقني في الأوهام! هذا جزاءُ مَن اتبع طريق الشيطان؛ إنه انتقام الله مني.
كان هدفي الوحيد أن أحصلَ على شهادتي الجامعية، وأعمل عملًا شريفًا، والله يعلم نيتي في ذلك، ثم أستر نفسي بالحلالِ، لكنهما لي بالمرصاد، إلى أن فقدتُ كل شيء!
فكَّرتُ في إخبار والدي رغم هولِ الكارثة، لكنني لم أتجرأ؛ خفتُ أن تخرب العائلة، وتطلَّق أمي بسببي؛ لأنه لن يتقبَّل ذلك، ويمكن أن يطردني من البيت، أو يحصل له مكروه بسبب الصدمة.
أصبحتُ الآن أعيش تحت رحمتهما، فماذا عساي أن أفعل؟
لقد دُمِّرتْ حياتي؛ إنني أموت موتًا بطيئًا يومًا بعد يوم، حتى لساني أصبح عاجزًا عن الدعاء؛ نظرًا لعدم وجود أملٍ، وضعف إيماني، هل أدعو عليهما دعوة مظلوم؟

أرجوكم أرشدوني إلى حلٍّ، وأفتوني في هذه النازلة، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، أمَّا بعدُ:
فقد ظهر لي أيتُها الأخت الكريمة لما قرأتُ رسالتَكِ أن السبب الرئيس لمعاناتكِ بعد شؤمِ المعصية هو: سوء الظن بالله تعالى، وهذا يظهر في عباراتِكِ من أوَّل الرسالة لآخرها؛ "لن يُستَجَاب لي، ولن يفرج عني، أقلعتُ عن الدعاء والعبادات؛ لأن ظني بالله كان سيئًا وما زال كذلك، ما عاد الندمُ يُجدِي نفعًا، فقد مرَّت شهور وشهور وما زال الوضع، إن جميع الأبواب موصدة في وجهي"، وهذا يدلُّ على أنكِ لم تتوبِي حتى الآن التوبةَ الصحيحة التي سأحاول أن أَصِل بكِ إليها إن شاء الله لتكون بدايةَ الخير.

أولًا: تعلمين أن حُرمة الزِّنا معلومةٌ بالضَّرورة مِن دين الإسلام، ومن جميع الشَّرائع السَّماوية الأُخْرى؛ فقد أَجْمع أهلُ المِلَل وجَميعُ العُقلاء على تحريمه، فلم يحلَّ في ملَّة قطُّ، ولذلك حذَّر الله منه، ونَهَى عن قربانِ وَسائلِه، وليس عن مجرَّد فعله؛ لأن ذلك يشمَلُ النهيَ عن جميعِ مقدِّماته ودواعيه؛ ولذلك دَعِيكِ من مقولَة: "تخلَّى عني، وغرَّرَ بي".
ثانيًا: إن ما يُصِيبُكِ من ابتلاءِ الله تعالى لكِ، واللهُ تعالى يختَبِرنا بما شاء، كيف شاء، متى شاء؛ قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: 31].
ثالثًا: ادفعي البلاءَ كلَّه عنكِ بالصبرِ عليه، وادفعيه بالتي هي أحسنُ؛ قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35]، والصبرُ يجلبُ الرضا يقينًا، وهذه نواميسُ كونيَّةٌ لا تتبدَّلُ ولا تتخلَّف، وقد أمَرَنا اللهُ بها، وهو سبحانه يُحبُّ الصابرينَ، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً أوْسَعَ ولا أفضلَ مِنَ الصبرِ، والله يُوفِّي الصابرين أجرَهم بغيرِ حسابٍ، فالنَّصْرُ مع الصبرِ، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران: 200]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، وقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43]، وقال تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153].
رابعًا: دَعِي القنوط من رحمة الله تعالى، ولا يخدَعَنَّكِ الشيطانُ، ويلبِّس عليكِ، ويُوقعَكِ في اليأس، واقرئي بتدبُّر قولَه تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وقولَه تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فسَعةُ رحمتِه وكرَمِه وعظيمُ فضْلِه يحثُّ عبادَه على التوبةِ والإنابةِ، بل يُبدِّل سيئاتِ عبادِه التَّائبينَ حسَناتٍ؛ فقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، وقال تعالى: {وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 26 - 28]، وقال سبحانه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49]، وقال: {وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 73]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 7].
خامسًا: الفضيحةُ بعد السترِ أمرٌ راعبٌ حقًّا، وله آثار نفسية تُعَانِين منها، ولكن مَن يتغمَّده الله برحمتِه ويَصبِر يثبِّتْه على الابتلاء، ويتغلَّب عليه، ويخرج أفضلَ مما كان؛ فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أراد الله بعبدِه الخير عَجَّلَ له العقوبةَ في الدنيا" [رواه الترمذيُّ]، وقال: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ عبدًا ابتلاه، فمَن رضي فله الرضا، ومَن سخط فله السخط"، وقال: "مَن يُرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" [رواه البخاري]، وكلُّ شيءٍ مقدَّر بمثاقيل الذَّر؛ قال صلى الله عليه وسلم: "ما يُصِيب المسلمَ من همٍّ، ولا غمٍّ، ولا حَزَنٍ، ولا أذًى، حتى الشوكةُ يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه"، وتلك المعاناةُ كفَّارةٌ للذنب، ومغفرةٌ للعبد، فأَبشِري بالخيرِ، وعقابُ الدنيا عافاكِ الله مهما عظُم لا يُسَاوِي غمسةً واحدةً في جهنم!
سادسًا: الشيطانُ يَستَثمِر الفضيحةَ حتى يُقنِّط المرءَ، والعلاجُ الناجع لهذا هو التوبةُ النصوح؛ لأن الشيطان يُيَئِّس الإنسانَ؛ ليقنطه من رحمة الله، فيَحُول بينه وبين التوبة، فقَاوِمي نفسَكِ، وجاهدي شيطانَكِ، واجتهدي في العبادة، وأَكْثِري من التوبة والاستغفار والدعاء، فما شاء الله كان، وما لم يَشَأْ لم يكنْ، والله سبحانه قلوبُ العبادِ بين إصبعينِ من أصابعه يقلِّبها ويقيمها، وهو سبحانه قادرٌ على أن يجعل أخواتِكِ يَنْسين الذنب ولا يذكرنَه أبدًا، وأن يُصلِحَهن لك، فقط أنتَ أَحسِني ظنَّكِ، واصدُقِي في التوبة، ولا تَستَسلِمي لكيدِ الشيطان الرجيم، واستَعِيني بالله ولا تَعجَزِي، واقهَرِي شيطانَكِ؛ ففي الصحيحَيْنِ واللَّفظ لمسلم: "أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حيثُ يَذْكُرني، لَلَّهُ أفرَحُ بتوبة عبْدِه مِنْ أحدِكم يجِدُ ضالَّتَه بالفَلاةِ، ومَنْ تقرَّب إليَّ شِبْرًا، تقرَّبْتُ إليه ذِراعًا، ومَنْ تقرَّبَ إليَّ ذِراعًا تقَرَّبْتُ إليه باعًا، وإذا أقْبَل إِليَّ يمْشِي، أقْبَلْتُ إليه أُهَرْوِلُ"، وهذا الحديثُ بمفردِه كان يَكْفِيكِ؛ فمعناهُ باعثٌ على عدم القنوطِ مِنْ رحمة الله تعالى فإذا أذنبَ تابَ، وإذا ابتُلِيَ صبر.
سابعًا: أكثري من الأعمال الصالحة، وقراءةِ القرآن بتدبُّر يشرَح اللهُ صدْرَكِ لتُدْرِكي سَعَةَ رحمةِ ربِّ العالمينَ بعبادِه، فبِذِكْر آيات الرحمة تطمئنُّ النفسُ، ويسكُنُ القلبُ إلى ذِكْر اللهِ، ويحصُل له الفرَحُ فيَلِين؛ كما قال الرحمنُ الرحيمُ: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23]، ففرِّي إلى اللهِ تعالى الذي "يبْسُط يدَه بالليل؛ لِيَتوبَ مُسيءُ النهارِ، ويبسُط يدَه بالنهارِ؛ ليتوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطلُعَ الشمسُ مِن مَغْرِبها" كما رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثامنًا: تعرَّضي لفضلِ الله ورحمتِه ووعدِه الذي لا يُخْلَف؛ فهو سبحانه أرْحَمُ الراحمينَ، وخيرُ الغافِرينَ، وخيرُ الفاتحينَ، وخيرُ الناصِرينَ، وأحْسَنُ الخالِقينَ، وهو نِعْمَ الوكيلُ، ونِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصيرُ، وهذا يقتضي حمدًا مُطلَقًا على ذلك، وأنه كافٍ مَن توكَّل عليه، وأنه يتوَلَّى عبدَه تولِّيًا حسنًا، ويَنْصُره نصرًا عزيزًا، وذلك يقتضي أنه أفضلُ وأكملُ مِن كلِّ ما سواه، وهو سبحانه سميعٌ قريبٌ؛ قال اللهُ تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]، وهو تعالى رحيمٌ وَدُودٌ، و"الودُّ": اللُّطْفُ والمحبَّةُ؛ فهو يودُّ عبادَه المؤمنينَ، ويجعل لهم الودَّ في القلوبِ؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، قال ابنُ عباسٍ وغيرُه: "يحبهم، ويحبِّبهم إلى عِبادِه".
فمغفرةُ الله عز وجل ورحمتُه أوْسَعُ مِنْ غضَبِه؛ ولذلك لا يُنزِل عِقابَه ابتداءً، وإنما يَسْتَعْمِلُ رحمتَه سبحانه وتعالى ويَهْدِيها عبادَه أولًا، ولمَّا خَلَق اللهُ الخلْقَ كتَبَ في كتابٍ فهو عنده فوق العرشِ: "إنَّ رحمتي تَغلِبُ غضَبي" وهو حديثٌ شريفٌ رُوِيَ في صحيح البخاريِّ ومسلم، وفي رواية: "غَلَبتْ غضبي"، وفي رواية: "سَبَقتْ غضبي".
وفيهما أيضًا عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: قَدِم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بسَبْيٍ، فإذا امرأةٌ مِنَ السبْيِ تسعى؛ إذْ وَجَدَتْ صَبيًّا في السَّبْيِ، أخذتْهُ فألزقتْهُ ببطنِها، فأرضعَتْهُ! فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أتَرَوْنَ هذه المرأةَ طارحةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا والله، فقال: للهُ أرحمُ بعبادِه مِنْ هذه بولَدِها"، فبَيَّن أنَّ اللهَ أرْحَمُ بعِبادِه مِنْ أرْحَمِ الوالداتِ بوَلَدِها، فإنه مَنْ جَعَلَها رحيمةً أرحمُ منها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَحكِي عن ربِّه عز وجل قال: "أذْنَبَ عبدٌ ذنبًا فقال: اللَّهُمَّ اغفرْ لي ذنبي، فقال اللهُ تبارَك وتعالى: أذْنَبَ عبدي ذنبًا فعَلِمَ أنَّ له ربًّا يغْفِرُ الذَّنْبَ ويأخذُ بالذَّنْبِ، ثم عاد فأذْنَبَ فقال: أَيْ ربِّ اغفِرْ لي ذنبي، فقال تبارَك وتعالى: أذْنَب عبدي ذنبًا فعَلِم أنَّ له ربًّا يغْفِرُ الذنْبَ ويأخُذُ بالذنبِ، قد غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فلْيَفْعَل ما شاء" [متَّفَق عليه].
وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيَدِه، لو لم تُذْنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكم، وجاء بقَوْمٍ يُذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيَغْفِر لهم" [رواه مسلمٌ].
تاسعًا: الفرجُ بعد الشدَّة، واليُسْر بعد العسر، قَدَرٌ كونيٌّ لا يتبدَّل ولا يتخلَّف؛ قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].
عاشرًا: أدمني ذِكْر الله؛ فذكرُ الله تعالى هو الفرجُ بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرَج بعد الغمِّ والهم، ويُذهِب عن القلب مخاوفَه كلَّها، وله تأثيرٌ عجيب في حصول الأمن، فليس للخائفِ الذي قد اشتدَّ خوفه أنفعُ من ذكر الله عز وجل إذ بحَسَبِ ذكرِه يجدُ الأمن، ويزولُ خوفه، حتى كأن المخاوفَ التي يجدُها أمان له، والغافل خائف مع أمنِه، حتى كأنَّ ما هو فيه من الأمن كلُّه مخاوفٌ، ومن له أدنى حسٍّ قد جَرَّب هذا، وهذا ما قاله ابن قيم الجوزية في كتابه: "الوابل الصيب من الكلم الطيب"؛ وأنصحُكِ باقتناء الكتاب.

هذا؛ وأسأل الله عز وجل أن يسهِّل لكِ الصعبَ، وييسِّر عليكِ العسيرَ، ويخفِّف المشاقَّ، وأن يبدِّل عسرَك يسرًا، ومشقَّتكِ خفَّة، وأن يفرِّج كربتَكِ.