خجلي الزائد .. وطبيبي الأجنبي

منذ 2014-04-01
السؤال:

أنا طالبةٌ في كلية الطب، أدرس في دولةٍ أوروبية، مشكلتي لها ثلاثة أطراف رئيسية وهي: أنا، وخجلي، وطبيبي الأجنبي!

بدأتْ مشكلتي مع خجلي منذ نُعومة أظفاري، فأشعر أن عائلتي لا تستطيع أن تعتمد عليَّ في أيِّ شيءٍ، فكانوا وما زالوا يُعاملونني على أنني تلك الفتاة التي لم تبلغْ سن الرُّشد بعدُ، بالرغم مِن أنني في العشرينيات من عمري.

أرى أن مشكلتي هذه بسبب خجلي الزائد الذي أشعر بأنه يُقَيِّدني، فبسبب خجلي لا أستطيع أن أفتحَ أي موضوع مع أي أحدٍ، مهما كان هذا الشخص؛ سواءٌ كان صديقًا، أو قريبًا، أو حتى طبيبي؛ برغم من أنني في منزلي -منزل والدي- لا أشعر بهذا الشعور؛ فأنا أضحك، وأمزح، وألعب، وما إن يأتي لزيارتنا أحدٌ حتى يطبق الصمت والهدوء عليَّ، فكثيرًا ما كنت أسمع: فلانة ما لها صوتٌ، أو: فلانة هادئة جدًّا!

خجلي ليس مِن قلة ثقة بنفسي، فلله الحمدُ لي من الجمال قسمةٌ، والحمدُ لله أيضًا لي في العلم والمثابرة قسمة، وأنا الآن في دولة أوروبيةٍ، ولا أستطيع أن أحتكَّ بالناس، أو أن أفتح موضوعًا مع طلاب مجموعتي؛ بسبب خجلي!

لا أعلم ما سبب خجلي؛ فأنا لا أستطيع حتى أن أنظرَ في عيني أي شخصٍ مهما كان، وخاصة لو كان رجلًا! مشكلتي هذه أرهقتْني كثيرًا؛ فأنا أريد أن أتحررَ من جميع قيودي، وأن أنطلقَ مع أقراني، وأن أستمتع بزهرة شبابي!

أما مشكلتي الأخرى فهي أني تعرَّفتُ إلى شابٍّ، أو بالأحرى طبيبي وأستاذي، وهو أجنبي الجنسية، وأشعر بأن هناك شيئًا ما يربطني بهذا الشخص، ربما لنظراته لي، وطريقة حديثه، وحركاته حين يُحادثني، مع العلم بأنني فتاة محجبة.

كثيرًا ما أسأل نفسي: ما الذي يجعل هذا الطبيب وشابًّا أجنبيًّا مثله أن ينظرَ إليَّ بتلك النظرات المريبة؟ فالمرأة مهما كانتْ تشعُر بنظرات الرجل إذا كان مُعجبًا بها، يحبها، أو شيئًا آخر لا أستطيع تفسيره! ولكثرة نظراته وحركاته بدأتُ أشعر بأنني متعلقة به، ومتعلقة بنظراته بشكلٍ بدأ يُفقِدُني صوابي!

كثيرًا ما يخطر ببالي أن أذهبَ إليه، وأحادثه، وإن أمكن أن أدعوَه للإسلام، فلربما يَكتُبُ الله له الهداية على يدي! فماذا يجب أن أفعلَ حتى أزيلَ خجلي الزائد وأستمتع بحياتي؟ وماذا بشأن طبيبي؟ هل أذهب إليه وأحادثه؟ ولربما أدعوه الإسلام؟

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فاحمدي الله -أيَّتُها الابنةُ العزيزةُ- على نعمةِ الخَجَلِ أو الحياء الذي تشعرين أنه حِمْلٌ ثقيلٌ عليك، وما هو إلا نعمةٌ كبيرةٌ مَنَّ الله عليك؛ كَفَتْكِ شرورًا كبيرة، وأغلقتْ عليك أبواب فتنةٍ، فتصوري لو أنك تتحلَّيْنَ بالجرأة بدلًا من الخَجَلِ، لكنتِ -الآن- كبقيَّةِ الفتيات التي تشاهديهن يذهبن ويَرُحْنَ مع الرجال الأجانب، ويستمتعن بحياتهن كما يحلو لهنَّ!

احمَدي الله على نعمة الحياء التي هي أعظمُ حِليةٍ للفتاةِ، وهذا يدركُهُ جميعُ العُقَلاء، وكل صاحب فطرة سليمة عندما يقارن بين فتاتين إحداهما متحررة، والأخرى حالها كحالك تمامًا.

ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قال: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».

وفيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، وعند البخاريِّ: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ».

وفيهما عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ».

وفي صحيح البخاري عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنها- قالت: "... وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَدِيدَ الحَيَاءِ"، الحديثَ.

فكلُّ ما تشعُرين به هو تضاربٌ بين قِيَمِكِ الإسلاميةِ وشيمِكِ العربية والفطرة التي فطرَكِ اللهُ عليها تضارَبَ كلُّ هذا مع القِيَمِ الأرضيةِ الجاهليةِ، وما عليه الناسُ مِن فتنٍ لو سَبَرْتِ غَوْرَهَا لرأيتِ العَجَبَ العُجَابَ، ولحمدتِ الله على العافية، وهذا ما يدفعك إلى أن تقولي: "لا أستطيع أن أحتك، أو أن أفتحَ موضوعًا مع طلاب مجموعتي؛ بسبب خجلي! لا أعلم ما سببُ خجلي؛ فأنا لا أستطيع حتى أن أنظر في عيني أي شخص مهما كان، وخاصة لو كان رجلًا!"، "أريد أن أتحرَّرَ من جميع قيودي، وأن أنطلقَ مع أقراني، وأن أستمتع بزهرة شبابي!".

فاسألي نفسك أيتها الابنة الكريمة: هل الاستمتاعُ بزهرة الشبابِ لا يكونُ إلا بمعصيةِ اللهِ، وبتركِ الحَيَاءِ، والنظر في عين محدِّثِكِ على الطريقة الغربية الوقحة الماجنة؟!

أليس كل ما تتمنين فعله مما حرمه الله تعالى؟ ألم يأمرِ اللهُ ورسولُهُ بغضِّ البَصَرِ؟ ألم يأمرنا بالفرار من الفتنة؟ وحذرنا غاية التحذير من التعرُّض لها، وأن من نظر للفتن أهلكته، ومَن فتح باب فتنة ولجه؟

فالله -سبحانه- قَطَعَ طريقَ الغِوَايَةِ على عباده؛ كي لا يندموا بعد فوات الأوان، وقبل أن يحال بينهم وبين قلبهم؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]، وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]، وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110].

فالله -سبحانه- الخالقُ العليمُ بخلقِهِ، وطبيعةِ تكوينِهِمْ هو الذي يَنْهَى عن هذا، الذي خَلَقَ الرجالَ والنساءَ يَعْلَمُ أن المرأةَ تُثِيرُ الطَّمَعَ، وتهيِّجُ الفتنة في القلوب، فكيف بالمجتمع الذي نعيش اليوم فيه في عصرنا المريضِ الدَّنِسِ الهَابِطِ، الذي تهيج فيه الفتن، وتَثُورُ فيه الشَّهَوَاتُ، وترف فيه الأطماع؟ كيف بنا في هذا الجوِّ الذي كلُّ شيءٍ فيه يُثِيرُ الفتنة، ويُهَيِّجُ الشهوة، ويُنَبِّهُ الغريزةَ، ويُوقِظُ السُّعارَ الجِنْسِيَّ المحمومَ؟! كيف بنا في هذا المجتمعِ؟! في هذا العَصْرِ؟!

تأملي -أيَّتُها الأختُ الكريمةُ- هذا الحَدِيثَ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، على كَتِفَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعلى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعلى الصِّرَاطِ دَاعٍ يَدْعُو يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْلُكُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَعْوَجُّوا، وَدَاعٍ يَدْعُو على الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ فَتْحَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْلَكَ لَا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحه تَلِجْهُ، فَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّتُورُ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَالدَّاعِي الَّذِي على رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقُ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» (صحيح الجامع).

وتأمَّلي هذا الحَدِيثَ -أيضًا- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ، فَلْيَنْءَ مِنْهُ، مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ، فَلْيَنْءَ مِنْهُ، مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ، فَلْيَنْءَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لما مَعَهُ مِنَ الشُّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ»؛ (رواه أحمد، وأبو داود) .

فنهي رسولُ الله عن أدنى ميلٍ أو رُكُونٍ، وبيَّن أن مِنَ الناس مَن يأتيهِ، فيطيع الدجَّالَ؛ من أجل ما يثيرُهُ، ويباشِرُهُ من الشبُهات، والمشكلات؛ كالسحر، وإحياءِ الموتى، وغير ذلك، فيصيرُ تابِعُهُ كافرًا وهو لا يدْري.

ولْتعلَمِي أنَّ وسائل الاستمتاع الحلال كثيرةٌ ومباحةٌ؛ فاحذري أن يَقَعَ ذُبابُ حِرْصِكِ على الحَرَام، فتخسرين، فأنتِ إنما أَتَيْتِ لتلك البلادِ للعلم، وليس لِلَّعِبِ، واللهو، وإقامة العلاقات.

ابحثي عن رُفْقَةٍ صالحةٍ، وَدَعْكِ من نَظَرَاتِ ذلك الطبيبِ، واحذري مِن الانجراف؛ فمن تَجْرِفْهُ رياحُ المعصيةِ يدخُلْ في دوَّامَتِهَا، ولا يَرْجِعُ إلا أن يَشَاءَ اللهُ تَعَالى.

ولا تخدعي نفسَكِ وتعلِّلِيها أن الأمر هو خَجَلٌ زائدٌ، أو أنك غير اجتماعيةٍ إلى غير هذا؛ فأنتِ صاحبةُ قدراتٍ؛ بدليلِ اللُّغة التي تكتبين بها، والمرحلة الدراسية التي وصلت إليها، ولكن الشيطان يُلَبِّسُ عليكِ بما تظنينه حَسَنًا؛ حتى يوقِعَكِ في الحرام، فاحذريه؛ فالله -سبحانه- مَنَّ عليكِ، وَجَبَلَكِ على خُلُق عظيم يُجَنبك شياطين الإنس، وكذلك من الظاهرِ أن أُسْرَتَكِ أَحْسَنَتْ تربِيَتَكِ؛ حتى صرتِ صاحبةَ خُلُقٍ، وفضلٍ، وَحَيَاءٍ، وَكَرَمِ نَفْسٍ، فتعاملي مع بَنَاتِ جنسِكِ، وَنِسَاءِ أُسْرَتِكِ، وَمَحَارِمِكِ معاملةً عاديةً بعيدةً عن التكلُّف، أو التحفُّظ الزائد؛ فالمُؤمنُ إِلْفٌ مألوفٌ، أما مع الرجال الأجانب، فَلَا.

وفَّقكِ الله لكل خيرٍ، وجنبَّك شرَّ نفسك والشيطان.

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 21,645

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً