صديقتي تغرق أمام عيني، وأنا لا أعرف كيف أنقذها

منذ 2016-04-29
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أمَّا بعدُ:

لا أعرف كيف أبتدئ كلامي، ولكن أريد أن أسألَ عن حلٍّ لمشكلةٍ لا تخصني أنا شخصيًّا، ولكن تخصُّ صديقتي المقَرَّبة لي في الجامعة.

 

أنا أدرس في جامعةٍ مختلطة (خاصة)، وصديقتي في بداية العام الدراسي كانتْ محترمة جدًّا وجيدة، ولَم تكنْ تُصاحب الشباب ولا تُصافحهم، مع أنها غير مُلتزمة، ولكن ترتدي الحجاب العادي.

 

منذ بداية الفصل الدراسي الثاني دخل علينا شابٌّ جديدٌ في الدفعة، وبدأ يتقرَّب إلى صديقتي، تارةً بتصوير الورق، وتارةً بالحديث، إلى أن بدأ يخرج معها ويكلمها، وبالطبع بدأتُ أنا أبتعد عنها وكذلك صديقاتي؛ لأننا - والحمد لله - نعرف حُدُودنا مع جميع الأولاد، ولنا مكانتُنا في الجامعة.

 

حَدَث موقف منذ وقتٍ قريب: إذ كنَّا واقفات في الجامعة، وإذ به يُنادي عليها بصوتٍ عالٍ أمام الناس جميعًا، وذهب إليها فأعطاها (بنبوني)، وكان يضحك ضحكةً سافرة جدًّا، وأعطاها لها بـ(رومانسية) شديدة، فأخذتْها منه، وكانتْ تضحك معه بصوتٍ عالٍ، فكنتُ أجذبها حتى لا تردَّ عليه، ولكنها لَم تسمع كلامي، فتركناها وذهبنا.

 

المشكلة ليستْ كذلك فقط، ولكن المشكلة أيضًا في أنَّ صديقتي هذه لا ترفض ولا تصُد أي شابٍّ يُريد أنْ يُكلِّمَها، وعندما أخبرَتْ أمَّها بذلك قالتْ لها أمُّها: "ساعديه في مجال المذاكرة فقط، وليس غير ذلك!"، أنا لا أعرف كيف أن والدتها لا تعرف أن الصغير يَجُر إلى الكبير؟! وأن ابنتها من الممكن أن تُضَرَّ بذلك وهي لا تدري؟!

 

علمتُ كذلك أنَّ هذا الشاب يُكَلِّمها على الإنترنت (الشات)، ولا أدري هل أخذ رقم هاتفها أو لا؟

 

أنا لا أعرف حلاًّ لهذه المشكلة، صديقتي تغرق، وأنا مكتوفة الأيدي، وفي قمة الحزن بسببها، وكلَّما تذكَّرتُها شعرت بالذنب، وأشعر أنها مُعلَّقة في رقَبَتي؛ لأنها صديقتي أولاً، ولأنني أكبر منها ثانيًا.

 

نصحتُها كثيرًا أن تصدَّ هذا الشاب، أو لا تكلمه مرَّة أخرى، ولكنها تقول: أُحْرَج أن أفعل ذلك.

 

قبل أن أنسى: نصحتُها قبل ذلك ألاَّ تسلم عليه بيدها، وأنها لو فعلتْ ذلك مرة أخرى فلن أكلمها ولن أسير معها، فغضبتْ مني، وقالت: "أنا أعلم حدودي، وأمي تعلم ما أفعل، وتقول لي ماذا أفعل"، فكان ردُّ فعلِها هذا سببًا ألا أنصحها بشيءٍ مرة أخرى.

 

فضيلة الشيخ، أُرسل لكم هذه المشكلة؛ لأنَّ صديقتي فعلاً ليس مثل الفتيات الأُخريات، ولكن - للأسف - هذا الشاب يجرُّها بالتدريج، وهي لا تستوعب هذا، ولا تستوعب الضرر الذي تنجرُّ إليه.

 

صديقتي فيها خيرٌ كثير، وأنا أخاف عليها جدًّا، وأريد أن أقفَ بجانبها.

 

أرجوكم ساعدوني, أريد حلاًّ بسرعة قبل أن تغرقَ صديقتي.

 

وجزاكم الله كل خيرٍ

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فما ذكرته السائلة الكريمة نتيجة حتميَّة للاختلاط وتعريض النفس إلى الفِتَن، وخطوة متقدمة إلى الفتنة، فالشَّيطانُ يَجري منِ ابْنِ آدم مَجرى الدَّم، وقد حذَّر الله تعالى من اتِّباع خطوات الشيطان؛ فقال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21].

وحذَّرَنَا النَّبيُّ من مجرد التَّطلُّع للفِتَن؛ فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: «ستكونُ فِتن، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، ومن يُشْرِف لها تَستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعُذ به»؛ متفق عليه.

 وأمر - عز وجل - بغَضِّ البصر؛ فقال سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 1 3]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَة، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَر، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِق، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُه»؛ متفق عليه من حديث أبي هريرة.

 فالمنهجُ الإسلامي القويم ضبط تعامل الرِّجال والنِّساء بضوابط شرعيَّة، تصون الأعْراض، وتحقِّق العفَّة والطَّهارة، وتَمنع الفواحش، وتسدُّ الذَّرائع إلى الفساد، فمن ذلك أنَّه حرَّم الاختِلاط والخلْوة، وأمر بالستْر الشَّرعي، وغضِّ البصر، والاقتِصار في الكلام مع الرِّجال على قدْر الحاجة، وعدم الخُضُوع والتكسر بالقوْلِ في مُحادثتهم، ونحو ذلك من الضَّوابط الشرعيَّة، وهي قواعد منضبطة تصلُح للجميع، لا كما يقول دعاة الاختلاط: إن هذا يختلف من شخص لآخر، أو من ثقافةٍ لأخرى، وغير ذلك من الدعاوى التي يكذِّبها الحس والمشاهدة.

وما ننصح به الأختَ السَّائلة هو: الاستمرار في نُصح زميلتها، وأن تبيّني لها خطورة الاستِرسال في العلاقة بالشباب "المستهتر"، الذي يجيد خِداع الفتيات الغافلات والتغرير بهن، بل هو باب البلاء، وبرزخُ النَّدامة، وسبب كثيرٍ من المفاسِد والشُّرور التي نحياها من الوقوع في شِباك الغَواية، والسير في طرق الضَّلالة، والواقع خير شاهد؛ فكم من أناس هجموا على ما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - باجتنابه، فلم يلبثوا أن وقعوا في عار الفاحشة!

وأنها ستلوِّث سُمعتها بالإقدام على تلك المحَرَّمات، والتي تجرُّ في كثير من الأحيان إلى الوقوع في الرذائل، وتُؤجِّج الشهوة وتوقدها، وليَكُنْ حِوارُك معها بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تَجتَهِدي في توجيهها وإقناعها بفساد الاختلاط، وأنَّ عاقبتَها وخيمة، وأنَّها تُوقع الإنسانَ في الرَّذيلة من حيثُ لا يشعر، وبيِّني لها أن شأن المسلمة الانقياد لأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلَّم - مهما كانتْ صعبةً أو شاقَّة على النفس؛ فالمؤمنُ الحقُّ الصادق في إيمانه هو الذي يَصْدُق في تَحقيق طاعة ربِّه - سُبحانه وتعالى - وامْتِثال أوامره، واجتِناب نواهيه، وليس للمؤمن ولا المؤمنة أن أو يتردَّدا في الأمر، بل يَجِبُ عليهما السَّمع والطاعة مُباشرة؛ عملاً بقوله - جلَّ وعلا -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وهذا هو دأب المؤمنين الذين مدَحَهُم ربُّهم - سبحانه وتعالى – بقوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ} [النور: 51 - 52].

ولتحرصن جميعًا على شغْل أوقاتكن بالطاعات والمباحات التي تعين على فعل الطاعة؛ فالنفسُ إن لَم تشغل بالطاعة شغلتْ بالمعصية، ولتساعديها على مُصاحبة الفتيات الصالحات، وإبعادها عن صديقات السُّوء.

هذا؛ وقد أمر الله - تعالى - بآدابٍ راقية لنِساء النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ونساءُ الأمَّة تبعٌ لهنَّ في ذلك؛ فقال - تعالى -: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، فإن القلبَ المريض لا يتحمَّل ولا يصبِر على أدنى سببٍ يدْعوه إلى الحرام، حتَّى ولو كان مجرَّد نبرة صوْتٍ فيها لين وضعْف؛ ولذلك لمَّا كان وسيلةً إلى المحرَّم، مُنِعتْ منْه، ووجب عليْها عند مخاطبة الرِّجال ألاَّ تُلينَ لهم القَول؛ فللوسائل أحكام المقاصد.

قال الأستاذ سيد قطب في "الظِّلال" عند قوله: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]: "ينهاهنَّ حين يُخاطِبْنَ الأغراب من الرِّجال أن يكونَ في نبراتهنَّ ذلك الخضوع الليِّن، الذي يُثير شهواتِ الرِّجال، ويُحَرِّك غرائِزَهم، ويُطمِع مرضى القلوب، ويُهَيِّج رَغَائِبَهُم، ومَنْ هُنَّ اللَّواتي يُحَذِّرهن اللهُ هذا التَّحذير؟ إنَّهنَّ أزْواج النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأمَّهات المؤمنين، اللَّواتي لا يطمع فيهنَّ طامع، ولا يَرِفُّ عليْهِنَّ خاطر مريض، فيما يبْدو للعقْل أوَّلَ مرَّة، وفي أي عهدٍ يكونُ هذا التَّحذير؟ في عهْد النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعهْد الصَّفوة المخْتارة من البشريَّة في جَميع الأعْصار.

ولكنَّ اللهَ الَّذي خلق الرِّجال والنساء يعلم أنَّ في صوت المرأة حين تخضع بالقوْل، وتترقَّق في اللَّفظ - ما يُثِيرُ الطَّمَعَ في قلوب، ويُهَيِّج الفتنةَ في قلوب، وأنَّ القلوب المريضة التي تُثَارُ وتطمع موجودةٌ في كلِّ عهد، وفي كلِّ بيئة، وتجاه كلِّ امرأةٍ، ولو كانت هي زوْجَ النَّبيِّ الكريم، وأمَّ المؤمنين، وأنَّه لا طهارةَ من الدَّنَس، ولا تَخَلُّص من الرِّجس، حتَّى تَمْتَنِع الأسباب المثيرة من الأساس.

فكيْف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه، في عصرنا المريض الدَّنِس الهَابِط، الذي تَهِيجُ فيه الفتن، وتَثُورُ فيه الشهوات، وتَرِفُّ فيه الأطماع؟! كيف بنا في هذا الجوِّ الَّذي كلُّ شيء فيه يُثِيرُ الفِتنة، ويُهَيِّجُ الشَّهْوة، وينبِّه الغريزة، ويوقظ السُّعَار الجِنْسِيَّ المحموم؟! كيف بنا في هذا المجتمع، في هذا العصر، في هذا الجو، ونساء يَتَخَنَّثْنَ في نَبراتِهِنَّ، ويَتَمَيَّعْنَ في أصواتِهنَّ، ويَجمعنَ كلَّ فتنة الأنثى، وكل هتاف الجنْس، وكل سُعَارِ الشَّهْوَةِ، ثم يطلقْنَه في نبراتٍ ونغماتٍ؟!

وأين هنَّ من الطهارة؟! وكيف يُمكن أن يَرِفَّ الطُّهر في هذا الجوِّ المُلَوَّث، وَهُنَّ بذواتِهنَّ وحركاتِهنَّ وأصواتِهنَّ ذلك الرِّجس الذي يريد الله أن يُذْهِبَهُ عن عِبَادِهِ المُختارين؟!

{وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوْفًا}: نَهاهنَّ من قبلُ عن النَّبْرَةِ الليِّنة، واللَّهجة الخاضعة، وأَمَرَهُنَّ في هذه أن يكون حديثُهنَّ في أمورٍ معروفة غير مُنْكَرَةٍ؛ فإنَّ موضوع الحديث قد يُطْمِع مثل لهْجة الحديث، فلا ينبغي أن يكونَ بين المرْأة والرَّجُل الغريب لحنٌ ولا إيماءٌ، ولا هَذَر ولا هزل، ولا دُعَابَة ولا مزاح؛ كي لا يكونَ مدخلاً إلى شيءٍ آخر وراءه من قريبٍ ولا بعيد".اهـ.

وإنْ لَم تَقتَنِعْ أو يَنصلح حالُها فجرِّبي معها أسلوبَ الهجْر والمُقاطعة، إن كان ذلك سيؤدِّي إلى زجْرِها عن ارتكاب تلك المعصية، وإلا فلا.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى":

"فإنَّ المقصود به زَجْرُ المهجور وتأديبه، ورجوعُ العامَّة عن مثل حالِه، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحةً بِحَيْثُ يُفْضِي هجْرُه إلى ضعف الشر وخفْيته، كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيرُه يرتَدِعُ بذلك، بل يَزيد الشَّرّ، والهاجرُ ضعيفٌ بِحَيْث يكون مفسدة راجحة على مصلحتِه - لَم يُشْرَع الهجر، بل يكون التأليف لبعْضِ النَّاس أنفَعَ من الهجر، والهجر لبعْضِ النَّاس أنفَع من التَّأليف، ولهذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتألَّف قومًا، ويهجُر آخَرين".

كما يمكنك إطلاع زميلتك على تلك الفتاوى:

"عدم الاختلاط، والثبات على الحق"، و"حكم الحب المحترم"، و"حكم الدَّردشة مع الجنس الآخر"، و"حكم علاقة الشاب بفتاة بقصد الزواج"، و"إقامة الصداقة بين الفتيان والفتيات قبل الزواج"، و"الدِّراسة الجامعية المختلطة"، و"الحديث مع الفتيات بكلام غير فاحش".

نسألُ الله - تعالى - أن يهْدي شبابَ ـ ذكورًا وإناثًا ـ المسلمين إلى الالتِزام بشرع الله تعالى، وأن يعصِمَهم من مُخالفة أمْرِه وارتِكاب نَهيِه،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 3
  • -1
  • 49,633

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً