تعنت الأسر في رفض الخطاب

منذ 2019-02-26
السؤال:

فتاة تريد الزواج من ولد كانت تعرفه مند ايام الجامعة ، و اهلها لا يوافقون على زواجها به لان الولد اسود البشرة والفتاة بيضاء البشرة ، و لانه يقطن في حي فقير و له سمعة سيئة مع العلم ان الولد محترم و مؤدب و ينحدر من عائلة كبيرة و لديه وظيفة محترمة ، مع ذلك فان عائلة الفتاة لا توافق ، ماذا يمكن ان تفعل الفتاة في هذه الحالة

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فمما لاشك فيه أن رفض تلك الأسرة تزويج الشاب بسبب سواد بشرته، من بقايا الجاهلية التي بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لهَدمها، وقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم عرفة: "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ مَوضوع" فالكفاءة المعتبرة في الرجل هو الحسن الخلق وصلاح الدين، فالشارعَ الحكيمَ قد وَضَعَ معيارَ اختيار الزوج؛ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم مَنْ ترضَوْن دينَه وخُلُقَه فأنْكِحوه، إلا تفعلوهُ تَكُنْ فتنةٌ في الأرْض وفساد كبير"، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم مَن ترضَوْن دينَه وخُلُقَه فأنْكِحوه" ثلاثَ مرَّات.

وقولهم في الحديث: "وإن كان فيه؟" معناهُ: وإن كان قليلَ المال، أو ناقصَ الكفاءة؟ أو غير ذلك من النقص من أمور الدنيا،  وهو ظاهر في عدم اعتبار الكفاءة في النَّسَب.

أما يمكن للفتاة فعله فلتستعن بالله تعالى على إقناعهم، وتتحدث مع والدها، وتبين له موافقتها على الزواج، وتدافع عن حقها الشرعي في اختيار زوجك، وأن مسألة شكل الخاطب خاصة بالفتاة وليس الأولياء، ولتحرص على تقدير والدها، والحديث معه بأسلوبٍ رقيقٍ مهذبٍ، فذلك أدْعَى للقبول.

ولتكثر مِن الدعاء والتضرُّع، فالقلوبُ بِيَدِ الله تعالى يُقلِّبها كيف يشاء، ولتكن على ثقةٍ أنَّ رحمة الله أوسع، ورعاية الله أشمل، وجناب الله أرحب، وهو أقدرُ سبحانه وتعالى.

ولتستعن بمَن له تأثيرٌ على الوالد مِن قريبٍ أو صديقٍ، فإن أصرَّ على رفضِه لا قدَّر الله فلا سبيل للزواج منه، ولتحذر من الخروج عن طاعة أهلها؛ فالفتاةُ يَجب أن تبقى في رعاية أهلها وكنَفهم، ولتصبر؛ {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]؛ فالصبرُ على الألم شاقٌّ ومَكروه للنفس، إلا أنه خير محضٌ، ففيه الانقيادُ للشارع الحكيم الذي جعَل رضا الولي شرطًا في صِحة النكاح، وفي هذا من الثواب العظيم ما يربو على ما فيه مِن الكراهة، والله سبحانه إذا قيَّض مِن الأسباب ما يصرف به شيئًا ما، فهو بلا شك خير لنا، لأنه سبحانه {يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، فوجب شكرُ الله، ولْنتوافَقْ مع أقدار الله، سواء سَرَّتْنا أو ساءتنا.

غير أنه قد نصَّ الفقهاءُ على أنَّ الولي إن منع المرأة مِن التَّزويج بكُفئها إذا طلبت منه ذلك، ورغِب كلُّ واحدٍ بصاحبِه - أنَّه يَفسُق بالعضْل، وتنتقل الولاية إلى الولِيِّ الأبعد؛ قال الله عز وجل{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232].

قال ابن قُدامة في "المغني": "إذا عضلها وليُّها الأقْرب انتقلت الولايةُ إلى الأبْعدِ، نصَّ عليه أحمدُ، وعنه رواية أُخرى: تنتقِل إلى السلطان، وهو اختيارُ أبي بكر، وذُكِر ذلك عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنْه وشريحٍ، وبه قال الشَّافعيُّ؛ لقولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فإنِ اشتجروا فالسُّلطان وليُّ مَن لا وليَّ له))، ولأنَّ ذلك حقٌّ عليه امتنع مِن أدائه، فقام الحاكمُ مقامَه، كما لو كان عليه دَيْنٌ فامْتَنَع مِن قضائِه، ولنا أنَّه تعذَّر التَّزويج مِن جهة الأقرب، فمَلَكَه الأبعدُ، كما لو جُنَّ؛ ولأنَّه يَفسُق بالعضل، فتنتقِل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر، فإن عَضَلَ الأولياء كلُّهم، زوَّجَ الحاكمُ". اهـ.

فإن تيسر لها فعل هذا وقويت عليه جاز لها،، والله أعلم. 

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 2
  • 0
  • 9,621

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً