نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

مقطع مميز :حتى تكون مجاب الدعوة

منذ 2015-12-01

الدعاء له آداب وشروط، لابد من تعلمها والحرص عليها، واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس لـ ابن القيم رحمه الله حيث قال: وإذا جمع العبد مع الدعاء حضور القلب، وصادف وقتاً من أوقات الإجابة، وخشوعاً في القلب، وانكساراً بين يدي الرب، وذلاً له، وتضرعاً ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على رسول الله، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألح عليه في المسألة، وتملقه ودعاه، رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً، ولاسيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، وأنها متضمنة للاسم الأعظم.
انتهى بتصرف من الجواب الكافي لـ ابن القيم صفحة (19) .

الصدقة
وقد أكّد عليها ابن القيم في كلامه السابق، ولها أثرٌ عجيبٌ في قبول الدعاء، وبل وفعل المعروف أياً كان: [فصنائع المعروف تقي مصارع السوء] .
كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:143-144] .

عليك بالصبر، وإياك واليأس والقنوط
وفي هذا توجيهات: أولاً: اعلم أن الدعاء عبادة، ولو لم يحصل لك من دعائك إلا الأجر على هذا الدعاء بعد إخلاصك لله عز وجل فيه لكفى.
ثانياً: أن تعلم أن الله أعلم بمصلحتك منك، فيعلم سبحانه أن مصلحتك بتأجيل الإجابة أو عدمها.
ثالثاً: لا تجزع من عدم الإجابة، فربما دُفِع عنك بهذا الدعاء شراً كان سينزل بك، فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه: (أو يدّخر له من الأجر مثلها) .
رابعاً: امتحان الصبر والتحمل: ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحان لصبرك وتحملك وجلدك: هل تستمر في الدعاء وفي هذه العبادة أم تستحسر وتملّ وتترك الدعاء؟! ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي) متفق عليه.
وفي جزء من رواية لـ مسلم: (قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَعُ الدعاء) .
خامساً: أن تلقي باللوم على نفسك: وهي من أهمها، أنت تلقي باللوم على نفسك؛ فقد يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي، أو التقصير أو إخلالك بالدعاء أو تعديك فيه، فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك وتنسب التقصير وعدم الإجابة إلى نفسك، فهذا من أعظم الذل والافتقار إلى الله.
واسمع -أيضاً- لهذا الكلام الجميل النفيس، لـ ابن رجب رحمه الله في نور الاقتباس يقول: إن المؤمن إذا استبطأ الفرج، ويئس منه، ولاسيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة، يقول لها: إنما أُتيت من قبلك، ولو كان فيك خيراً لأجبت.
وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حينئذٍ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.
انتهى كلامه رحمه الله.

قال سلمان الفارسي: [إذا كان الرجل دعاءً في السراء، فنزلت به ضراء، فدعا الله عز وجل قالت الملائكة: صوت معروف، فشفعوا له.
وإذا كان ليس بدعاء في السراء، فنزلت به ضراء فدعا الله، قالت الملائكة: صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له] ذكر ذلك ابن رجب.
أيها الأخ! وأنا أتأمل في حديث الثلاثة أصحاب الغار، وهم يدعون ويتوسلون إلى الله بصالح أعمالهم وأخلصها لله، أقول في نفسي وأفتش فيها: أين ذلك العمل الصالح الخالص لله الخالي من حظوظ النفس الذي سألجأ إلى الله فيه عند الشدة؟! فلنرجع لأنفسنا ولنسألها مثل هذا السؤال لنبحث في أعمالنا، وعن الإخلاص لله فيها، ولنكن على صلة بالله في الرخاء، وصدق من قال:
إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال

إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله تعالى، وفيه اطمئنان للنفس وراحة للقلب، فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وتذكر دائما أن كل شيء بقضاء وقدر، وأنه من عند الله.

احرص على أكل الحلال، فهو شرط من شروط إجابة الدعاء وفي الحديث: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
فالله الله بالحلال، فإن له أثراً عجيباً في إجابة الدعاء، ربما قصرنا في وظائفنا، أي نوع من التقصير وكان ذلك التقصير سبباً في رد الدعاء وعدم إجابته، فلننتبه!

وأخيراً من التوجيهات حتى تكون مجاب الدعوة إن شاء الله: أكثر من الاستغفار في الليل والنهار، فلو لم يكن فيه إلا قول الحق عز وجل: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10-12] .
فأين من يشكو الفقر والعقم والقحط عن هذه الآية؟! هذه توجيهات انتبه لها قبل أن ترفع يديك إلى السماء، لتكن إن شاء الله مجاب الدعوة.

  • 89
  • 4
  • 27,423
i