نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

مقطع مميز : الشكوى إلى الله وحده

منذ 2015-12-02

إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحناً وبلايا آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورث الخوف والجزع، كم في الدنيا من عين باكية، وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل هذا يشكو علة وسقماً، وذاك حاجة وفقراً، وآخر هماً وقلقاً!! عزيزُ قد ذلَّ، وغنيٌ افتقر، وصحيحٌ مَرِض رجل يتبرم من زوجه وولده، وآخر يشكو ويئن من ظلم سيده، وثالث كسدت وبارت تجارته.
شاب أو فتاة يبحث عن عروس، وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس هذا مسحور وذاك مدين، وآخر ابتلي بالإدمان والتدخين، ورابع أصابه الخوف ووسوسة الشياطين.
تلك هي الدنيا، تُضحِك وتُبكي، وتجمع وتشتت شدة ورخاء، وسراء وضراء، وصدق الله العظيم: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد:23] .

أيها الأخ! السؤال الذي يجب أن يكون: هؤلاء إلى من يشكون؟ وأيديهم إلى من يمدون؟ يجيبك واقع الحال: على بشر مثلهم يترددون، وللعبيد يتملقون، يسألون ويلحون، وفي المديح والثناء يتقلبون، وربما على السحرة والكهنة يتهافتون.
نعم والله! تؤلمنا شكاوي المستضعفين، وزفرات المساكين، وصرخات المنكوبين، وتدمع أعيننا -يعلم الله! - لآهات المتوجعين وأنات المظلومين، وانكسار الملذوعين.
لكن أليس إلى الله وحده المشتكى؟ أين الإيمان بالله؟ أين التوكل على الله؟ أين الثقة واليقين بالله؟
وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ألم نسمع عن أناس كانوا يشكون إلى الله حتى انقطاع شسع نعلهم؟؟ نعم.
حتى سير النعل كانوا يسألون الله، بل كانوا يسألون الله الملح.
يا أصحاب الحاجات! أيها المرضى! أيها المدينون! أيها المكروب والمظلوم! أيها المعسر والمهموم! أيها الفقير والمحروم! يا من يبحث عن السعادة الزوجية! يا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية! يا من يريد التوفيق في الدراسة والوظيفة! يا من يهتم لأمر المسلمين! يا كل محتاج! يا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت! لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا، وهو القائل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] ؟! لماذا لا نرفع أكف الضراعة إلى الله؛ وهو القائل: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي} [البقرة:186] ؟! لماذا ضعف الصلة بالله وقلة الاعتماد على الله، وهو القائل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77] ؟! أيها المؤمنون! أيها المسلمون! يا أصحاب الحاجات! ألم نقرأ في القرآن قول الحق عز وجل: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [الأنعام:42] لماذا؟ {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام:42] ؟! فأين نحن من الشكوى والتضرع إلى الله؟ أين نحن من الإلحاح على الله؟ سبحان الله! ألسنا بحاجة إلى ربنا؟ أنعتمد على قوتنا وحولنا؟ والله ثم والله! لا حول لنا ولا قوة إلا بالله! والله لا شفاء إلا بيد الله، ولا كاشف للبلوى إلا الله، ولا توفيق ولا فلاح، ولا سعادة ولا نجاح إلا من الله.
العجيب والغريب -أيها الأخ! - أن كل مسلم يعلم هذا، ويعترف بهذا، بل ويقسم على هذا، فلماذا إذاً تتعلق القلوب بالضعفاء والعاجزين؟ ولماذا نشكوا إلى الناس ونلجأ للمخلوقين؟
سلَّ الله ربك ما عنده ولا تسأل الناس ما عندهم
ولا تبتغِ من سواه الغنى وكنْ عبده لا تكنْ عبدهم
فيا من إذا بُليت سلاك أحبابك، وهجرك أصحابك! يا من نزلت به نازلة، أو حلّت به كارثة! يا من بُليت بمصيبة أو بلاء! ارفع يديك إلى السماء، وأكثر الدمع والبكاء، وألح على الله بالدعاء، وقل: يا سامعاً لكل شكوى! إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، وقل: يا سامعاً لكل شكوى! توكل على الله وحده، وأعلن بصدق أنك عبده، واسجد لله بخشوع، وردد بصوت مسموع: يا سامعا لكل شكوى!
أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الرجاء لمن سدت مذاهبه أنت الدليل لمن ضّلَّتْ به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة عليك والكل ملهوف ومبتهل

  • 37
  • 4
  • 15,116
  • رانيا إزمقنا

      منذ
    الله يجزيكم الخير موقع مفيد
i