نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

مقطع مميز : رسالة إلى المرضى

منذ 2015-12-02

من أصول التوحيد؟ إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوب بخالقها في وقت الشدة والرخاء والخوف والأمن والمرض والصحة، بل وفي كل حال وزمان.
وإن ما نراه اليوم من تعلق القلوب بالمخلوقين، وبالأسباب وحدها دون اللجأ إلى الله، لهو والله نذير خطر لتزعزع عقيدة التوحيد في النفوس.
أيها الأخ! إن الشكوى إلى الله، والتضرع إلى الله، وإظهار الحاجة إليه، والاعتراف بالافتقار إليه، من أعظم عرى الإيمان وثوابت التوحيد، وبرهان ذلك الدعاء والإلحاح في السؤال، والثقة واليقين بالله في كل حال.

ولقد زخرت كتب السنة بأنواع من الدعاء تجعل المسلم على صلة بربه، وفي حرز من عدوه يقضى أمره ويكفى همه، في كل مناسبة دعاء في اليقظة والمنام، والحركة والسكون قياماً وقعودا وعلى الجنوب ابتهال وتضرع في كل ما أهمَّ العبد، وهل إلى غير الله مفر؟ أم هل إلى غيره ملاذ؟ ففي المرض -مثلاً- الأدعية كثيرة والأحاديث مستفيضة، وإليك على سبيل المثال ما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها) .
وأخرج البخاري ومسلم -أيضاً- من حديث عائشة أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما) أي: لا يترك سقما.
وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: (أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم - انظروا إلى رسول الله إلى قدوتنا وحبيبنا يربي أصحابه على الاعتماد واللجاءة إلى الله-: ضع يدك على الذي تألم من جسدك) الإرشاد أولاً إلى الله، التعلق أولاً بالله، لم يرشده أولاً لطبيب حاذق ولا بأس بهذا، لكن التعلق بالله أولاً (ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله، باسم الله، باسم الله، ثم يقول سبعاً: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) .
وفي رواية: (امسحه بيمينك سبع مرات) وفي رواية قال عثمان: [فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم] .
سبحان الله! اسمعوا لحسن الصلة بالله والتوكل على الله: [فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم] .
أيها المريض! اعلم أن من أعظم أسباب الشفاء، التداوي بالرقى الشرعية من القرآن والأدعية النبوية؛ ولها أثراً عجيباً في شفاء المريض وزوال علته، لكنها تريد قلباً صادقا وذلاً وخضوعاً لله رددها أنت بلسانك فرقيتك لنفسك أفضل وأنجع، فأنت المريض، وأنت صاحب الحاجة، وأنت المضطر، وليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة، وما حك جلدك مثل ظفرك.
فتوكل على الله بصدق، وألح عليه بدون ملل، وأظهر ضعفك وعجزك وحالك وفقرك إليه، وستجد النتيجة العجيبة إن شاء الله، ثقةً بالله.
فإلى كل مريض مهما كان مرضه أقول: أخي الحبيب شفاك الله وعافاك! اعلم أن الأمراض من جملة ما يبتلي الله به عباده، والله عز وجل لا يقضي شيئا إلا وفيه الخير والرحمة لعباده، وربما كان مرضك لحكمة خفيت عليك أو خفيت على عقلك البشري الضعيف: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216] .

أيها المحب شفاك الله! هل علمت أن للأمراض والأسقام فوائد وحكماً؟ أشار ابن القيم إلى أنه أحصاها فزادت على مائة فائدة، وانظر كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، صفحة [525] .

أيها المسلم! أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك، هل سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) والحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وهل سمعت أنه صلى الله عليه وسلم زار أم العلاء وهي مريضة، فقال لها: (أبشري يا أم العلاء! فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة) والحديث أخرجه أبو داود وحسنه المنذري وقال الألباني في الصحيحة: هذا سند جيد.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام، وهذا أمر مجتمع عليه.
انتهى كلامه رحمه الله.
والأحاديث والآثار في هذا مشهورة، وليس هذا مقام بسطها، لكن المراد هنا أننا نرى حال بعض الناس إذا مرض فهو يفعل كل الأسباب المادية من ذهاب للأطباء وأخذ للدواء وبذل للأموال وسفر للقريب والبعيد، ولا شك أن هذا مشروع محمود، ولكنّ الأمر الغريب أن يطرق كل الأبواب، وينسى باب مسبب الأسباب، بل ربما لجأ إلى السحرة والمشعوذين -نعوذ بالله من حال الشرك والمشركين- ألم يقرأ هذا وأمثاله في القرآن: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80] ؟ أيها المريض! اعلم أن الشافي هو الله ولا شفاء إلا شفاؤه.
أيها المريض! بل يا كل مصاب أيا كانت مصيبته! هل سألت نفسك: لماذا ابتلاك الله بهذا المرض أو بهذه المصيبة؟ ربما لخير كثير، أو لحكم لا تعلمها ولكنّ الله يعلمها.
ألم يخطر ببالك أنه أصابك بهذا البلاء، ليسمع صوتك وأنت تدعوه، ويرى فقرك وأنت ترجوه.

فمن فوائد المصائب: استخراج مكنون عبودية الدعاء، قال أحدهم: سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء، وفي الأثر أن الله ابتلى عبداً صالحاً من عباده، وقال لملائكته: (لأسمع صوته) يعني: بالدعاء والإلحاح.
أيها المريض! المرض يريك فقرك وحاجتك إلى الله، وأنه لا غنى لك عنه طرفة عين، فيتعلق قلبك بالله وتقبل عليه بعد أن كنت غافلاً عنه، وصدق من قال: فربما صحت الأجسام بالعلل.
فارفع يديك، وأسل دمع عينيك، وأظهر فقرك وعجزك، واعترف بذُلِّك وضعفك.
في رواية عن سعيد بن عنبسة قال: بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف به، إذ رجعت حصاة منها عليه فصارت في أذنه، فجهدوا بكل حيلة فلم يقدروا على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنه مدة وهي تؤلمه، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع قارئاً يقرأ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] فقال الرجل: يا رب! أنت المجيب وأنا المضطر، فاكشف عني ضر ما أنا فيه، فنزلت الحصاة من أذنه في الحال.
لا تعجب! إن ربي لسميع الدعاء، إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون.
أيها المريض! إياك وسوء الظن بالله إن طال بك المرض، فتعتقد أن الله أراد بك سوءاً، أو أنه لا يريد معافاتك، أو أنه ظالم لك، فإنك إن ظننت ذلك فإنك على خطر عظيم.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح كما في الصحيحة من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله) .
يعني: ما كان في ظنه فإني فاعله به، فأحسن الظن بالله تجد خيراً إن شاء الله.

لا تجزعنَّ إذا نالتك موجعةٌ واضرع إلى الله يسرع نحوك الفرج
ثم استعن بجميل الصبر محتسبا فصبح يسرك بعد العسر ينسلج
فسوف يدلج عنك الهم مرتحلا وإن أقام قليلاً سوف يدّلج

 

  • 19
  • 0
  • 12,335
i