مع ذبح إخواننا.. هل دعاؤنا يخدرنا؟!

مهدي بن علي قاضي

لو تأملنا الدعوات الكثيرة التي يرفعها الملايين من المسلمين متفاعلين مع ما يلاقيه إخوانهم وواقع أمتهم وراجعنا وتأملنا أسباب قبول الدعاء لأدركنا أن أحد أسباب تأخر الاستجابة قد يكون هو التقصير الذي لا زال حاصلًا في شتى ديار المسلمين في جوانب عديدة ومتنوعة...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد:
لا شك في أهمية الدعاء وعظمته وشأنه وأثره الكبير في كل شؤون حياتنا، ومن ذلك أهمية وضرورة وواجب الدعاء لإخواننا المضطهدين المذبحين، وهنا بالطبع لا نقلل من شأن هذا السلاح العظيم، ولكن ديننا لم يجعل أن واجبنا في شؤوننا المختلفة أن ندعو لأمر ما بدون أن نبذل الأسباب الأخرى الهامة لتحقيقه، فديننا ربانا على العمل والبذل والنشاط والتغيير، ولا يربينا على أن ندعو ثم نقعد، بل إن هذا من التواكل المذموم، ديننا لا يربي مثلا: من نقص رزقه أن يدعو فقط بدون أن يأخذ ويعمل بالأسباب المادية التي تعينه على الرزق.

وعودة إلى القضية المقصودة بالحديث هنا، وهو ما أصبحنا نعيشه كظاهرة منذ سنين عديدة تجاه المآسي التي يتعرض لها إخواننا من ناحية توجهنا للدعاء بطريقة قد نُشعِرُ أنفسنا من خلالها بأننا بدعائنا لهم أدينا ما علينا، وبطريقة قد تُضعِف انطلاقتنا بعزم وبقوة وبقدر الإمكان للسعي لطرق إنقاذهم التي أهمها انطلاقتنا للجهاد إن تيسرت أسبابه وظروفه، وأقلها -مع أهميته- عملنا الجاد لإصلاح أحوالنا والالتزام بأوامر الله وإبعاد أنفسنا ومجتمعاتنا عن المنكرات وما يغضبه سبحانه والاجتهاد في الدعوة، حتى نهيئ بذلك للأمة الظروف التي يعود فيها لها حزمها وقوتها وعزها فينطلق جهادها-ولو بعد حين- فيُؤدب المعتدون ويُوقف الذل والهوان وتسلط أعداء الدين على المسلمين.


وحقيقة أنني أشعر أن الطريقة التي نعيشها مع مآسينا -من حيث الدعاء مع عدم حصول التحرك القوي لما يُقرِّب نصر الأمة ويُبعد عنها الهوان والذل والعجز- أصبحت شبه مُخدِّرة للكثير منا بأنه إذا دعا فقد أدى واجبه وكفى، ثم يعود لمثل ما كان عليه في حياته مع ما قد يكون فيها من تقصير، كما أنني لا أشك في أن الذين كانوا سببا في بُعد الأمة عن طريق التمسك الحق بالدين -قصدوا أو لم يقصدوا- وأعداء المسلمين فرحين ومسرورين بأن يجعلونا فقط ندعو ونُفرِّغ عواطفنا في الدعاء ثم لا نلتفت لواقعنا لإصلاحه، وأحد علامات ذلك أنهم حتى وسط آلامنا الشديدة ووسط دعائنا نجدهم مستمرين وباذلين العزم على الاستمرار في تخطيطاتهم وأعمالهم لتمييع دين المسلمين وتمسكهم بقيمه وإلهائهم عبر وسائلهم المختلفة.


وأتمنى أن نرجع لكلمة رائعة للعالم الفذ الشيخ حازم أبو إسماعيل -ثبته الله على الحق والخير ووفقه- قالها في شأن آخر لكنه أشار فيه إلى سلبية القول بأننا لا نملك إلا الدعاء ونبَّه إلى أثر مثل هذه التصورات في تخدير الأمة عن واجباتها وإشعارها بالرضا المزيَّف بمجرد أن تقوم بالدعاء.

أيضًا حتى إخواننا في سوريا حاليًا بدؤوا يرفعون أصواتهم من وسط معاناتهم ويقولون للعرب وللمسلمين في بقاع العالم المختلفة لا يكفي الدعاء ولا نريد دعاءً فقط، ويقولون كلمتهم هذه بألم كبير بل أحيانا مع شكوى يرفعونها إلى الله، ثم إنه من غير المعقول وغير الصحيح أن يستمر تفاعلنا مع مآسينا على مدى سنين وسنين فقط بالدعاء وتضميد الجراح مع عجزنا المستمر عن إيقاف هذه المآسي.


إن هذا الأمر لا يرضاه ديننا ولا تستسيغه قيمنا ونحن أمة الحق والرسالة الخاتمة المنقذة للبشرية والحامية للضعفاء، بل إن أي أمة لو راجعت نفسها فلن ترضى بمثل هذا الواقع بأن يكون دورها -مع مآسٍ متتابعة مؤلمة قاسية مستمرة كثيرة- فقط التعاطف بأي وسيلة بدون تحقيق حل قوي واقعي يوقف هذه الآلام، ولأصبح هذا الواقع فرصة لها لمعرفة موطن الخلل وتعديله.

وإن تركيزنا على الدعاء على الأعداء بدون إصلاح أحوالنا يكون وكأننا نُزكِّي أنفسنا ونبرِّئها من المسؤوليات الأخرى لإيقاف ما يحدث، إن الاكتفاء فقط بالدعاء بدون السعي الجاد لإصلاح حال الأمة هو تقصير في حق أمتنا التي تذبح ذبح النعاج وتقتل بأشد أنواع القتل وتهان وتباد، والتي أصبحت تعيش أسوأ واقعٍ وصلت إليه على مدى تاريخها من ناحية استمرار العجز والهوان.

بل إن مظهرنا عندما نلجأ ونركز على الدعاء كلما جاءتنا مأساة بدون أخذ الأسباب -وهي ممكنة- فيه حقيقةً مظهر ضعف، لا لأن الدعاء العظيم ليس هامًا، ولا لأننا لا نحتاجه، ولكن لطريقتنا في استعماله التي توحي في أحيانٍ كثيرة بالعجز والتكاسل والرضا بالواقع وعدم الجدية في التغيير والعمل بالأسباب.


نقطة أخرى متعلقة: فلو تأملنا الدعوات الكثيرة التي يرفعها الملايين من المسلمين متفاعلين مع ما يلاقيه إخوانهم وواقع أمتهم وراجعنا وتأملنا أسباب قبول الدعاء لأدركنا أن أحد أسباب تأخر الاستجابة قد يكون هو التقصير الذي لا زال حاصلًا في شتى ديار المسلمين في جوانب عديدة ومتنوعة، ويكفي كمثال على ذلك ما يظهر وينشر في كثير من وسائل الإعلام مما لا يرضاه ديننا.

وليتنا بالنسبة للدعاء نفسه الذي نقوم به تفاعلًا مع مآسي إخواننا؛ أننا كما ندعو فيه على الطغاة والمجرمين أن ندعو فيه أيضًا بحرارة بأن يصلح الله أحوالنا وأن يردنا إليه ردًا جميلًا، وأن يُبرم للأمة أمر رشد يعود فيه لها عزها ومجدها، بل أيضًا مناسب أن ندعو على المفسدين الذين ضيعوا ويضيعون الأمة عن سبيل التمسك الحق الكامل بالدين، الذي هو السبيل الأساس لاستعادتنا عزنا وإنهاء الذل والعجز والتخاذل المفزع الذي نعيشه.


وبهذا يصبح دعاؤنا في حد ذاته متكاملا يعيننا على أنفسنا وإصلاح أحوالها، وعلى الأخذ بها وبمجتمعاتنا إلى طريق الهداية والرشاد والنصر قال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَ‌حُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ‌ اللَّهِ} [الروم: 5-4].