أحداث الجنادرية.. وسفينة النجاة

يحتدم النقاش حول الأحداث التي صاحبت مهجران التراث الشعبي (الجنادرية) بعد أن زادت وتيرتها عن العام السابق، فهذا المهرجان الذي أطلق قبل ثمانٍ وعشرين سنة، كمهرجان يهدف إلى تذكير الأجيال وربطهم بتراث آبائهم وأجدادهم،لم يعد مقتصرًا على ذلك فالمخالفات الشرعية والعقدية التي صارت في ازدياد عام بعد عام وما يلازمها من موجهات استهجان واستنكرًا صارت من سمات هذا الحدث السنوي.

  • التصنيفات: الواقع المعاصر - مواضيع إخبارية -

 

مرة أخرى، يحتدم النقاش حول الأحداث التي صاحبت مهجران التراث الشعبي (الجنادرية) بعد أن زادت وتيرتها عن العام السابق، فهذا المهرجان الذي أطلق قبل ثمانٍ وعشرين سنة، كمهرجان يهدف إلى تذكير الأجيال وربطهم بتراث آبائهم وأجدادهم،لم يعد مقتصرًا على ذلك  فالمخالفات الشرعية والعقدية التي صارت في ازدياد عام بعد عام وما يلازمها من موجهات استهجان واستنكرًا صارت من سمات هذا الحدث السنوي.

ولم تقتصر تلك المخالفات على حفلات الغناء والرقص التي تقام في ساحات الأجنحة المشاركة في المهجران من مناطق المملكة ودول الخليج تحت مسمى التراث الشعبي، واجتماع الرجال والنساء للرقص والطرب والتمايل على أنغام الموسيقى، بل تعدت تلك المخالفات إلى استضافة أصحاب الأفكار المنحرفة كالليبراليين والرافضة وتكريمهم وعقد الندوات معهم.

ومما زاد من وتيرة وحدّة الانتقادات الموجهة نحو مهرجان الجنادرية وخاصة العامين الماضيين، اصطدام القائمين عليه وتضييقهم على المحتسبين الذين دأبوا على الحضور لمثل هذه التجمعات -سواء الجنادرية أو معرض الكتاب وغيرهما- للقيام بما يمليه عليهم واجبهم الشرعي من التحذير من المنكرات والرفع بها إلى المسؤولين ناصحين ومنذرين، ففي العام الماضي جرى توقيف أكثر من 50 محتسبًا في حادثتين منفصليتن ممن حضروا إلى المهرجان للإنكار على الكثير من المخالفات الظاهرة وإبلاغ المسؤولين بها! كـ(اختلاط الرجال بالنساء وارتفاع لأصوات الغناء ورقص وسفور من بعض النساء).

وفي هذا العام تعدت التجاوزات المحتسبين الغيورين، لتطال أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الرسميين، فقد تم تداول مقطع على اليوتوب على نطاق واسع يُظهر أحد رجال الهيئة وهو يتعرض للطرد من قبل رجال الحرس الوطني بعد غناء إحدى الفنانات في حفل بجناح الإمارات المشارك في المهرجان، وسط تصفيق وصيحات تهكمية من بعض حاضري الحفل، وقد أثار هذا المقطع حفيظة الغيورين من أصحاب الفضيلة والدعاة،  كما قوبل بردود أفعال واسعة في أوساط متابعي الشبكات الاجتماعية، الذين استنكروا ظهور مطربة إماراتية متبرجة في المهجران وحالة الغناء والطرب التي صاحبت ركن الإمارات، والطريقة التي تم التعامل بها مع عضو الهيئة على الرغم من أنه يمثل جهة رسمية مصرح لها العمل في هذه الأماكن.

فقد قال الأمين العام لرباطة علماء المسلمين فضيلة الشيخ ناصر العمر في حسابه على (تويتر): "الاعتداء الرسمي على رجل الهيئة الذي يمارس عمله المناط به شرعا ونظاما سابقة خطيرة مآلها إن تكررت نقض أسس هذه البلاد"، وعلّق الشيخ سلمان العودة بقوله: "أسلوب دنيئ بعيد عن الذوق تراه في مقطع الفيديو المتعلق بإخراج المحتسب من أحد مواقع الجنادرية.. من المسئول؟ وما الإجراء؟"، وقال الشيخ عصام العويد: "غناء المرأة كاشفة لزينتها أمام الرجال كما حدث في الجنادرية حرام بالإجماع اليقيني، ولا طاعة للأمير متعب ولا غيره في ذلك وتجب معصيته عند كل عالم".

وقد سعى منظمو المهرجان إلى تبرير ما حدث أمام موجهة الاستهجان تلك، فبادر اللواء (عبد الرحمن الزامل) قائد معسكر الجنادرية إلى نفي علم منظمي المهرجان بوجود المطربة الإماراتية واقتحامِها البرنامج، وتبع ذلك ما أعلنه المتحدث الرسمي لمهرجان الجنادرية العقيد (خالد بن عبد العزيز المقبل) من أن عضو الهيئة لم يكن موظفًا ميدانيًا مخولًا بل كان موظفًا إداريًا وكان تصرفه: "فرديًا لغرض في نفسه"!

إلا أن عضو الهيئة الشيخ (عبد الله بن حمود الخنفري) الذي تم منعه في تصريح له لموقع (لجينيات) أكد أنه: "عضو ميداني في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كُلف بالعمل في جناح الإمارات ليلة الحادثة بأمر من الرئيس المباشر الشيخ عادل المقبل، وأن دخوله لجناح الإمارات كان لمقابلة مشرف الفرقة لتنبيهه على ما شاهد بها من ملاحظات، إلا أن رجال الحرس الوطني لم يمهلوه، حتى مع محاولاته توضيح غرضه في مقابلة مشرف الجناح".

ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة خلال مهرجان الجنادرية لهذا العام، فقد نقلت عدد من المواقع الإخبارية أن مناوشات وقعت بين أعضاء من الهيئة وأفراد الحرس الوطني بعد أن ألقى رجال الهيئة القبض على شابين، فطلب أفراد من الحرس الوطني بإعادتها الأمر الذي رفضه أفراد الهيئة فتسببت المناوشة مسفرة عن إصابة 4 من أعضاء الهيئة بكدمات، استدعت نقلهم الى أحد المراكز الصحية، وعلى الرغم من أن  البعض لا يزال يحاول التقليل من شأن هذه المنكرات، وينكر البعض الآخر وجودها من الأساس إلا أن الغالبية يرون ويشاهدون ما يعج به مهرجان الجنادرية من المخالفات الفكرية والشرعية والأخلاقية.

كما أنه بات واضحًا منذ أن خصص المهرجان أياما للعوائل منذ أربع سنوات ما صار يعمد إليه ضعاف النفوس من الشباب من التواجد في المهرجان في تلك الأيام، ومحاولة إقامة علاقات مع الفتيات الزائرات أو حتى مجرد مضايقتهن، كما نقلت مواقع إلكترونية عن ضبط الهيئة لفتيات يُمررن دخول الشباب للمهرجان مقابل 50 ريالًا في الأوقات المخصصة للعائلات، إلى جانب ضبطها أيضًا لحالات معاكسة بين شبان وفتيات.

ولقد دفعت تلك الوتيرة المتزايدة من المخالفات إضافة إلى حادثتي الهيئة بالغيورين على الدين من العلماء والدعاة ومن المثقفين والعامة إلا التصدي لمثل هذه الظواهر قبل استفحالها، والتحذير تطبيع منكرات الجنادرية والتساهل بها، وقال المشرف العام على موقع المسلم الشيخ ناصر العمر: "إن مهرجان التراث الشعبي -الجنادرية- هوإشاعة للمنكر ومحاصرة للمعروف بما فيه من تكريم لأصحاب الأفكار المنحرفة، وتطبيع للاختلاط والآثام والمنكرات، وتغريب للمجتمع تحت مسمى التراث الشعبي، إذ ليس في تراثنا الشعبي مثل هذه المخالفات والمنكرات"، وقال: "إن زيارة إحدى المطربات للمهرجان والطريقة التي تم التعامل بها مع عضو الهيئة له أبعاد خطيرة، كما حذر من حملة الانتقاد والتشويه التي تتعرض لها الهيئة وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

أما فضيلة الدكتور سعد البريك فوصف الذين صفقوا لمشهد إبعاد رجل الهيئة في الجنادرية بـ: "السفهاء الذين يصفرون ويصفقون مكاء وتصدية". وقال "إن هذا المشهد آلمنا وأدمع عيوننا وأقض مضاجعنا، فلا غيور يرضى أن يرى رجل أمن يسحب من نقطة مرور أو نقطة تفتيش، فكيف نرضى أن نرى رجل حسبة يجر بتلابيبه ويجذب بعباءته ليخرج أمام جمع يصفق ويصفر مكاءً وتصدية"، وقرن العلامة الشيخ عبد الكريم الخضير الاعتداء على عضو الهيئة الذي يأمر بالقسط بين الناس بالاعتداء على الأنبياء، وهو أمر ليس بالهين، حتى لو كان العضو إداريا، فلكل شخص حق الإنكار مع اختلاف مراتبه بحسب حاله، فالفعل الذي أقدم على إنكاره هو من المنكرات التي يجب إزالتها.

كما قام عدد من المشايخ وطلبة العلم من منطقة القصيم بمقابلة رئيس الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز في مكتبه للحديث معه حول المخالفات الشرعية في مهرجان الجنادرية، وتم خلال الزيارة طرح عدد من المخالفات والمنكرات بالمهرجان، كما أقام مستخدمو الشبكات الاجتماعية حملات للدفاع عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جراء ما تتعرض له من حملات افتراء وتشويه، وإبراز ما تقوم به من دور في حماية للفضيلة والأخذ على يد السفهاء، داعين إلى أن يتبنى المجتمع المسلم شعيرة الاحتساب وإنكار المنكر والأمر بالمعروف، كما طرح البعض تساؤلات حول تنظيم الحرس لهذا المهرجان؛ لأن مثل هذه المهرجانات من اختصاص الهيئات المدنية كـ(هيئة الآثار والسياحة) وليس جهة عسكرية كـ(الحرس الوطني).

ومع أن البعض لا يزال يطالب بإلغاء مهرجان الجنادرية، بل إن منهم من ربط انتهاء المهرجان لهذا العام بتوقف موجهة الغبار ونزول كميات غير مسبوقة من الأمطار على مدن المملكة، إلا أن ما يتفق عليه الغالبية هو ضرورة إيقاف موجهة المنكرات المصاحبة للمهرجان والمجاهرة بالمعاصي، وإيقاف التضييق على المصلحين والناصحين وتمكين الهيئات من مباشرة عملها ودعمها بشتى الوسائل، وتجنب كل ما يغضب الله عزل وجل لتجنيب هذه البلاد ما قد يصيبها جراء ذلك في أمنها وأمانها.
 

محمد لافي