بحث
كل الأقسام
هل ترى إعلانًا سيئًا؟
انقر هنا لمعرفة السبب

خصائص الاقتصاد الإسلامي

QR Code

عدد الزيارات: 59,589
36 3

سلسلة متتابعة لتيسير أحكام البيوع...

بسم الله الرحمن الرحيم

   

الحمد لله الذي أحل البيع وحرم الربا ، والصلاة والسلام على النبي القائل ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) و ( من عصاني فقد أبى ) وبعد :

فقد ألقيت مجموعة محاضرات في دورة عن أحكام البيوع والمعاملات المالية المعاصرة ، نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مشكورة ،  وحضرها مجموعة من طلبة العلم ، تخرج منهم خمسون طالبا ، ووزعت الجمعية التعاونية جزى الله القائمين عليها كل خير ، جوائز على المتفوقين فيها ، وقد ألحوا علي أن أراجعها وأطبعها  وأنشرها ليعم النفع ، فتعذرت بكثرة الأشغال ، فما زادهم ذلك إلا إلحاحا وإصرارا ، فاستجبت لهم ، وراجعتها ، وأعددتها للطباعة ، وها هي تنشر على شبكة ( الإنترنت )  أولا ، ريثما تنتهي من المطبعة بتوفيق الله تعالى .

وقد تضمنت المحاضرات :

أولا : مقدمة عن خصائص الاقتصاد الإسلامي .

ثانيا :  أسباب تحريم البيوع في الشريعة .

ثالثا :  شروط البيع .

رابعا : الشروط في البيع .

خامسا : الخيار .

سادسا : الربا .

سابعا :  الشركات .

ثامنا : البنوك الإسلامية .

تاسعا : أحكام بعض العقود والبيوع المعاصرة .

كل ذلك بأسلوب سهل ميسر ، مقرب إلى الفهم ، ولهذا أسميت هذه الرسالة الصغيرة ، تيسير بعض أحكام البيوع والمعاملات المالية المعاصرة ، والله تعالى أسأل أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم ، لينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم آمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

  حامد بن عبد الله العلي ،السادس من ربيع الأول  1423هـ

 

أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي

 

أولاً - الانطلاق من العقيدة :

وهذه أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي ،  ولو نزعت منه هذه الخاصية لم ينجح  ، وننوه هنا إلى أن الإيمان هو الاسم الوارد في الكتاب و السنة ، بدل كلمة العقيدة ، وذلك لدلالته على الهدف الأسمى من الإيمان وهو الأمن ، فلفظ الإيمان يطوي تحته هذا المعنى العظيم ، كما  قال تعالى : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ،  ولهذا فاستعمال هذا اللفظ بدل العقيدة ،  أولى وأفضل ، فالإيمان كلمة خفيفة على النفس وحروفها سهلة ، وتشعر النفس بانجذاب نحوها ، كما أنها  تدل أيضا على الانقياد ، بمعنى أن الله تعالى يريد  بالإيمان التصديق الذي يتبعه انقياد ، وكلمة الإيمان تدل على هذا المعنى ، ذلك أن معناها ليس  التصديق ، وإنما تصديق مع انقياد .

ومما يدل على ارتباط الاقتصاد بالإيمان :  قوله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } .

ففي هذه الآية الكريمة ، بيان  أن الإيمان والتقوى أهم أسباب الازدهار في الاقتصاد الإسلامي ، وهما سبب للبركات والرفاه ، كما يقول الاقتصاديون ، أن هدف  الاقتصاد  هو تحقيق مجتمع الرفاهية .

فالله تعالى يقول في هذه الآية ،  إذا أردتم اقتصادا سليما ، يحقق الرفاهية ،  فعليكم بتقوى الله عز وجل والإيمان .

 *** كما يدل على ذلك  قوله  صلى الله عليه وسلم :( لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) [ رواه ابن ماجه ] ، وفي هذا تأكيد للعلاقة بين الإيمان والاقتصاد الإسلامي .

*** ومن الأمثلة على ذلك أيضا ، أعني تأثير تقوى الله تعالى في الاقتصاد ، قو له صلى الله عليه وسلم : ( من باع دارا ، ثم لم يجعل ثمنها في مثلها ، لم يبار َ ك له فيها ) [ رواه الضياء المقدسي والطيالسي والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه  ] .

 فهذا ـ كما هو واضح ـ لا علاقة له بالأمور المادية ،  ولكن علاقته بالأمور الإيمانية ، ومن أمثلة ذلك ما نسمعه عن الذين دخلوا البورصة بأثمان بيعهم لبيوتهم  ، ثم خسروا وانكسروا ، فهذا البعد ، بعد إيماني غيبي لم ينبه عليه  إلا في الاقتصاد الإسلامي ، ولا يعترف به الاقتصاد الملحد الذي لا يبني الاقتصاد على الإيمان بالله تعالى ، الممحوق البركة ، الذي ملأ العالم جشعا ً وفسادا   .

***ومن الأمثلة أيضا : قوله صلى الله عليه وســــم ( ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله   ) [ رواه مسلم من حديث أبي هريرة ]  ،   فهذا المعيار خاص في الاقتصاد الإسلامي ، وفيه يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن  الزيادة والنقصان  للمال ، تؤثر فيهما الصدقة على الفقراء ابتغاء وجه الله تعالى ، وذلك من جهتين :

أحدهما :   أن الله تعالى يدفع عن المسلم من البلاء والمصائب ، بسبب الصدقة ،  بما لو لم يتصدق لاجتاحت ماله وهـو لا يـدري .

  الثانية : أن الله تعالى يجعل في المال القليل نفعا أكثر من المال الكثير .

ثانيا :  أن الاقتصاد الإسلامي ،  اقتصاد مستقل قائم على الوحي ، فليس هو حصيلة أفكار مرقعة شرقية وغربية ، ولا مصدره من بشر قد يبدلون ،  ويغيرون أفكارهم فهم معرضون للصواب والخطأ .

وهذه أهم خصائص الإسلام بشكل عام ، فإنه لا يعتمد إلا على الوحي ، فهو نظام مستقل قائم بذاته مصدره الوحي الإلهي .

وفي الإسلام ،  كل النظريات الأخرى في الاقتصاد وغيره ، إنما تقاس على الوحي ، فما عارض الوحي منها ردّ ، فالمعيار المطلق هو موافقة الوحي فحسب ، والواقع هو موضع الحكم ، وليس مصدر الحكم .

بينما في الاقتصاد الرأسمالي مثلا ، المعيار هو النفعية  ، كما أن الواقع هو موضع الحكم وليس مصدره .

ذلك أن  العلمانية هي وعاء الاقتصاد الرأسمالي ، وهي  مبينة على أساس أن  الواقع القائم على الفائدة النفعية هو مصدر الحكم .

وأسس العلمانية الثلاث التي تقوم عليها هي :

المادة والنفعية واللذة ، يقابلها عندنا الإيمان بالله تعالى والرسول والسعادة الأخروية  .

كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه : " الأصول الثلاثة التي اتفق عليها الرسل هي الإيمان بالله والرسل والمعاد " .

ومن هنا فنحن ننبه إلى أن بعض البنوك الإسلامية بدأت تتأثر بالرأسمالية ، من حيث لا تشعر ، وذلك من جهة الحرص على المنفعة وجعلها مصدر الحكم  أحيانا ، تحت غطاء من حيل .

*** ومن الأمثلة أن الفكرة في أرباح  البنك الإسلامي مبنية على المضاربة ، حيث يدخل السوق ويوفر فرص العمل وينوع السلع وينافس بالأسعار ويحرك الاقتصاد ويضخ إلى السوق النقد والبضائع ،  ويحرك الدورة الاقتصادية ، فيأخذ أموال الجماعة ويوظفها في مصلحة الجماعة ، وهذا يحتاج إلى إيمان وصبر ،  وبه يتحقق الخير العام للمجتمع .

ولكن للأسف ، فقد استبطأت بعض البنوك الإسلامية هذه العملية ، ولهذا لجأت إلى حيل توفر عليها الجهد ، وتعجل الفائدة ، مثل توسيع الأمر في نظام المرابحة ، وقد وسعت بعض البنوك الإسلامية أرباحها من هذا المصدر ، لأنها وجدته أسهل وأسرع في تحصيل الربح  المضمون ، ذلك أنها جعلت نظام البيع بالمرابحة ، ما هو إلا جعل البنك الإسلامي نفسه  وسيطا بين البائع أو التاجر والعميل ، فهو لا يحتاج إلا إلى أوراق وطاولة وموظف ، يعرف الزبون أن يوقع على الوعد بالشراء ، ثم يتصل البنك الإسلامي بالشركة التي تبيع السلعة ، وبالهاتف يقول للبائع هناك اشترينا منك السلعة الفلانية ، قل : بعت ، فيقول البائع هناك بعت ، ثم يوقع الزبون عند البنك الإسلامي ، على عقد البيع ، ويعطي البنك الإسلامي ثمن السلعة نقدا ، ويقاسط الزبون بالفوائد ، هكذا دون أي عناء ، سوى توقيع واتصال هاتفي فقط ، ويسمون هذا بيعا شر عي ا ، ومضاربة شرعي ة للأسف .

وأنت إذا تأملت في هذه العملية وجدت أن البنك الإسلامي ، لم ينفع أحدا إلا نفسه ، ولم يزد شيئا في السوق ، ولم يقم بأي دور في الاقتصاد العام للمجتمع ، وإنما حمل الزبون دينا مع زيادة الفوائـــد ، وهي نفس فكرة المرابي الذي يقول : أنا لا أريد أن أعمل ، إنما أجلس وأعطي نقودا ، وآخذ نقودا زيادة ،  فلا أدخل السوق ولا أوفر فرصا للعمل ، وهو أسلوب سهل لكسب المال دون تعب ، ولكنه يؤدي إلى تكديس الأموال بيد المرابي ، وتكديس الديون على الناس .

والمرابحة بالطريقة توسعوا فيها ، قد ظهرت صورتها النهائية ،  نفس صورة العملية الربوية ، ونتائجها هي نفس نتائجها ، وهي جعل المجتمع مدينا ، وجعل البنك هو الدائن العام لأفراد المجتمع ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ثالثا :   الاقتصاد الإسلامي ، يعتمد على القاعدة الفقهية التي تقول : إن الأصل في المعاملات الإباحة ، انطلاقا من  القاعدة الشرعية­ " أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج " فكل ما لم يرد نص في تحريمه  فهو مباح ، يقول تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } .

رابعا :  كما أن الاقتصاد الإسلامي ، لا يحرم ولا يبيح إلا درءا لمفسدة أو جلبا لمصلحة عامة أو خاصة .



تابع الحلقة التالية من سلسلة تيسير أحكام البيوع >>>> أسباب تحريم البيوع في الشريعة
المصدر: خاص بإذاعة طريق الإسلام

  • التصنيف: فقه المعاملات
  • تاريخ النشر: 11 ربيع الأول 1423
  • آخر تحديث: 23 رجب 1435
هل ترى إعلانًا سيئًا؟ انقر هنا لمعرفة السبب
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.