ابتلاء الأنبياء وأسلوبهم في مواجهته (دروس وعبر)

ابتلي الأنبياء بشتى صنوف الابتلاء، فتحملوا أقصى المحن وأصعب الشدائد بالسراء والضراء، وتقلبوا بين شتى صنوف البلاء حتى أن اللحظات الأخيرة من حياتهم -عند موتهم- لم تكن سوى إعلان لختام حياتهم مع سنة الابتلاء.

  • التصنيفات: تزكية النفس - أخلاق إسلامية -

أنبياء الله عليهم جميعا الصلاة والسلام هم صفوة البشر، اختارهم الله سبحانه ليكونوا رسله إلى البشرية فقال سبحانه:


{اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75]، وهم أكرم خلق الله على الله، وهم مع ذلك كله كانوا أكثر الخلق ابتلاء من الله سبحانه، فالبلاء ينزل على قدر الطاقة وعلى قدر الإيمان، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة» [1].

وابتلي الأنبياء بشتى صنوف الابتلاء، فتحملوا أقصى المحن وأصعب الشدائد بالسراء والضراء، وتقلبوا بين شتى صنوف البلاء حتى أن اللحظات الأخيرة من حياتهم -عند موتهم- لم تكن سوى إعلان لختام حياتهم مع سنة الابتلاء، فقال عبد الله بن مسعود: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكا شديدا، فمسسته بيدي فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يصيبه أذى مرض فما سواه إلا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» (صحيح البخاري:5324).

وتنوعت ابتلاءات الأنبياء في أنفسهم أو في أهليهم أو في المحيطين بهم، بالخير والشر.
فمنهم من ابتلي في جسده بشتى الأمراض ومسه كل أنواع الضر لمدة طويلة، ومنهم من ابتلي في ولده في تدينهم والتزامهم بدين الله، فمنهم من شهد قتل أحد أبنائه لأخيه، ومنهم من شهد مصرع ولده على الكفر، ومنهم من أمر بذبح ولده إرضاء لربه، ومنهم من ابتلي بفقد ولده وأحب أبنائه إلى قلبه مدة طويلة، ومنهم سيدهم من فقد كل أولاده في حياته ولم تمت بعده إلا إحدى بناته..

ومنهم من ابتلي في أهله فكانت زوجته كافرة على دين قومها ومعصيتهم، ومنهم من لم تكن له بالنساء صلة فلم يتزوج ولم ينجب ولدا، ومنهم من تزوج وظل عقيما طوال حياته إلا قبل موته بقليل، ومنهم من ابتلي في أبيه فكان كافرا، وابتلوا في المحيطين بهم، فابتلوا فيمن اتبعوهم فكانوا من الضعفاء الأرقاء الذين ابتلوا في كل موطن وخضعوا للتعذيب، فصدق في وصفهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين جاءه خباب بن الأرت وهو متوسد في ظل الكعبة فقال له: «ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا، قال: لقد كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه...» (رواه البخاري:3416، 6544، عن خباب بن الأرت).

ومنهم من ابتلي من أتباعه فعانى منهم أيما معاناة، فاجتمع عليه معاناته مع خصومه ومعاناته من قومه، فلا تدري أي المعانتين كانت أشدهما وأصعبهما عليه، وابتلوا من أقوامهم فصدوهم عن دين الله وآذوهم وقاتلوهم وسفكوا دماءهم، وعذبوهم وقهروهم ثم أخرجوهم من ديارهم، فمنهم من قتلوه ومنهم من أخرجوه حتى التقمه الحوت، ومنهم من ألجئوه لصنع سفينة في الصحراء للنجاة، ومنهم من نفوه خارج وطنه.. فواجه الأنبياء كل هذا الابتلاءات بصبر وثبات وإيمان بالله، فلا عاصم لهم ولا منجي إلا هو سبحانه، فكانت مواقفهم في مواجهة الابتلاءات دروسا تُحتذى على طول الزمان، كيف لا وهم قدوات البشرية وأكثرهم مرورا بالبلاءات، فتمثل أسلوب الأنبياء في أمور عدة نذكر منها..

- الإيمان بالله والاعتصام بحبله المتين.
الأنبياء أوصل الخلق بالله وأعرفهم به وأكثرهم إيمانا بوعده وتصديقا بوعيده، وأكثرهم يقينا بما عند الله وأعظمهم إيمانا بقوته وقدرته، يؤمر نوح بصناعة سفينة في الصحراء التي لا توجد بها قطرة مياه للشرب فينفذ أمر الله واثقا مطمئنا، فجاءته المياه من تحت الأرض ومن عنان السماء، ويُلقى إبراهيم في النار فلا يرفع كف الضراعة إلا لخالقه ومولاه ونسى كل المخلوقات، فكان جزاؤه أن كانت النار بردًا وسلامًا عليه، ويقف موسى بين خطرين داهمين عدو بجحفل جيش وراءه وبحر متلاطم الأمواج أمامه فلا يقول إلا: {..كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]؛ فينجيه الله سبحانه بضربة عصا في البحر، وأيوب لا يطلب رحمة من مخلوق وهو يعلم أن شفاءه بيد خالقه ومولاه فيرفع بصره في السماء ليقول: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]، فيكشف الله عنه كربه، ومحمد صلى الله عليه وسلم يحاصر في غار ليس معه من قوى الأرض شيء فيقول لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (صحيح البخاري:4663)، فإيمانهم بالله وبلا نهائية قدرته، إيمان الواثق بربه فنجاهم من الابتلاء.

- العلم بطبيعة الطريق.
منذ اللحظة الأولى والأنبياء يعرفون الطريق، يعرفون بأن قومهم سيكذبونهم ويفترون عليهم، ويعلمون أن المحن ستتوالى والمصائب تتكاثر، هكذا قالها ربنا سبحانه في القران الكريم: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، وقالها نبينا محمد لخباب ومن معه، وهكذا أوصى بها كل نبي متبعيه بأن يثبتوا على الإيمان، وهكذا قالها كل داعية لأتباعه، فقالها الراهب للغلام: "أي بني! أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي".

- الصبر وعدم الجزع..
لئن كان العلم قبل وقوع الابتلاء فإن شأنهم بعد وقوع الابتلاء هو الصبر والمصابرة، فيركبون سفينة الصبر على كل بلاء، فصبر نوح على فقد ولده كافرا، وصبر إبراهيم على دخول النار وعلى ذبح ولده، وصبر يعقوب على فقد حبيبه، وصبر أيوب على مرضه، وصبر موسى على عنت قومه، وصبر محمد صلى الله عليه وسلم كل أنواع الصبر، فصبروا جميعا على الجوع والخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وصبروا على مشاق الطريق وآلام فقد الأحبة الأعوان، فكان الصبر ديدنهم لعلمهم أن الدنايا مهما طالت زائلة وأن العاقبة للمتقين كما قال موسى عليه السلام: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128].

- الطمع فيما عند الله.
يقين الأنبياء دوما أنهم جاءوا لمهمة يؤدونها وهي دلالة الخلق على ربهم سبحانه، وقيادتهم إليه وإلى رضوانه وأن أجرهم الذي كتبه الله له أعظم من كل بلاء، كابدوا المشاق وتحملوا الآلام طمعا في رضا ربهم سبحانه، فكان حرصهم على هداية الناس بكل الطرق وبكافة الوسائل مهما طال الزمن، فعمر فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله بكافة السبل بلا كلل ولا ملل طامعا فيما عند الله " {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا .
يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
} [نوح:5- 12].

ويخاطب ربنا سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بألا يشق على نفسه في دعوتهم من شدة ما يعاني منهم، مع حرصه على هدايتهم فقال سبحانه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ . وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ . فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [الشعراء:3- 6]، هؤلاء هم صفوة خلق الله، وهم أكثر الناس ابتلاء، صبروا وتحملوا ولاقوا من أقوامهم ما لاقوا فكان ابتلاؤهم سبيلا لنيلهم أعلى الدرجات وأسمى المقامات، صلى الله وسلم عليهم أجمعين.

-------------------

[1] الدارمي (2783)، كتاب الرقاق، وأحمد (1494)، والترمذي (3289) دون السؤال، وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: "أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»" (حسن صحيح، وصححه الألباني في الصحيحة:1/142).
 

 

يحيى البوليني