المرشد الإيراني علي خامنئي في مرَّبع تنظيم الحجتية

يعتقد كثيـر من الباحثين والمراقبين ممن تابعـوا الزيارة التي قام بها مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي لمدينة قم مركز الحوزة الدينية في إيران في تشرين الأول الماضي، والتي عدَّتها السلطات الإيرانية حدثاً تاريخياً، يعتقدون أن الزيارة مُعَدٌّ لها من قِبَل فرقة (الحجتية) لإظهار حجـم هذه الفِرْقة ومدى نفوذها في الوسط الحوزوي والساحة الدينية الإيرانية عامة من جهة، وكذلك إظهار مدى العلاقة الوثيقة التي باتت تربط مرشد الثورة بهذه الفِرْقة وتبعيَّته لها من جهة أخرى.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

يعتقد كثيـر من الباحثين والمراقبين ممن تابعـوا الزيارة التي قام بها مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي لمدينة قم مركز الحوزة الدينية في إيران في تشرين الأول الماضي، والتي عدَّتها السلطات الإيرانية حدثاً تاريخياً، يعتقدون أن الزيارة مُعَدٌّ لها من قِبَل فرقة (الحجتية) لإظهار حجـم هذه الفِرْقة ومدى نفوذها في الوسط الحوزوي والساحة الدينية الإيرانية عامة من جهة، وكذلك إظهار مدى العلاقة الوثيقة التي باتت تربط مرشد الثورة بهذه الفِرْقة وتبعيَّته لها من جهة أخرى.

وحول الصمت الذي لفَّ مسئولي النظام في إيران إزاء ما قامت به (فرقة الحجتية) طوال السنوات التي أعقبت الثورة وخاصة فترة ما بعد الخميني، وما ابتدعته هذا الفرقة من خرافات مذهبية، وما قامت به من مؤامرات سياسية وعمليات إجرامية على أرض الواقع، يشرح عدد من الباحثين وجهات نظرهم قائلين: إن (فرقة الحجتية) اضطرت في بدايات الثورة وتحت ضغط الخميني إلى الإعلان عن حلِّ نفسها صورياً وعزل بعض عناصرها الذين كانوا أعضاء في الحكومة المؤقتة ولكن تبيَّن فيما بعد أن الحجتية لم تحل نفسها وتعزل عناصرها الذين كانوا أعضاء في الحكومة الموقتة (حكومة بازركان) من أمثال وزير التربية والتعليم (علي أكبر برورش) والوزراء الآخرين: (سيد حسن سجادي، وسيد حسن افتخار زاده سبزواري)، بل عملت على إعادة تنظيم نفسها والتحول إلى صندوق مغلق وأنشأت لنفسها منظمات بأسماء مختلفة موازية للمنظمات الحكومية من بينها (مؤسسة الغدير) و(مؤسسة نشر أفكار آية الله الخميني) وجميعها في الواقع أفكار فِرقَة (الحجتية) لكنها اختارت هذه التسمية إبعاداً للأنظار عنها؛ فالمؤسسة الأُولَى يترأسها آية الله أبو القاسم خزعلي، والثانية يرأسها آية الله مصباح يزدي، كما أن رئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنَّتي هو أيضاً من عناصر الحجتية وقد حوَّل المجلسَ المذكور إلى مؤسسة تابعة لهذه الفرقة.

لقد تأسست فرقة الحجتية على يد الشيخ محمود ذاكر زاده تولايي المعروف باسم (الشيخ محمود الحلبي) الذي توفي عام 1997م عن 80 عاماً، وكان إمام مسجد عزيز الله جنوب مدينة طهران وكان بمثابة القطب لدى مريديه قبل أن ينتقل إلى مدينة مشهد ويختفي عن الأنظار هناك لفترة ثم يعاود الظهور فجأة في طهران بعد انقلاب عام 1952م ضد حكومة مصدق معلناً عن تأسيس (الجمعية الخيرية الحجتية المهدوية). ويؤكد كثير من المتابعين لفرقة الحجتية أن تأسيسها جاء بموافقة مباشرة من الشاه محمد رضا بهلوي؛ لذا ركَّزت الحجتية (التي يتمحور فكرها حول شخصية الإمام الثاني عشر لدى الشيعة (المهدي المنتظر) ونَفْي أيِّ ظهور له في الماضي، والدعوة إلى انتظاره في المستقبل، وربط قيامه بانتشار الفوضى والفساد في الأرض)، لقد ركزت جلَّ اهتمامها آنذاك على جذب فئات معيَّنة من المجتمع دون الاهتمام بالعمل السياسي ضد نظام الشاه.

ويرى هؤلاء الباحثون أن تصريحات وخطـابات بعض المسؤولين الإيرانيين الكبار من بينهم الرئيس أحمدي نجاد ومدير مكتبه أسفنديار رحيم مشائي ورئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنَّتي وبعض القيادة الدينية في حوزة قُم من أمثال آية الله محمد تقي مصباح يزدي وآية الله خزعلي... وغيرهم حول موضوع المهدي المنتظر؛ إنما هي في الواقع تكرار لخطابات مؤسس (الحجتية) الشيخ محمود تولايي وبعض مساعديه؛ حيث قامت هذه الفرقة خلال السنوات الأخيرة بإعادة نشر خطب قادتها الأوائل في موقع تابع لها على شبكة الإنترنت ومن يستمع إلى تلك الخطب يجدها تتكرر اليوم على ألسنة كبار المسؤولين الحاليين في النظام الإيراني.

ويعتقد الباحثون أن الاغتيالات التي شهدتها إيران طوال العقود الثلاثة الماضية والتي جرى أغلبها على طريقة عمليات المافيا- أن للجماعات المرتبطة بفرقة (الحجتية) دور كبير فيها؛ فقد عملت فرقة (الحجتية) على تشكيل مجاميع سرية مسلحة بأسماء وتوجهات سياسية مختلفة كان من بينها جماعة (الفرقان) بقيادة أكبر غودرزي الذي كان تلميذاً عند آية الله ميلاني؛ حيث شنت تلك الجماعة سلسلة اغتيالات استهدفت مسؤولين مدنيين وعسكريين ورجال دين كبار من قادة الثورة والنظام. وجرى تصفية الأب الروحي للجماعة (الشيخ ميلاني) داخل السجن من قبَل الحجتية قبل أن تتمكن السلطات من إجراء التحقيق معه؛ خشية إفشائه سرَّ ارتباط جماعة الفرقان بالحجتية
كما يعتقد الباحثون أن (الحجتية) تمكَّنت من اختراق منظمة (مجاهدي خلق) المعارِضة التي شنت هي الأخرى حملةَ اغتيالات في الثمانينيات شملت قادةً ومسؤولين كبار في النظام، وهو ما أسهم في إزاحة كثير من الوجوه المخالفة لفرقة الحجتية وفسحت الميدان أمام رجال دين وعناصر تابعة لهذه الفرقة لتبوُّؤ مناصب عُليا في السلطة.

لقد قامت فرقة الحجتية خلال الثلاثين عاماً الماضية بإرسال كثيرٍ من عناصرها في بعثات دراسية خارج البلاد لنيل الشهادات العليا والعودة بهم إلى إيران لشغل مناصب وزارية ومناصب أخرى هامة في الدولة، ويُعَدُّ كلٌّ من وكيل وزارة الإرشاد الحالي وأمين عام مؤتمر نَفْي مذبحة الهلكوست (محمد علي رامين)، ووزير العلوم (كامران دانشجو) ومئات العناصر الأخرى من ضمن تلك المجموعات الطلابية التي شملتها البعثات الدراسية. وعن علاقة المسؤولين الإيرانيين الكبار من ذوي الأصول اليهودية بالمؤسسات والمحافل السرية المرتبطة بفرقة الحجتية يقول المراقبون: إن ذلك ما ستكشفه الحوادث والهزات التاريخية التي سوف يشهدها نظام الجمهورية الإيرانية مستقبلاً.

ومن المسائل الهامة التي تؤكد عليها فرقة الحجتية هي إلزام أعضائها بتقديم فروض الطاعة والاحترام الكبير للمؤسسين الأوائل وللعناصر القديمة للفرقة والإذعان الكامل لأوامرهم دون أي مناقشة، ويُعَدُّ هذا الأمر من الواجبات المسلَّم بها، وللخروج عليها أو تجاوزها ثمن باهظ لمن يحدِّث نفسه بذلك. أما بشأن إدارة العلاقات التنظيمية الداخلية لفرقة الحجتية، فهي لا تجري على الطريقة الحزبية العصرية المعمول بها في الأحزاب الإيرانية؛ فحين يتبوأ العضو منصباً قيادياً في السلك العسكري أو الأمني أو القضائي أو أي منصب كبير آخر في السلطة، فعليه الالتزام بقرارات (الفرقة) قبل كل شيء. ويعتقد الباحثون أن هذا الالتزام هو الذي وفر الانسجام داخل (الحجتية) ومكَّنها من الهيمنة على بعض المراكز الحكومية والقضائية والأجهزة الأمنية والعسكرية، وقبل كل ذلك هيمنتها على مرشد الثورة آية الله علي خامنئي.

وتشير بعض الوثائق المتعلقة بلقاءات الخميني أوائل الثورة بالشخصيات والجمعيات الدينية والسياسية الإيرانية إلى أن لقاءً هاماً جرى في الأسبوع الأول من انتصار الثورة في إيران بين آية الله الخميني وآية الله خزعلي الرئيس الحالي لمؤسسة الغدير؛ حيث سلمه الأخير رسالة من زعيم فرقة الحجتية الشيخ محمود الحلبي جاء فيها أن لدى الحجتية ثلاثين ألف عنصر وأنه على استعداد لأن يضعهم في خدمة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن الخميني رفض العرض على الفور وقال: إن الثورة ليست بحاجة إلى هذه العناصر. وعندما دبَّت الخلافات بين مجلس صيانة الدستور الذي تهيمن عليه فرقة الحجتية من خلال آية الله أحمد جنتي وآية الله أبو القاسم خزعلي وبين الحكومة التي كان يرأسها آنذاك السيد مير حسين موسوي حول تفسير القوانيين الحكومية، وجَّه الخميني رسالة قصيرة إلى مجلس صيانة الدستور ضمَّنها جملة هامة جداً قال فيها: "احذروا هؤلاء الحجتية؛ فإنهم إن تمكنوا من التسلط فإنهم سوف يهدمون كل شيء".

لقد استطاعت الحجتية ومن خلال أسلوب عملها السري المماثل لأسلوب عمل منظمات المافيا أن تنظم صفوفها وتقوِّي نفوذها بصمت بعيداً عن الأضواء، واستطاعت أن تنظم وتربي رجال دين خاصين بها، وتضعهم تحت تصرُّف مرشد الثورة علي خامنئي ليقوم بتعيينهم في مناصب عليا في كثير من المؤسسات الهامة؛ من بينها الحرس الثوري ومليشيا قوات التعبئة الشعبية (الباسيج)، وتعيين كثير منهم أئمة جمعة وممثلين للمرشد في الأقاليم والمدن الإيرانية، كما استطاعت الحجتية أن تضم الأبناء الثلاثة (لخامنئي) تحت عباءتها وتجعلهم تابعين لها، وعملت أيضاً على كسب أعضاء داخل جميع المؤسسات والهيئات الحكومية وتربيتهم وتنظيمهم، وتمكَّنت كذلك من ضم عدد كبير من قادة الحرس الثوري ووضعهم تحت جناحها، ومَن رفض الانضمام منهم إليها أو رفض الانصياع إلى أوامرها قامت بتصفيته، وفعلت مثل ذلك مع سائر قادة الأجهزة الأمنية والجيش وقادة مليشيا (الباسيج)؛ لذا فإن قادة هذه الوحدات يتطابقون في تعبيراتهم، وديباجة تصريحاتهم، ومنطقهم، وتفكيرهم، حتى يخيل للسامع أنه يستمع إلى شريط مسجل مكرور.

إن أغلب الأقطاب الحقيقيين لفرقة الحجتية غير معروفين للعيان، والمعروفون منهم قليلون جداً؛ من أمثال آية الله مصباح يزدي (الأب الروحي للرئيس الإيراني أحمدي نجاد) الذي يتطلع إلى تبوُّؤ مركز هام جداً في النظام، وآية الله أبو القاسم خزعلي وآخرون. وبما يتعلق بأسلوب العمل (المافيوي) لهذا الصندوق المغلق (الحجتية)؛ فإنه أشد تنظيماً وسرية من عمل منظمة الماسونية؛ بحسب رأي هؤلاء المراقبين. وعن ارتباط فرقة الحجتية بالدول الأجنبية والأيادي التي تقف وراء تكوينها جاء في بيان نشرته جهات إيرانية مجهولة مؤخراً بعنوان: (لا تتركوا فرقة الحجتية تغيب عن أنظاركم) جاء فيه: إن فرقة الحجتية أنشئت من قِبَل جهات بريطانية معيَّنة لإيجاد نفوذ لها في وسط الطائفة الشيعية والمجتمع الإيراني وأن الدكتور علي شريعتي (1933- 1977م) كان السبَّاق إلى كشف حقيقة هذه الفرقة، وكان ذلك سبباً في معاداة جماعات من رجال الدين له. واتهم البيان الحجتية بالوقوف وراء الوفاة الغامضة لشريعتي قائلاً: إنه دُسَّ له نوع من الحبوب السامة وهو قيد السجن ثم أطق سراحه ليموت خارج السجن، وتوفي شريعتي في باريس عام 1977م بعد مغادرته السجن بفترة قصيرة، وتستخدم هذه الحبوب اليوم من قِبَل النظام الإيراني ضد معارضيه داخل السجون؛ حيث تؤدي إلى إصابة الضحية بأمراض مجهولة تؤدي إلى وفاته بعد فترة وجيزة جداً.

وأكد البيان على أن جماعة الفرقان التي اغتالت عدداً من قادة ومفكري الثورة من أمثال (آية الله مطهري وآية الله مفتح والجنرال قرني) كانت مرتبطة بفرقة الحجتية وأن الخميني حاول بعد انتصار الثورة تدمير هذه الفرقة (لتعارض مشروعها البريطاني مع مشروعه الأمريكي)، وكثيراً ما حذر الخميني قائلاً: "لا تتركوا الثورة تقع بيد هذه الفرقة" لكنه لم يوفَّق في تحقيق مراده.

ومن أجل حماية عناصرها والحفاظ على وجودها؛ فقد احتجبت فرقة الحجتية عن الواجهة مدة من الزمن قلَّت فيها ظاهرة قراءة دعاء (الندبة) الذي هو من أدبياتها، لكن الفرقة عادت إلى الواجهة من جديد منذ عشرة أعوام؛ وأخذت ظاهرة قراءة دعاء (الندبة) بالانتشار وأصبح هذا الدعاء يسوَّق في كل مكان؛ وفي ذلك دليل على عودة نفوذ الحجتية حتى داخل دوائر السلطة.

وحول الشعارات الإيرانية المعادية للغرب وإسرائيل، أشار البيان بقوله: (يجب أن لا تحملوا حرب الشعارات المعادية التي تشنها فرقة الحجتية ضد بريطانيا وأمريكا وإسرائيل على محمل الجد؛ فهي مجرد شعارات لتشتيت أفكار الرأي العام؛ فهل سألتم أنفسكم كيف يمكن تفسير زيارة وزير الخارجية البريطاني (جاك سترو) إلى طهران بعد حادثة 11 سبتمبر 2001م مباشرة؟ وإجراءه اللقاءات السرية بأعضاء الحجتية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور مهدي خزعل نجل أحد كبار قادة فرقة الحجتية (آية الله أبو القاسم خزعلي) هو مَن كشف قبل عامين الأصول اليهودية للرئيس الإيراني أحمد نجاد لكن السلطات الإيرانية اعتقلت الدكتور خزعلي وأودعته السجن. ويفسر المراقبون هذا الأمر بأنه نوع من الألاعيب السياسية التي تقوم بها فرقة الحجتية بهدف إرغام كثير من المسؤولين من ذوي الأصول اليهودية على الانتماء لها أو التعاون معها.
 

صباح الموسوي الأحوازي

المصدر: مجلة البيان