رضي الله عن عائشة: مواقفها تتكلم

أبو الهيثم محمد درويش

تأملت بعض مواقف بسيطة من مواقف الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها، فإذا بمواقفها ناطقة لا تحتاج لتعليق أو تقديم أو إشادة.

  • التصنيفات: سير الصحابة -

تأملتُ بعض مواقف بسيطة من مواقف الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها، فإذا بمواقفها ناطقة لا تحتاج لتعليق أو تقديم أو إشادة.

إيثار:

لما طُعِن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما قال لابنه عبد الله: اذهب إلى أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل: يقرأ عمر بن الخطَّاب عليك السَّلام، ثمَّ سلها أن أُدْفَن مع صاحبيَّ. قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنَّه اليوم على نفسي. فلمَّا أقبل، قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك المضجع، فإذا قُبِضت فاحملوني، ثمَّ سلِّموا، ثمَّ قل: يستأذن عمر بن الخطَّاب، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلَّا فردُّوني إلى مقابر المسلمين (رواه البخاري: 1392 مِن حديث عمرو بن ميمون رحمه الله).

ودخل عليها مسكينٌ فسألها -وهي صائمة وليس في بيتها إلَّا رغيف- فقالت لمولاة لها: أعطيه إيَّاه. فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إيَّاه. قالت: ففعلتُ. قالت: فلمَّا أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدِي لنا: شاة وكفنها. فدعتني عائشة فقالت: كلي مِن هذا، فهذا خيرٌ مِن قرصك (رواه مالك في (الموطأ): [2/997])، وكفنها: أي ما يغطيها من الرغفان.

 

حياء وحشمة :

أخرج الحاكم في (مستدركه: [4/ 7]) بإسناده الصحيح: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها قالت : "كنت أدخل البيت الذي دفن معهما عمر، والله ما دخلت إلا وأنا مشدود علي ثيابي حياء من عمر رضي الله عنه" (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).

 

وإليكم قصيدة أبي عمران الأندلسي في مدح أم المؤمنين عائشة:

ما شأن أم المؤمنين وشاني *** هُدِيَ المُحبُّ لها وضل الشاني

إني أقول مبيناً عن فضلها *** ومترجماً عن قولها بلساني:

يا مبغضي لا تأت قبر محمد *** فالبيت بيتي والمكان مكاني

إني خصصت على نساء محمد *** بصفاتِ برٍ تحتهن معاني

وسبقتهن إلى الفضائل كلها *** فالسبق سبقي والعنان عناني

مرض النبي ومات بين ترائبي *** فاليوم يومي والزمان زماني

زوجي رسول الله لم أرَ غيره *** الله زوجني به وحباني

وأتاه جبريل الكريم بصورتي *** وأحبني المختار حين رآني

أنا بكره العذراء عندي سره *** وضجيعه في منزلي قمران

وتكلم الله العظيم بحجتي *** وبراءتي في محكم القرآن

والله خفَّرني وعظم حرمتي *** وعلى لسان نبيه برَّاني

والله في القرآن قد لعن الذي *** بعد البراءة بالقبيح رماني

والله وبَّخ من أراد تنقصي *** إفكًا، وسبح نفسه في شاني

إني لمحصنة الإزار بريئة *** ودليل حسن طهارتي إحصاني

والله أحصنني بخاتم رُسله *** وأذلَ أهلَ الإفكِ والبهتانِ

وسمعت وحي الله عند محمد *** من جبرئيل ونوره يغشاني

أوحي إليه وكنت تحت ثيابه *** فحنا عليَّ بثوبه خباني

من ذا يفاخرني وينكر صحبتي *** ومحمد في حجره رباني

وأخذت عن أبويَّ دين محمد *** وهما على الإسلام مصطحبان

وأبي أقام الدين بعد محمد *** فالنصل نصلي والسنان سناني

والفخر فخري، والخلافة في أبي *** حسبي بهذا مفخرًا وكفاني

وأنا ابنة الصديق صاحب أحمد *** وحبيبه في السر والإعلان

نصرَ النبيَ بمالهِ وفعالهِ *** وخروجِه معه من الأوطانِ

ثانيه في الغار الذي سَد الكوى *** بردائه، أكرم به من ثاني

وجفا الغنى حتى تخلل بالعبا *** زاهدًا وأذعن أيما إذعان

وتخللت معه ملائكة السما *** وأتته بشرى الله بالرضوان

وهو الذي لم يخش لومة لائم *** في قتل أهل البغي والعداون

قتل الأُولى منعوا الزكاة بكفرهم *** وأذل أهل الكفر والطغيان

سبق الصحابة والقرابة للهدى *** هو شيخهم في الفضل والإحسان

والله ما استبقوا لنيل فضيلة *** مثل استباق الخيل يوم رهان

إلا وطار أبي إلى عليائها *** فمكانه منها أجل مكان

ويل لعبد خان آل محمد *** بعداوة الأزواج والأختان

طوبى لمن والى جماعة صحبه *** ويكون من أحبابه الحسنان

حب البتول وبعلها لم يختلف *** من ملة الإسلام فيه اثنان

أكرِم بأربعةٍ أئمة شرعنا *** فهُمُ لبيتِ الدين الأركان

بين الصحابة والقرابة ألفة *** لا تستحيل بنزعة الشيطان

نسجت مودتهم سدى لحمه *** فبناؤها من أثبت البنيان

رحماء بينهم صفت أخلاقهم *** وخلت قلوبهم من الشنآن

هم كالأصابع في اليدين تواصلاً *** هل يستوي كفٌ بغيرِ بنان

الله ألَّف بين ود قلوبهم *** ليغيظ كل منافق طعان

فدخولهم بين الأحبة كلفة *** وسبابهم سببٌ إلى الحرمان

حصرت صدور الكافرين بوالدي *** وقلوبهم ملئت من الأضغان

وإذا أراد اللهُ نُصرة عبده ***من ذا يطيق له على الخذلان

جمع الإله المسلمين على أبي *** واستبدلوا من خوفهم بأمان

من حبني فليجتنب من سَبني *** إن كان صان محبتي ورعاني

و إذا محبي قد ألفظَّ بمبغضي *** فكلاهما في البغض مستويان

إني لطيبةٌ خُلِقتُ لطيبٍ *** ونساءُ أحمدَ أطيبَ النسوانِ

إني لأم المؤمنين فمن أبى *** حُبي فسوف يبوءُ بالخسران

الله حببني لقلبِ نبيه *** وإلى الصراطِ المستقيم هداني

والله يكرم من أراد كرامتي *** ويهين ربي من أراد هواني

واللهَ أسألُه زيادةَ فضلِه *** وحمدته شكرًا لما أولاني

يا من يلوذ بأهل بيت محمد *** يرجو بذلك رحمة الرحمن

صل أمهات المؤمنين ولا تحد *** عنا فتسلب حلة الإيمان

إني لصادقة المقال كريمةٌ *** إي والذي ذَلت له الثقلان

خذها إليك فإنما هي روضةٌ *** محفوفة بالروح والريحان

صلى الإله على النبي وآله *** فبهم تتم أزاهر البستان

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام