الترغيب في العزة في السنة النبوية

قد كنَّا نحن وهؤلاء القوم على الشِّرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطيقون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرَى أو بَيْعًا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلَّا السَّيف.

  • التصنيفات: شرح الأحاديث وبيان فقهها - تربية النفس - تزكية النفس - محاسن الأخلاق -

- عن تميم الدَّاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ[1] ولا وَبَرٍ[2] إلَّا أدخله اللهُ هذا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلًّا يُذِلُّ الله به الكفر»[3]، وكان تميم الدَّاري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرُ والشَّرَف والعزُّ، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذُّل والصَّغَار والجِزْية.

- وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مَدَرٍ، ولا وَبَرٍ، إلَّا أدخله الله كلمة الإسلام، بِعزِّ عَزِيزٍ، أو ذُلِّ ذَلِيلٍ، إمَّا يُعِزُّهم الله، فيجعلهم من أهلها، أو يُذِلهُّم، فيدينون لها»[4].

ففي هذا الحديث يُـبَشِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِعِزِّ هذا الدِّين وتمكينه في الأرض، وأنَّ هذا العِزَّ والتَّمكين سيكون سواءً بِعِزِّ عَزِيزٍ، أو بِذُلِّ ذَلِيلٍ، أي: "أدخل الله تعالى كلمة الإسلام في البيت مُلْتَبسة بِعِزِّ شخص عزيز، أي يُعِزُّه الله بها، حيث قَبِلها من غير سَبْيٍ وقتال، «وذُلِّ ذَلِيلٍ» أي: أو يُذِلُّه الله بها حيث أباها، والمعنى: يُذِلُّه الله -بسبب إبائها- بِذُلِّ سَبْيٍ أو قتال، حتى ينقاد إليها كَرْهًا أو طَوْعًا، أو يُذْعِن لها ببذل الجِزْية. والحديث مُقْتَبَسٌ من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التَّوبة:33]، ثمَّ فسَّر العِزَّ والذُّل بقوله: (إمَّا يُعِزُّهم) أي: قومًا أَعَزُّوا الكلمة بالقبول، "فيجعلهم من أهلها" بالثَّبات إلى الممات، "أو بِذُلِّهم" أي: قومًا آخرين لم يلتفتوا إلى الكلمة وما قبلوها، فكأنَّهم أذَلُّوها، فَجُوزُوا بالإذلال جزاءً وفاقًا، "فيدينون لها" أي يُطيعون وينقادون لها"[5].

- و"أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عُيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة، رئيسي غَطَفَان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوَضةَ في ذلك، ولم يتمَّ الأمر، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به فلا بدَّ لنا منه؟ أم شيء تحبُّه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أنِّى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة». فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنَّا نحن وهؤلاء القوم على الشِّرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطيقون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرَى أو بَيْعًا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلَّا السَّيف. فصوَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، وتمادوا على حالهم"[6].

وهكذا كأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يربِّيهم على معاني العِزَّة، ويغرسها في قلوبهم غرسًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدر: الطين الصلب. (شرح النووي على مسلم [18/69]).

(2) الوبر: صوف أو شعر. (تحفة الأحوذي) لعبد الرحمن المباركفوري [6/419]).

(3) (رواه أحمد [4/103] [16998]، والطَّبراني [2/58] [1280]، والحاكم [4/477]، والبيهقي [9/181] [19089]. قال الهيثمي في (مجمع الزوائد [6/17]): رجاله رجال الصَّحيح. وقال الألباني في (تحذير الساجد [158]): على شرط مسلم، وله شاهد على شرط مسلم أيضًا).

(4)  (رواه أحمد [6/4] [23865]، والطَّبراني [20/254] [601]، وابن حبان [15/91] [6699]، والحاكم [4/476]، والبيهقي [9/181] [19089]. قال ابن عساكر في (مُعْجَم الشيوخ [1/417])، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد [6/17]): رجاله رجال الصَّحيح. وحسَّن إسناده الألباني في (تخريج مشكاة المصابيح [39])، وصحَّحه الوادعي في (الصَّحيح المسند [1159]).

(5) ((مرقاة المفاتيح) لملا علي القاري [1/116]).

(6) (ذكره ابن حزم في (جوامع السيرة) ص [188]).

 

المصدر: الدرر السنية