من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم (2)

أم سارة

في جزء سابق تحدثت عن أصل النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض أخلاقه الكريمة، وسنواصل الحديث عنه صلى الله عليه وسلم و(معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله وخدمه): فقد كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأولاده وخدمه، وكافة الناس أكمل معاملة وأتمها أخلاق وإحسان..

  • التصنيفات: السيرة النبوية -

في جزء سابق تحدثت عن أصل النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض أخلاقه الكريمة، وفي هذا الجزء سنواصل الحديث عنه صلى الله عليه وسلم و(معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله وخدمه): فقد كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأولاده وخدمه، وكافة الناس أكمل معاملة وأتمها أخلاق وإحسان، وتشهد بذلك كتب الحديث والسيرة، وسأذكر نماذج من تلك المعاملة الطاهرة.. سنبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم الأب..

تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا ودلاً وهديًا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها" (الألباني: صحيح أبو داود:5217)، فما أحن منك من أب يا حبيبي يا رسول الله، وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وقال:حسن صحيح)، والأهل هنا تشمل الزوجات والأولاد.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً» (سنن الترمذي:1162،حسن صحيح)، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بزوجاتهم خيراً ويقول: «إنما هن عوان عندكم» (رواه الترمذي)، أي أسيرات وللأسير حق على من أسره، فقد حبسها له وحده وحقًا على الزوج أن يحسن لزوجته ويرأف بها بحق حبسها وأسرها، فلا يسفه ولا يقبح ولا يضرب الوجه، وهذا من هديه عليه الصلاة والسلام في الحفاظ على المرأة وصون كرامتها.

وسُئلت أمنا عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة" (صحيح البخاري:676)، وقالت رضي الله عنها: "كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم" (صحيح الجامع:4937)، وهذا دليل على إعانته لأهله وخدمته في بيوت زوجاته.. لا كما يتوهم بعض الناس من أن ذلك نقصاً وعيباً أن يعين الرجل أهله في أعمال البيت، وهذا التعاون يولد الألفة والمحبة بين الزوج وزوجته، ففداك نفسي وأهلي يا حبيبي يا رسول الله.

أما مودته وتودده لأزواجه فمنها قوله لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعرف غضبك ورضاك، قالت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: إنك إذا كنت راضية قلتِ: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل، لست أهاجر إلا اسمك» (صحيح البخاري:6078)، فأين الزوج الذي يهتم لغضب امرأته ويعلم متى تكون غاضبة منه، ومتى تكون راضية طيبة النفس من ناحيته، فما أحن منك يا حبيبي يا رسول الله صلاة الله وسلامه عليك.

ونجده في موقف أخر يلهو مع زوجاته ويسامرهم، فتقول عائشة رضي الله عنها: "سابقني رسول الله فسبقته، فلبث حتى إذا أرهقني اللحم أي سمنت سابقني فسبقني، فقال: «هذه بتلك يشير للمرة الأولى»" (الألباني:377 صحيح)، وفي موقف أخر مع زوجه صفية رضي الله عنها عندما دخل عليها ووجدها تبكي فسألها: «ما يبكيكِ؟» قالتْ: قالتْ لي حفصةُ إنِّي بنتُ يهوديٍّ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: «وإنَّكِ لابنةُ نَبِيٍّ وإنَّ عمَّكِ لنبيٌّ وإنَّكِ لتحتَ نبيٍّ ففيمَ تفخرُ عليكِ ثمَّ قالَ اتَّقي اللَّهَ يا حفصةُ» (صحيح الترمذي:3894)، فنجد هنا أنه لم يتركها تبكي هكذا بل طيب خاطرها، وقال لها ما يرفع شأنها ويعزها وسط نسائه.

وفي موقف آخر يتبين حلمه صلى الله عليه وسلم، عندما غارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها..
وها هو الموقف: أهدت بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طعام بطعام وإناء بإناء» (صحيح الترمذي:1359)، فنجده هنا عليه الصلاة والسلام لم يوبخها أو يقول لها كلامًا غليظًا بل أخذ الأمر ببساطة، فأين نحن من هذا الرقي في التعامل وهذا الحلم والإناة؟!

وأما معاملته صلى الله عليه وسلم لخدمه، فكانت أحسن معاملة كما يحكي ذلك خادمه أنس بن مالك قال:
"خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشر سنين والله ما قال لي: أُفاً قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا" (صحيح البخاري:2309)، فأين نحن من هذا الخلق والتواضع والحنو على الخدم في بيوتنا من قدوتنا وأسوتنا، الآن نجد من لديه خادم أو خادمة يهينه ويوبخه لأتفه الأسباب، بل قد يعاقبه بالضرب المبرح الذي يؤدي لعاهة في جسده أو للموت، وهناك قصص كثيرة نسمعها عن ذلك، ألم يأن الأوان يا معشر المسلمين أن نقتدي به وننصره في أفعالنا وأقوالنا وحياتنا كلها؟!

وكان صلى الله عليه وسلم لا يستكبر أن يجلس خادمه إلى جواره ويأكل معه، ولذلك نجده حث المسلمين على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أتَى أحدُكم خادمَه بطعامهِ، فإنْ لم يُجلسهُ معه، فليناولْهُ أُكلةً أو أُكلتينِ، أو لُقمةً أو لُقمتينِ، فإنَّهُ وَلِيَ حرَّهُ وعِلاجَهُ» (صحيح البخاري:5460)، فما أكرم أخلاقك وتواضعك يا حبيبي يا رسول الله، فكم يعاني الخدم في زمننا هذا من مخدوميهم! فكيف ننصرك ونحن نبتعد عن كل خصال الخير التي تركتها لنا؟

والحديث يطول ولا ينقطع عن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا تحدثنا عن الوفاء فلن نجد أوفى منه صلى الله عليه وسلم حتى مع أعداءه، وإذا تحدثنا عن الأمانة فهو الأمين حامل الرسالة ومبلغها بكل أمانة ونحن على ذلك من الشاهدين، وإذا تحدثنا عن الصدق فليس أصدق منه حتى وإن كان في الهزل فهو لا يقول إلا صدقًا، وإذا تكلمنا عن حفظ العهد فليس هناك من هو أحفظ منه للعهد وإن كان لعدو الله فلا يغدر أبدًا، وإذا تحدثنا عن الرحمة فليس هناك أرحم منه على البسيطة حتى مع الأطفال والحيوانات والطيور، والكثير الكثير الذي لا ينقطع فهو المعصوم المختار من فوق سبع سموات، فاللهم صلِ وسلم وبارك عليك يا حبيبي يا رسول وعلى آله وصحبه وسلم.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..