(13) الصلاة النافعة

محمد بن عبد الرحمن العريفي

فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح.. فليجبه ولو زحفًا ولو حبوًا..

  • التصنيفات: فقه الصلاة -

والصلاة النافعة هي التي تقام كما أمر الله..

وقد أمر الله بإقامة الصلاة مع جماعة المسلمين في المساجد.. فقال عز وجل {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43].


وفي الصحيحين: أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب.. ثم آمر بالصلاة فيؤذنَ لها.. ثم آمرَ رجلًا فيؤمَّ الناس.. ثم أخالفَ إلى رجال فأحرقَ عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء..».
فقام بن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر.. شاسع الدار.. وليس لي قائد يلائمني.. فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي..

قال: «أتسمع النداء»؟ قال: نعم.. قال: «فاحضرها»..
قال: يا رسول الله.. إن بيني وبينها نخلًا وشجرًا.. وليس لي قائد..
قال: «أتسمع الإقامة»؟ قال: نعم.. قال: «فاحضرها»ولم يرخص له..

*   *   *   *   *   *   *   *


وروى مسلم:
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن.. فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى.. وإنهن من سنن الهدى..
ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته.. لتركتم سنة نبيكم.. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم..
ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.. ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف..
 

*   *   *   *   *   *   *   *


لأجل هذه الفضائل.. كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي إلا مع الجماعة.. في سفره وحضره.. وأمنه وخوفه.. ومرضه وعافيته..
انظر إليه صلى الله عليه وسلم .. وقد نزل به الموت.. والحمى تأكل جسده.. وهو يتحامل على نفسه ويصلي بالناس.. حتى صلى بهم المغرب يوم الجمعة ودخل بيته.. وقد اشتدت الحم .. فوضعوا له فراشًا فانطرح عليه..
واجتمع الناس لصلاة العشاء.. وهو صلى الله عليه وسلم يحاول النهوض من فراشه.. فلا يقدر.. فلما أبطأ عليهم.. جعل بعضهم ينادي: الصلاة.. الصلاة..


فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله وقال: «أصلى الناس»؟ قالوا: لا.. يا رسول الله.. هم ينتظرونك.. فإذا حرارة جسده صلى الله عليه وسلم تمنعه من النهوض.. فقال: «صبوا لي ماء في المخضب».. وهو إناء كبير..
فصبوا له الماء.. وجعلوا يصبون الماء البارد من القرب.. فوق جسده..
فلما برد جسده.. وشعر بشيء من النشاط.. جعل يشير لهم بيده.. فأوقفوا الماء عنه.. فلما اتكأ على يديه ليقوم أغمي عليه..
فلبث مليًا.. ثم أفاق.. فكان أول سؤال سأله.. أن قال: «أصلى الناس»؟ قالوا: لا.. يا رسول الله.. هم ينتظرونك..

قال: «ضعوا لي ماء في المخضب».. فاغتسل.. وجعلوا يصبون عليه الماء.. حتى إذا شعر بشيء من النشاط أراد أن يقوم فأغمي عليه..
فلبث مليًا.. ثم أفاق.. فكان أول سؤال سأله..أن قال: «أصلى الناس»؟ قالوا: لا.. يا رسول الله.. هم ينتظرونك..
قال: «ضعوا لي ماء في المخضب».. فوضعوا له الماء.. وجعلوا يصبون الماء البارد على جسده.. وأكثروا الماء.. حتى أشار لهم بيده.. ثم اتكأ على يديه ليقوم.. فأغمي عليه.. فلبث مغمى عليه مليًا.. ثم أفاق.. فقال: «أصلى الناس»؟ قالوا: لا.. هم ينتظرونك يا رسول الله..


فلما رأى حاله.. وتمكن المرض مند جسده.. التفت إليهم وقال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس».. فصلى أبو بكر أيامًا..
فلما كان يومُ الإثنين.. وجد صلى الله عليه وسلم  نشاطًا في جسده.. فدعا العباس وعليًّا.. فأسنداه عن يمينه ويساره..
ثم خرج يمشي بينهما.. إلى المسجد.. تخط رجلاه في الأرض.. ولم يفوت صلاة الجماعة.. وهكذا كان الصالحون من بعده..


فكان سعيد بن عبد العزيز إذا فاتته صلاته الجماعة بكى..


وقال برد مولى سعيد بن المسيب: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد..


وقال وكيع: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى..


وسئل سليمان المقدسي عن صلاة الجماعة وقد قارب عمره التسعين.. فقال: لم أصلّ الفريضة قط منفردًا إلا مرتين وكأني لم أصلهما قط..


وقال حاتم الأصم: فتتني صلاة الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاريُ وحده.. ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف..


وكان الربيع بن خثيم بعدما شُلَّ جسده وأصابه الفالج.. يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه.. وكان أصحابه يقولون: يا أبا يزيد.. لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك.. فيقول: إنه كما تقولون.. ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح.. فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح.. فليجبه ولو زحفًا ولو حبوًا..


لله درهم من مرضى.. بل والله نحن المرضى..

 

___________

من كتاب: (دموع المآذن) للشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي