ميراث النبوة شرف كيف تناله

دار بن خزيمة

هل أفناه في طاعة، وعبادة، من علم وعمل ودعوة إلى الله، وتعليم أهله
وجيرانه وأصدقائه الخير؟

  • التصنيفات: تربية النفس -

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم».

إن الله سبحانه من عدله أنه يحاسب كل إنسان حسبما أعطاه من قدرات وإمكانات.. فلا يحاسب المجنون أو يسأله لماذا لم يعلم أهله ما يجب عليهم من أمر دينهم؟
وإنما يحاسب العاقل وإن كان لا يعلم، يحاسبه لماذا لم يتعلم ما أوجبه عليه وهو قادر على التعلم؟

ولا يحاسب الفقير على عدم إخراجه للزكاة، وهكذا..
وأما من يملك القدرة العلمية والمالية للدعوة إلى الله، فإنه سيسأل لا محالة ماذا عمل فيما أعطاه من قدرات؟
هل سخر ولو جزءاً منها في سبيل الله؟ تبرئة للذمة.
أم هو كالأنعام يعيش ليأكل ويستمتع بالشهوات؟


فسيسأل عن عمره فيما أفناه؟

هل أفناه في طاعة، وعبادة، من علم وعمل ودعوة إلى الله، وتعليم أهله وجيرانه وأصدقائه الخير؟
أم أفناه أمام شاشات التلفزيون، وفي ملاعب الكرة؟ أو في (القهاوي)؟

وسيسأل عن شبابه فيما أبلاه؟

هل أبلاه في تعلم ما فرض الله عليه من واجبات، وتعليمها لأهله ومجتمعه؟
أم أبلى شبابه في الركض وراء الشهوات والملذات؟
نعم سنسأل عن زهرة شبابنا، فيما أبليناها؟
فليستعد كل منا للأجابة، بالعلم والعمل، وليستدرك المقصر ما فاته.

وسيسأل عن ماله من أين اكتسبه؟

وهنا الطامة الكبرى! هنا تزل أكثر الأقدام، إلا ما رحم ربي، ولنقف هنا وقفة متأنية لنرى حالنا المفجع هذه الأيام.

ماله من أين اكتسبه؟!

هل اكتسبه من العمل الذي يتأخر عنه أو لا ينجزه بأمانة؟
هل اكتسبه من بيع الدخان؟ أو الجرائد والمجلات التي تنشر صور المتبرجات والأفكار الرديئة والعقائد الفاسدة؟
هل اكتسبه من أسهم البنوك أو الشركات التي تتعامل بالربا؟
هل اكتسبه من الغش أو التدليس الذي يمارسه في تجارته؟
هل اكتسبه من بيع المسكرات والمخدرات؟
أو بالسكوت على فعل المنكرات؟
هل اكتسبه من وجه حرمه الله؟
أم اكتسبه من طرق حلال ينجو بها عند الله تبارك وتعالى ويستغني به عن عباد الله وينفع به من عباد الله ما شاء الله.

فاسأل نفسك وحاسبها قبل أن يحاسبك الله فلن تزول قدماك يا ابن آدم حتى تسأل عن مالك من أين اكتسبته؟

وسيسأل فيما أنفقه؟

نعم ستسأل عن مالك فيما أنفقته؟ حتى لو من كسب حلال فهذا جزء من السؤال هو الأخطر.
هل أنفقته في تأثيث بيت فاره ضخم وإخوانك المسلمون يموتون جوعاً وتشرداً؟
هل أنفقته في إجازتك مع الكفار في بلادهم؟
هل أنفقته على أجهزة التلفزيون والفيديو وأشرطته الخليعة؟
هل أنفقته في شراء الهوائيات المتطورة لتجلب محطات البث المباشر لتفسد بها عقلك وعقل عائلتك وخلقك وخلق عائلتك ودينك ودين أهلك؟
أم أنفقته فيما أمرك الله من نفقة واجبة على نفسك وأهلك، من غير إسراف ولا تقطير، وزكاة، وصدقة للقراء والمساكين؟
أم أنفقته في الدعوة إلى الله؟

أخي هل تظن أن الله سبحانه وتعالى أعطاك هذه النعمة عبثاً؟
حاشا لله!

لتفهم غاية هذه النعم وسبب إعطاءك إياها، اسمع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم، لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها، نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم».

هذه النعمة التي أنعم الله بها علينا كانت عند غيرنا، فلم يشكروها فمنعوها، ولم ينفقوها في منافع العباد من دعوتهم إلى الله تعالى بتعليم جاهلهم بأمر دينه، وإطعام جائعهم، لم يفعلوا ذلك فيما أعطاهم من نعم بل أنفقوها على شهواتهم وملذاتهم، كما يفعل كثير من الناس إلا ما رحم ربي، ونسوا أن الله تعالى «يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها» فـ «نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم» اختبار لنا، وها هي النعم هنا بين ظهرانينا نرفل فيها ونستمتع، فلنسأل أنفسنا ماذا عملنا لنحقق ما يريد الله من منافع العباد؟

إن الله يمهل ولا يهمل.

ويجب أن نعلم أن هذا المال الذي في أيدينا هو مال الله الذي استخلفنا فيه، وأمرنا أن نؤدي منه حقه فيه، وأن ننفق منه على أنفسنا، وأهلينا، وفي سبيل الله، قال تعالى:
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7]
ألا فليتذكر أولوا الألباب.

وسيسأل ماذا عمل فيما علم؟

إن ما نشاهده اليوم من اختصار وتحقيق، وطباعة لكتب التفسير والسنة والفقه، وانتشار العلوم الشرعية، لمن أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا، أهم بكثير من نعمة المال في هذا الزمان الذي تغط فيه أجزاء كبيرة من بلاد المسلمين في ظلمات من الجهل بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، وانتشار البدع، والطرق المنحرفة.

فماذا فعلنا لنشكر هذه النعمة؟
ماذا ستكون إجابتنا إذا سألنا الله: ماذا عملت فيما علمت؟
هل نشرنا التوحيد والعقيدة الصحيحة؟

لو فعلنا لما بقيت قطاعات واسعة من بلاد الإسلام أهلها إلا من رحم الله لا يعرفون إلا قبور من يسمون بالأولياء الصالحين يذبحون عندها ويتوسلون بها بدلاً من أن يرفعوا دعاءهم وتوسلهم إلى ملك الملوك جبار السماوات والأرض.

كيف ستلقى الله تعالى وماذا ستقول له؟

هل ستقول كما قالت الأعراب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تخلفوا عن الخروج معه: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: 11].

فالله أعلم بما في قلوبنا وقلوبهم، وقد حذرنا الله من الانشغال عما أمرنا به، وخلقنا من أجله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وهل العبادة هي: الصلاة والصيام والحج فقط؟

لا.. إن العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يتوعد من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم».

فهل تتصور أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتوعد مثل هذا الوعيد الشديد على ترك نافلة من النوافل؟

كلا، بل هو من الواجبات على كل مسلم ومسلمة، كل حسب استطاعته، فمن استطاع بعلمه وجب عليه ذلك، ومن استطاع بماله وجب عليه ذلك.. وهكذا.

ومما ينبغي علينا معرفته أن طريق الدعوة إلى الله طريق غير موحشة، لأن أقدام الأنبياء والصالحين قد وطأتها قبلنا، ومن ثمار هذه الدعوة أن يكون لك أجر من اهتدى على يديك إلى يوم القيامة، ها هو يقوم الليل وأنت نائم، ويصوم وأنت مفطر، ويحج وأنت مقيم، ويجاهد وأنت قاعد.. فالله أكبر، ما أعظمه من أجر.

وها هم المنصرون النصارى في أنحاء العالم يجمعون مئات بل آلاف الملايين سنوياً من التبرعات ويطبعون بها الكتب ويرسلون بها المنصرين لينشروا دينهم المحرف، فما بالنا نحن لا نفعل ذلك ونحن أهل الحق والدين القويم!!

فليتدارك كل منا ما فاته في الماضي، ولنبدأ بالعمل لهذا الدين قبل أن يدركنا الموت ونحن في غفلتنا هذه فنندم {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88].

ألا هل بلغت.. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

كيف نؤدي واجبنا؟!

أولاً: بأن نستغفر الله تعالى ونتوب إليه مما كان منا من تقصير وتفريط في الماضي.

ثانياً: أن نفكر ماذا نستطيع أن نفعل لنشر دين الله سواء بدعوة أقربائنا.. ونبدأ بالأقرب فالأقرب.. أو جيراننا.

ويمكننا الاستئناس برأي المشايخ والعلماء وطلبة العلم ممن لهم خبرة في الدعوة، لينصحونا.

وإليك أخي المسلم، أختي المسلمة أفضل وسائل الدعوة إلى الله وطرق استخدام بعضها، مع العلم أن للدعوة أولويات من المهم جداً ترتيبها، فالتوحيد قبل الصلاة، والصلاة قبل الزكاة.. نبدأ بالأهم فالمهم.

أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وموافقاً لكتابه العزيز، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أهم الوسائل في الدعوة إلى الله تعالى

إن وسائل الدعوة إلى الله كثيرة لا يمكن حصرها ولكن أهمها:

1-الكلمة الهادفة
سواء كانت تلك الكلمة: محاضرة، أو درساً، أو خطبة، أو موعظة، أو نصيحة شخصية بيننا وبين المدعو أو مجرد اتصال بالهاتف: خاصة في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث نلزم آداب النصيحة، ومنها ألا ننصح أحداً أمام الناس، بل على انفراد، إذا تيسر لنا ذلك، بحيث نتحين فرصة ننفرد فيها بأخينا المخطئ، وننصحه بأسلوب سمح لطيف:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].

2- الشريط
خاصة مع الناس الذين لا يحبون أو لا يستطيعون القراءة، فنختار لكل شخص الموضوع الذي يناسبه، فمن نجد فيه غفلة وتعلق بالدنيا، نهدي له شريطاً يذكره بالآخرة والموت والحساب، أما إذا وجدنا إنساناً يفعل حراماً معيناً، كالعمل في البنوك الربوية مثلاً، فنبحث له عن شريط فيه فتوى أو محاضرة عن تحريم البنوك الربوية، وهكذا، ويوجد عند مكتبات التسجيلات الإسلامية أثمنة مناسبة جداً للتوزيع الخيري.

3-الكتيب
نبحث عن كتيب ذي موضوع مناسب لمن يستطيعون القراءة في حدود 30-100 صفحة وهذا أقرب للتأكد من قراءته، لأن الناس الآن في عصر كثرت فيه المشاغل ونادراً ما نجد أحداً من عامة الناس يقرأ كتيباً أكثر من 100 صفحة، وهذه الكتيبات مقبول ثمنها لعامة الناس ومتوفرة في أغلب المكتبات.

4-الرسالة الصغيرة أو ما يسمى بالمطويات
وهي عبارة عن بضع صفحات كالتي بين يديك تعالج موضوعاً معيناً، ومن مميزاتها: سهولة قراءتها في دقائق معدودة، وهي ذات مظهر جذاب، ورخيصة جداً في الثمن، وبخاصة الكميات للتوزيع الخيري، كما أنها رقيقة الحجم مما يسهل إرسالها بالبريد إلى أي مكان.

ولو أن كل مسلم غيور قام بواجبه أو بعضه لكان للدين الإسلامي أكبر عدد من الدعاة والمراسلين ينشرون دعوته ونوره بين الناس ولنتذكر أن كل كتيب أو شريط أو مطوية تقوم بإهدائها بين الناس إنما يكون ذلك من الصدقة الجارية التي يصلك أجرها بعد موتك.

وتذكر بأن كل إنسان منا مكلف بالمشاركة في الدعوة إلى الله، كل حسب طاقته، فالداعية أو طالب العلم مكلف بمجهوده، والإنسان العادي مكلف بتوصيل وسائل الدعوة من كتيبات أو أشرطة لمن يحتاجها حسب استطاعته.

والتاجر مكلف بالمساهمة بماله في طباعة الكتيبات أو الأشرطة لتوزيعها بعد التنسيق مع بعض المكتبات الخيرية المهتمة بذلك.. وهكذا..

وبعد كل هذا فليس لأحد منا عذر أو حجة أنه لم يجد الوسيلة للقيام بواجبه في الدعوة إلى الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

وقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [متفق عليه].

ألا هل بلغت.. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد

وفي الختام، أسأل الله الرحيم أن يغفر لنا تقصيرنا، وأن يعيننا على القيام بواجبنا الذي خلقنا لأجله، آمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا محمد القائل: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من أن يكون لك حمر النعم» [رواه البخاري].

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.


إعداد: رائد بن نشأت إدريس

دار ابن خزيمة

موقع وذكر الإسلامي