أدب العلماء مع الله

قوم عرفوا مقام الأدب ومكانه فأولوه اهتمامًا عظيمًا، فجدوا في طلبه لأنفسهم، ونصحوا به طلابهم، وأمروا به أبناءهم، وجعلوه مطلبًا أساسيًا قبل العلم، إذ كل علم بلا أدب لا منفعة فيه. وقد كان أحدهم يرحل في الأدب الواحد السنة والسنتين، وكانوا يتعلمون الأدب كما يتعلمون الحديث..

  • التصنيفات: الأدب مع الله وكتابه ورسوله -

هناك بشر ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الناس لفضل مكانتهم عند الله، اكتشفوا أسرار الله فيهم، في حواسهم: السمع، والبصر، والفؤاد، فاستنهضوها، وغذوها بالعبادة والطاعة، وتحلوا بالآداب والأذواق، حتى اشتعلت وتوهجت، وأرسلت من منابع روحها، وسلسبيل قلبها نبضات وموجات ذوقية وأدبية. قوم عرفوا مقام الأدب ومكانه فأولوه اهتمامًا عظيمًا، فجدوا في طلبه لأنفسهم، ونصحوا به طلابهم، وأمروا به أبناءهم، وجعلوه مطلبًا أساسيًا قبل العلم، إذ كل علم بلا أدب لا منفعة فيه.

 

وقد كان أحدهم يرحل في الأدب الواحد السنة والسنتين، وكانوا يتعلمون الأدب كما يتعلمون الحديث، قال الحسن رحمه الله: "إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين". وقال سفيان الثوري: "كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة". وهذا الإمام مالك يقول لفتى من قريش: "يا بن أخي تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم". لأنه أدرك فضل الأدب منذ صغره، وكان يقول: "كانت أمي تعممني وتقول: اذهب إلى ربيعة (وهو ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك) فتعلم من أدبه قبل علمه".

 

وقال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: قال لي أبي: "يا بني إيتِ الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث". وقال بعضهم لابنه: "يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إليّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم". وهذا الحسين بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: "كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد أكثر من خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت". ويقول ابن وهب: "ما تعلمت من أدب مالك أكثر مما تعلمت من علمه".

 

بل في تصانيفهم المتقدمة ما يدل على علو شأن الأدب والسلوك، أليسوا صنفوا في أدب العالم والمتعلم وآداب طالب العلم، وما ينبغي أن يتصف به؛ صنفوا في ذلك كتبًا مستقلة.. وما كان أولئك يعانون من فراغ أوقات لا يدرون بم يصرفونها، لكن عنايتهم بذلك دليل على أهمية ذلك الأمر وعلو شأنه في دين الله عز وجل، كيف لا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

 

إن الخلق والسلوك الأدبي عند بعض المسلمين، بل عند بعض طلبة العلم يأتي في مرتبة متأخرة وللأسف، حيث يشعر هؤلاء أن مجرد حفظ المسائل العلمية وإتقانها هو وحده ما يحتاجه طالب العلم، وحين يبدأ الحديث عن الخُلق وعن الهدي والسمت والسلوك يشعر هؤلاء أن هذا حديث الوعاظ، وأنه حديث ينبغي أن يوجه إلى عامة الناس، وليس إلى طلبة العلم، فطلبة العلم إنما يحدثون بقال فلان وفلان، وفي المسألة حديثان أو ثلاثة أقوال، وهو مجال لا ينبغي أن يقلل أحد من شأنه، لكن أن نتصور أن أبواب الخُلق والآداب ليست من شأننا، أو أنها قضية ثانوية فهذا أمر لا يليق. وإليك أخي القارئ صورًا من أدب العلماء وحسن تربيتهم، فهم الذين أخذوا بأيدي الأمة من حضيض المستنقعات والرذائل إلى الالتزام بشرع الله والتحلي بالفضائل.

 

فمن ذلك أدبهم مع الله عز وجل، حتى إن أحدهم كان إذا دخل الصلاة لم يلتفت قلبه لغير من هو واقف بين يديه. يروي حماد بن جعفر بن زيد أن أباه جعفر بن زيد أخبره فقال: خرجنا في غزاة إلى كابول، وفي الجيش صلة بن أشيم؛ فنزل الناس عند العتمة فصلوا، ثم اضطجع، فقلت: لأرقبن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريبة منا، ودخلت على إثره فتوضأ فقام يصلي داخل مكان فيه أشجار حتى يستتر عن الناس في الليل، ثم قام يصلي وجاء أسد حتى دنا منه؛ فصعدت شجرة، فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكان آخر، فولى وإن له لزئيرًا تصَدَّع الجبال منه! قال: فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس فحمد الله بمحامد، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ثم رجع وأصبح حتى كأنه بات -بين الناس- وأصبحت وبي من الفزع شيء لا يعلمه إلا الله.

 

أما الإمام البخاري رحمه الله فإنه قام ذات يوم يصلي، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته اشتكى، فنظروا فإذا الزنبور قد أصابه بالورم في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته، فلاموه، فقال: "كنت في آية فأحببت أن أتمها"، وما قطع الصلاة.

 

وعن علي بن محمد بن منصور قال: "سمعت أبي يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري، فرفع إنسان من لحيته قذاة وطرحها إلى الأرض، فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته".

 

أما أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بلغوا فيه القمة، فهذا الإمام مالك بن أنس عالم المدينة الذي قيل فيه: "لا يفتى ومالك في المدينة" من أشد الناس إجلالا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي أنه كان إذا أراد أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ويغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه، ويجلس على ركبتيه كجلسة الصلاة، ويبقى على هذه الصورة حتى ينتهي المجلس. كما نقل عنه أنه لدغته عقرب عدة لدغات، ولم يغير مجلسه أدبًا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

فعن من اكتسب هذا؟ يقول مالك رحمه الله وقد سئل عن أيوب السختياني: "ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال: وحج حجتين فكنت أرمقه -وكلمة (أرمقه) مهمة في معايشة أهل العلم والفضل والأدب والمربين- فلا أسمع منه غير أنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى اخضل، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه". وقال مصعب بن عبد الله: "كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت؛ لما أنكرتم علي ما ترون، لقد كنت أرى محمد ابن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا ويبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم؛ فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله..

 

ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف من الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري، وكان من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم كأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين؛ فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه".

 

بل روي أن الخليفة أبا جعفر المنصور ناظر مالكًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومًا فقال: {..لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ..} [الحجرات:2]. ومدح قومًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ..} [الحجرات:3]. وذم قومًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ..} [الحجرات:4]. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان أبو جعفر.

 

وكان من عادة هؤلاء العلماء في تربيتهم لتلاميذهم أنهم يشعرون المتلقي بعظمة العلم الذي يتلقاه وأهميته؛ فقد روى ابن أبي حاتم رحمه الله عن عمران بن عيينة أنه قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعملك، ثم يقرأ: {..أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَة يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:166]. هذا المعلم يقول للمتعلم: انظر إلى العلم الذي تأخذه واعرف قدره ومنزلته. ولذلك كان للعلم تأثير عظيم في نفوسهم.

 

وتعظيم نصوص الوحي والوقوف عندها وعدم الاعتراض عليها مبدأ مهم جدًا في حياة المسلم، هذا المبدأ لو ألقيت فيه محاضرات وخطب لا يكون مستقرًا في النفوس كما لو صار مستقرًا بمواقف وأحداث. قال الذهبي رحمه الله: وفي مسند الشافعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود». الدية أو القصاص، يقول الراوي: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا الحديث؟! فضرب صدري وصاح كثيرًا، ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: أتأخذ به؟! نعم. آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى كل من سمعه، إن الله اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم من الناس؛ فهداهم به وعلى يديه؛ فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك.

فما أحوجنا والذين يتصدرون لدعوة الناس إلى الله وتعليمهم وتربيتهم أن يعتنوا بأمر الأدب والذوق، ليزرعوا في قلوب من يُعَلِّمُون تعظيم هذا الأمر مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم.

رشيد ناجي الحسن

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي- العدد 585