الصوم وأسس التربية الغذائية والصحية

خالد سعد النجار

لقد تغيرت عاداتنا الغذائية خلال هذا الشهر الكريم عن عادات الأجداد والأسلاف، حتى باتت النحافة أمنية غالية وعزيزة للكثيرين منا، وباتت أجسامنا ذاتها ثقيلة في العبادة التي هي مقصود الشهر وهدفه الأعظم، ففاتنا الكثير من الرحمات فضلاً عن خسارة الكثير من رصيدنا الصحي، الأمر الذي يتطلب منا وقفة جادة...

  • التصنيفات: فقه الصيام - ملفات شهر رمضان -

"إنه شهر معظم وليس شهر الأكل"، تلك كانت أبرز شعارات اختصاصي التغذية في بداية حديثهم عن ثقافة التغذية الرمضانية، بعدما هالهم تزايد أنماط استهلاك الأطعمة في رمضان بصورة مفرطة مع ارتفاع معدلات زيادة الوزن ومشاكل الكولسترول وتدهن الكبد وغيرها من الأزمات الصحية الموازية كخشونة المفاصل والسكري وانتهاء بالجلطات وحالات بتر القدم السكري.

 

لقد تغيرت عاداتنا الغذائية خلال هذا الشهر الكريم عن عادات الأجداد والأسلاف، حتى باتت النحافة أمنية غالية وعزيزة للكثيرين منا، وباتت أجسامنا ذاتها ثقيلة في العبادة التي هي مقصود الشهر وهدفه الأعظم، ففاتنا الكثير من الرحمات فضلا عن خسارة الكثير من رصيدنا الصحي، الأمر الذي يتطلب منا وقفة جادة لننعم بالعبادة الرمضانية ونخرج منه بمغفرة وحيوية تضاف إلى رصيدنا الإيماني والصحي، والمؤمن القوى خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.

 

• البداية لا بد أن تكون من أهل الرفض التام لوجبات التباهي والمفاخرة التي نعدها للأهل والأحباب خلال الضيافات الرمضانية العامرة بصنوف الأطعمة التي تحتاج إلى قبيلة لتأكلها لا إلى بضعة أشخاص، وغير خفي على أحد استهجان الإسلام للتبذير والمبذرين وللرياء والمرائين، وأن من شكر النعم الحفاظ عليها لا الإفراط فيها حتى تؤول إلى صناديق القمامة، والمحك الحقيقي في هذا الأمر هو تقديم رؤية الخالق على رؤية الخلق، وفي الحديث النبوي الشريف: «من فطر صائمًا فله مثل أجره» (صحيح الألباني؛ الإيمان لابن تيمية: [326])، وليس من أتخم صائمًا.


جدير بالذكر أن معدة الإنسان العادي تسع 250 سم3 فقط، وأن جدار المعدة قابل للاتساع والتمدد نتيجة التخمة إلى ما يقرب من 2500 سم3. فحجم المعدة الطبيعي لا يزيد على حجم قبضة اليد، وتظل متمركزة تحت عظمة القفص أسفل الصدر وأعلى البطن، ولكن حجمها عند النهم الأكول أضعاف ذلك، حتى إنّها تسقط من مكانها المعتاد وتقع في تجويف البطن والحوض، لترتكز على عظامه فيما يعرف بالكرش القبيح المنظر.

 

• الأطعمة السكرية (التمر، العصائر الطازجة..) من أفضل ما يقدم في بداية الإفطار حيث أنها تروي العطش وتمد الجسم باحتياجاته الملحة من السكريات البسيطة وتنبه الجهاز الهضمي ولا تسبب ربكة المعدة مقارنة بالوجبات الدسمة الثقيلة، ويمكن أيضا تناول الماء الغير مثلج، أو تقديم الشوربات الدافئة، ولكن بدون قطع الدجاج أو اللحم أو بهارات أو صلصات زائدة عن الحد.

 

ومن الفوائد الإضافية لهذه الأطعمة أنها تبعث على الشبع وتقلل من الشهية النهمة لما لذ وطاب على موائدنا الرمضانية، مما يعني المضغ الجيد، وتجنب: التخمة وعسر الهضم والنعاس والثقل بعد وجبة الإفطار.
علما بأن من علامات اضطراب المعدة وانخفاض كمية الأحماض المعدية الهاضمة: الشعور بالامتلاء السريع بعد الأكل، انتفاخ، غازات زائدة، عسر هضم، حساسية الطعام، وجود طعام غير مهضوم بالبراز، وتقشر أو تكسر في أظافر اليد.

 

• شوربة العدس من ألذ الشوربات المقدمة قبل وجبة الإفطار، وهي مفيدة ومغذية، وتتميز بقيمتها الغذائية العالية، حيث يحتوي الكوب الواحد من العدس على 35% من احتياجاتنا اليومية من الحديد، كما أنها قليلة في سعراتها الحرارية، وتهيئ الجسم للاستعداد لوجبة الطعام الرئيسية بالتدرج، وتعمل على الشعور بالشبع لفترات طويلة.
وعلى الجانب الآخر فالعدس مزعج لأمراض المصران الأعور، والحساسية، لأنه يحدث غازات بداخل الأمعاء، ويفضل عدم تناوله لهؤلاء المرضى، على أن القليل منه على فترات متقطعة يمكن أن يخفف من التأثير السيئ له على الأجهزة الهضمية عندهم، وكذلك يبتعد عنه أصحاب أمراض المياه الزرقاء.

 

• "نوع واحد من البروتين يكفي"، وجبة الإفطار الرئيسية ينبغي أن تقتصر على نوع واحد من البروتين سواء سمك أو لحوم أو طيور منزوعة الدهن، فالبروتين الحيواني ليس هو كل القضية التغذوية كما يعتقد البعض، بل هو واحد من منظومة غذائية يحتاجها الجسم بصورة شمولية، لا يغني فيها عامل عن آخر، والجسم يحتاج فقط إلى 18 جم من البروتين يوميا، والكمية الزائدة يتخلص منها ولا يستطيع تخزينها.

 

• طبق السلطة الخضراء بعصير الليمون وبدون إضافة الخل أو المايونيز، هو صديق الجهاز الهضمي والجسم لغناه البالغ بالفيتامينات والأملاح الضرورية، وهو بديل آمن ومقبل جيد بدلا من المخللات الغنية بالملح المسبب لمشاكل الضغط والكليتين. لكن ينبغي تحضير السلطات قبل موعد الإفطار بوقت قليل، وتقطيع الخضراوات لأجزاء كبيرة، وغسلها بالماء الجاري وعدم نقعها في الماء لفترات طويلة.

 

• الاعتدال في تناول الأطباق الرمضانية يجنبنا الكثير من مشاكل الحموضة والقولون واضطراب مستوى السكر وغيرها من مظاهر معاناة الجهاز الهضمي خاصة والجسم عامة، ويكفي أن نعرف أن الأطباق الرمضانية (الخشاف والقطايف والكنافة الغنية بالمكسرات..) تجمع بين محتواها العالي من السعرات الحرارية والطعم اللذيذ الذي لا يقاوم خاصة مع جوع الصيام، لذلك نحن نحتاج في التعامل معها إلى سياسة الترشيد والتنظيم.

 

• من خصائص ثمار (المشمش) أن قيمتها الغذائية تتضاعف حتى في حالة أكلها مجففة (مشمشية) أو شربها كعصير (قمر الدين) الشهير الذي ترتبط به الموائد الرمضانية، فالمشمش يحتوي على عناصر تعمل على تسكين العطش وإمداد الجسم بما يفقده من معادن أثناء فترة الصيام، وثمرة المشمش المجففة تحتوي على حوالي 20% من حاجة الإنسان من فيتاميني (أ) و(ج)، وهو مخزن لعنصر الحديد، ويوصف للمصابين بفقر الدم، وقد أثبتت الدراسات أن نسبة الحديد الموجودة فيه تعادل تلك الموجودة في كبد العجل. والمشمش يوصف للأشخاص الذين يبذلون مجهودا ذهنيا لاحتوائه على عناصر مهمة للمخ منها الفسفور والماغنسيوم، ولأن قيمته الغذائية عالية وسعراته منخفضة فهو ملائم لمتبعي الحمية الغذائية وأيضا الرياضيين.


وينبغي أن يشرب عصير قمر الدين قبل الطعام  وليس بعده.

تناول بعض حبات من المشمشية قبل الإفطار يساعد على تنظيف القولون وتهيئته لاستقبال الطعام لاحتوائها على نسبة عالية من الألياف. في حالة تناول قمر الدين مطبوخا أو كمهلبية يكون بعد تناول الطعام بساعتين على الأقل أو تناوله كوجبة خفيفة في السحور.

مرضى السكري لا يوجد تحذير لهم من تناول قمر الدين عصيرًا أو مطبوخًا ولكن من دون إضافة سكر، ويمكن استخدام بدائل التحلية الصناعية.

 

• تجنب قدر المستطاع الزبد والشحوم الحيوانية واللحوم المصنعة والمدخنة (اللانشون، الهامبرجر..) والأطعمة المقلية (بطاطس، سمك مقلي، سمبوسة..) والتي تحتاج لكمية كبيرة من الماء أثناء هضمها مما يسبب الشعور الشديد بالعطش، أيضا من المهم تجنب السكريات الصناعية (الشكولاتة، المربى، المشروبات الغازية..) فليس كل ما هو سائل يروي الجسم، وليس كل ما ينعش الفم ينعش البدن. ومن الأفضل استخدام زيت الزيتون كمصدر دهني آمن، علما بأنه تقل فائدته بالطبخ، ولذلك يفضل إضافته إلى الغذاء بعد الطبخ أو للسلطات.

 

• إدمان المشروبات المنبهة (الشاي والقهوة والكولا) إضافة إلى التدخين، من أهم أسباب تفاقم الصداع أثناء فترات الصوم، فضلا عن أعراض التوتر والقلق والأرق، لذلك يجب الحرص على تقليل معدل تناول هذه المشروبات قبل شهر الصوم بوقت كاف، مع زيادة الفترات بين تناولها، وتجنب تناول تلك المشروبات في الصباح واستبدالها بحبات الفاكهة الطازجة (غير ذابلة) أو بكوب من عصير الفاكهة الطبيعية غير المحلاة، وحذار من بدء الإفطار بشرب سيجارة أو تناول شاي أو قهوة لما في ذلك من إثارة للحامض المعدي بشكل مؤذ يزيد من معاناتها وإصابتها بالقرح.

 

• الأجبان الطازجة أفضل بكثير من الأجبان المطبوخة (الرومي والفلمنك والشيدر..)، والبيض المسلوق أفضل من المقلي لسهولة هضمه، فضلا عن اللبن الزبادي أو الرائب، والفول المدمس مع زيت الزيتون والليمون... كلها برفقة الخضروات الغنية بالماء كالخس والطماطم والخيار ومع الخبز الكامل (خبز الردة) من أفضل وجبات السحور الذي ينبغي أن يكون قبل أذان الفجر بوقت كاف لا يقل عن ساعة.

 

وأخيرا أثبتت الدراسات الطبية أن صوم رمضان بدون خمول وكسل وأكل بإسراف يخلص الجسم من قرابة عشرة كيلو جرامات من الشحوم والدهون التي تتراكم بداخله وتؤثر على الوظائف الحيوية للأعضاء والأنسجة.

فإنزيم"إذابة الدهون" لا يتم إفرازه إلا حينما يتوقف الإنسان عن الأكل لفترة تصل إلى 12 ساعة متواصلة مع تجنب الوجبات الدسمة عند العودة للأكل، وهذا الإنزيم يذيب الشحوم المتراكمة على الكبد والكليتين خاصة، وهي نفس الطريقة الموجودة لدى الجمل الذي يستطيع الاستفادة من دهون السنام لعدة أيام بعد أن يفرز هذا الأنزيم فيحولها إلى طاقة.