تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره

ابن قيم الجوزية

أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها، كما وصف سبحانه به كتابه في قوله: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33]، فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه.

  • التصنيفات: ترجمة معاني القرآن الكريم -

أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها، كما وصف سبحانه به كتابه في قوله: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33]، فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه.

والتفسير أصله في الظهور والبيان، وباقيه في الاشتقاق الأكبر الإسفار، ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح، ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت وظهوره، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه، فلا بد من أن يكون التفسير مطابقًا للمفسر مفهّمًا له، وكلما كان فهم المعنى منه أوضح وأبين كان التفسير أكمل وأحسن، ولهذا لا تجد كلامًا أحسن تفسيرًا ولا أتم بيانًا من كلام الله سبحانه ولهذا سماه سبحانه بيانًا وأخبر أنه يسره للذكر وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير:

إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.
الثاني: تيسير معانيه للفهم.
الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.

ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرًا له بل كان معسرًا عليه، فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير، فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه ولا مباينًا له ولا محايثًا ولا يرى بالأبصار عيانًا ولا له وجه ولا يد من قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1].

ومن قول رسوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى» (قال الألباني: لا أعرف له أصلاً بهذا اللفظ "تحقيق الطحاوية" [131])، ومن قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر:7]، وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشي اللغات، ليحملوا عليه آيات الصفات وأخبارها فيصرفوا قلوبهم وأفهامهم عما تدل عليه، ويفهموا منها ما لا تدل عليه بل تدل على خلافه ويقول: اعلموا يا عبادي أني أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ولا تحته، ولا فوق عرشي، ولا ترفع الأيدي إلي، ولا يعرج إلي شيء، ولا ينزل من عندي شيء من قولي: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]

ومن قولي: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: من الآية 50].

ومن قولي: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: من الآية 4].

ومن قولي: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: من الآية 158].

ومن قولي: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: من الآية 15].

ومن قولي: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: من الآية 255].

ومن قولي: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1].

ومن قولي: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23].

ومن قولي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: من الآية 16].

ومن قولي: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: من الآية 42].

ومن قولي: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: من الآية 102].

وأن تفهموا أنه ليس لي يدان. من قولي: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ} [ص: من الآية 75].

ومن قولي: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: من الآية 64].

ولا عين من قولي: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: من الآية 39].

فإنكم إذا فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها، بل مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها وظواهرها، فأي تيسير يكون هناك وأي تعقيد وتعسير لم يحصل بذلك، ومعلوم أن خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كلف أن يفهم منه خلاف موضوعه وحقيقته بكثير، فإن تيسير القرآن مناف لطريقة النفاة المحرفين أعظم منافاة.

ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي وعز عليهم ذلك، عولوا فيه على الشبه الخيالية التي سموها قواطع عقلية وقواعد يقينية، وإذا تأملها من نور الله قلبه وكحل عين بصيرته بمرود الإيمان رآها لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل، وهي من جنس خيالات الممرورين وأصحاب الهوس وقد سودوا بها القلوب والأوراق، فطريقتهم ضد طريقة القرآن من كل وجه إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير وأبين عبارة وطريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة وأطولها وأبعدها من الفهم فيجهد الرجل الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفذ قواه فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:39-40].

والله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليدًا لغيرنا بل إخبارًا عما شاهدناه ورأيناه، وإذا أحببت أن تعلم ذلك حقيقة فتأمل عامة مطالبهم وأدلتهم عليها وكيف تجدها مطالب بعد التعب الشديد والجهد الجهيد لا تحصل منها على مطلب صحيح، فإنهم بعد الكد والجهد لم يثبتوا للعالم ربًا مباينًا عنه منفصلًا منه بل بعد الجهد الشديد في إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه هم شاكون في وجوده، هل هو نفس ذاته أو زائد عليها، فمِن ذاهب إلى أنه زائد ومن ذاهب إلى أنه ليس بزائد، ومن متوقف في وجوده شاك فيه، هل هو نفس ذاته أو زائد عليها ثم هم شاكون في أن صفاته هل هي وجودية أو عدمية أو لا وجودية ولا عدمية، وهل هي زائدة على الموصوف أو ليست زائدة فكيف تثبت له على وجه لا يوجب تكثرًا في الذات ولا مغايرة بينها، فبعضهم يجعلها أمورًا عدمية وبعضهم أحوالًا نسبية وبعضهم يتوقف فيها ومنهم من يجعل علمه نفس ذاته، فيجعل ذاته علمًا ومنهم من يجعل علمه نفس معلومه، ومنهم من يجعل علمه واحدًا لا يتعدد ولا ينقسم، فيجعل علمه بوجود الشيء هو عين علمه بعدمه وعلمه بكونه يطاع هو نفس علمه بكونه يعصى، هذا إذا أثبت علمه بالمعينات والجزئيات ومن لم يثبته منهم قال لا يعلم من الموجودات المعينة شيئًا البتة.

وكذلك اضطربوا في كلامه فمنهم من لم يثبت له كلامًا البتة فلا قال عنده ولا يقول ولا أمر ولا نهي ولا كلم ولا يتكلم، ومن يقرب منهم إلى الإسلام قال كل ذلك مخلوق خلقه في الهواء أو في اللوح المحفوظ، ومنهم من قال كلامه معنى واحد فالمعنى ليس له بعض ولا كل وليس بحروف ولا أصوات، وذلك المعنى الواحد الذي لا ينقسم هو معاني كتبه كلها فالقرآن هو نفس التوراة وهما نفس الإنجيل والزبور، اختلفت أسماؤها باختلاف التعبير عن ذلك المعنى الواحد.

ثم ذلك المعنى ليس من جنس العلوم ولا الإرادات بل حقيقته مغايرة لحقيقتها، ثم ذلك المعنى المشار إليه يجوز تعلق الحواس الخمس به فيسمع ويرى ويلمس ويشم ويذاق، وكذلك سائر الأعراض يجوز تعلق الإدراكات كلها بها فيجوز أن تشم الأصوات وترى وتذاق وتلمس، ويجوز أن تسمع الروائح وتلمس.

قالوا وهذا حكم سائر الصفات فجعلوا الإرادة واحدة بالعين وإرادة إيجاد الشيء هي عين إرادة إعدامه وإرادة تحريكه هي عين إرادة تسكينه وإرادة إبقائه هي عين إرادة إفنائه، وإنما المختلف تعلقاتها فقط.

وكذلك قالوا في القدرة، وأما إذا حضروا على مطلب الجوهر الفرد ومطلب العرض هل يبقى زمانين أم لا ومطلب الأجسام هل هي متماثلة أو متباينة، ومطلب الأحوال هل هي ثابتة أم لا، وهل هي وجودية أو عدمية، أو لا ذا ولا ذا ومطلب الزمان والمكان ما حقيقتهما وهل هما وجوديان أو عدميان، ومطلب الكسب هل له حقيقة أم لا وما حقيقته، ومطلب الفعل هل هو قائم بالفاعل أم لا، فإن قام به فهل هو مقارن له أم لا فإن تأخر عنه فما الموجب لتأخره، وإن قارنه فهل كان قديمًا بقدمه، وإن لم يقم به فكيف يكون فاعلًا بلا فعل يقوم به كما لا يكون سميعًا بصيرًا مريدًا قادرًا بلا سمع ولا بصر ولا إرادة تقوم به إلى غاية مطالبهم، التي إذا انتهى جمعهم وصلوا إلى ما يحيله العقل والسمع فترى أحدهم يبني حتى إذا ظن أنه قد ارتفع بناؤه جاء الآخر بمعاول من التشبيه والتشكيك فهدم عليه جميع ما بناه وبنى مكانه بناء آخر حتى إذا ظن أن بناءه قد كمل عاد الباني الأول بنظير تلك المعاول فهدم بناءه فلا يزالون كذلك كما قال شاعرهم

 

ونظيري في العلم مثلي أعمى *** فترانا في حندس نتصادم


فهذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة لأنهم رأوها لا تلائم نصوص الوحي بل بينهم وبينها الحرب العوان، فأجهدوا أنفسهم وكدوا خواطرهم في الصلح وزعموا أن ذلك إحسان وتوفيق وكأن الله سبحانه أنزل هذه الآيات في شأنهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء:60-63].
 

المصدر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - الجزء الأول