(3) مفهوم وحقيقة الهجرة

أيمن الشعبان

كنا قد تكلمنا في حلقتين سابقتين، عن تأصيلات مهمة وأحكام جلية، تتعلق بوجود المسلم في بلاد الغربة، وتتمة لذلك ولكثرة الخلط لدى كثير من الناس، وتغيّر المفاهيم وانقلاب الموازين، والابتعاد عن حقائق الأشياء والمضامين، في وقتنا الحاضر لاسيما بقضية هامة جدًا بل هي من الدّين، كان لزامًا علينا بشيء من التوضيح والتبيين، الحديث عن حقيقة ومفهوم الهجرة في الإسلام.

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -

الحمد لله ذو الجلال والإكرام، ذو الفضل والإنعام، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام، و على آل بيته الكرام وصحابته الأعلام، ومن تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان، وبعد:

كنا قد تكلمنا في حلقتين سابقتين، عن تأصيلات مهمة وأحكام جلية، تتعلق بوجود المسلم في بلاد الغربة، وتتمة لذلك ولكثرة الخلط لدى كثير من الناس، وتغيّر المفاهيم وانقلاب الموازين، والابتعاد عن حقائق الأشياء والمضامين، في وقتنا الحاضر لاسيما بقضية هامة جدًا بل هي من الدّين، كان لزامًا علينا بشيء من التوضيح والتبيين، الحديث عن حقيقة ومفهوم الهجرة في الإسلام.

الهجرة لغة: مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة.

وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية... والصلة بين الهجرة وبين دار الحرب أنها الدار التي يهاجر منها المسلم إلى دار الإسلام قربة إلى الله تعالى (الموسوعة الفقهية [24/177]).

يتضح من التعريف أن المفهوم الحقيقي للهجرة، هو الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو إن شئت فقل، من دار الشرك إلى دار التوحيد، أو من مكان الظلم والإلحاد والانحراف إلى مكان العدل والإيمان والاستقامة، أو من أماكن تواجد البدع إلى أماكن تواجد السنن وهكذا  بحسب الأحوال.

وعليه فمن الخطأ الفادح تسمية من انتقل من بلد إسلامي إلى بلد كافر بالمهاجر، وقد اشتهر هذا المصطلح لدى كثير من المسلمين، فإذا أراد أحدهم السفر إلى كندا مثلاً أو أستراليا أو غيرها من الدول للإقامة، يقول سوف أقدّم على الهجرة لتلك الدولة، أو سأهاجر لنيوزلندا مثلا، وهذا قلب للحقيقة وتغيير للألفاظ، ونحن مأمورون باتباع المصطلحات الشرعية لما لغيرها من الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على المعتقد والفهم ثم السلوك والتصرف، ومن الممكن الاصطلاح عليه بأنه سفر أو غربة أو استيطان أو إقامة لا هجرة فلينتبه.

والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك (ينظر فتح الباري لابن حجر، تحفة الأحوذي، سبل السلام، نيل الأوطار، عند الحديث عن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»).

قال الشيخ الألباني: "ونحوه (التغرب): السفر إلى بلاد الغرب والكفر، من البلاد الإسلامية إلا لضرورة وقد يسمي ذلك بعضهم بـ (الهجرة) وهو من القلب للحقائق الشرعية الذي ابتلينا به في هذا العصر فإن الهجرة إنما تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام . والله المستعان" (السلسلة الصحيحة [5/299-300] في تعليقه على الحديث رقم [2244]).

ويقول أيضاً: "نصيحتي لهؤلاء الشباب الذين اضطروا أن يسافروا ولا أقول أن يهاجروا، لأن العكس هو التمام هو الكمال وهو أن يهاجر الكفار من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وليس العكس الواقع اليوم أن يهاجر المسلمون من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر -الأمريكان- ويسمونها بغير اسمها (المهجر)!! فالواجب عليهم أن يدعوا تلك البلاد في أقرب وقت ممكن سواء من كان منهم مضطرًا أو مغررًا به أن يعودوا إلى بلاد الإسلام ولو أن يعيشوا شظف العيش لأن الله عز وجل تولى لكل إنسان رزقه  {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22] (من سلسلة الهدى والنور شريط رقم [328]).

والهجرة هجرتان حسية ومعنوية أو ظاهرة وباطنة أو هجرة بالجسد وأخرى بالقلب، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تلك القسمة إذ قال: "الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة ... والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها.
وهجرة القلب هي هجرة تتضمن (من) و(إلى) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له" (زاد المعاجر أو الرسالة التابوكية ص11).

قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (صحيح البخاري) قال الحافظ ابن حجر: "وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن" (فتح الباري لابن حجر [1/54] ط السلفية).

قسّم المالكية الذهاب في الأرض قسمين: هربا وطلباً. فالأول ينقسم إلى ستة أقسام: 
الأول: الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويختلف في حاله.
الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: "سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسبّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزُل عنه، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف من قومه قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26]، وقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات:99]، وقال مخبرًا عن موسى:{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:21].
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخِمَة والخروج منها إلى الأرض النَّزِهة.
السادس: الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم محرمة دمه، والأهل مثله وأوكد (
الموسوعة الفقهية [42/ 185-186]).

ولِعِظم الهجرة وأهميتها في دين الله قرنها الله عز وجل بغير ما آية مع الإيمان والجهاد، قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة:20]، قال قتادة: "كان يقال الإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة" (زاد المسير في علم التفسير (2/175)


قال ابن القيم: "ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:218] وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره" (زاد المعاد [3/11-12]).

والانتقال من مكان إلى آخر، إذا صاحبه إخلاص ونية صادقة فهو من أجلّ القُرَب والعبادات، عكس ما إذا كان لأغراض دنيوية محضة كمجرد الرزق وتبعاته بمعزل عن أصل المقصد والنية، وقد فرق النبي عليه الصلاة والسلام بين عدة أنواع في الهجرة بحسب النية فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الأعمال بالنية، ولكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه، واللفظ للبخاري)، لا يقبل فى الهجرة والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه، وما لا يريد به وجهه فلا يرضى به (شرح صحيح البخاري لابن بطال [6/499-500]).

إن أعظم حكمة لتحقيق مفهوم الهجرة، العمل على تكوين مجتمع إسلامي متكامل، فيه عقائد صافية وشعائر ظاهرة، ونُظُم اجتماعية، وآداب وسلوكيات خُلُقية، ونصرة دين الله وتأييده، وإعزاز أمره، وكلما اقتربنا من تطبيق المعنى الحقيقي للهجرة، كنا من تحقيق هذه المعاني أقرب (ينظر مجلة البيان عدد 20، مقال بعنوان " من إلهامات الهجرة" لمحب الدين الخطيب).

والهجرة شرعت لثلاثة أسباب أو حكم، اثنان منها يتعلقان بالأفراد والثالث بالجماعة:

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهَا ذَلِيلًا مُضْطَهَدًا فِي حُرِّيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالشَّخْصِيَّةِ، فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَكُونُ فِي مَكَانٍ يُفْتَنُ فِيهِ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ إِقَامَتِهِ فِيهِ كَمَا يَعْتَقِدُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْهُ إِلَى حَيْثُ يَكُونُ حُرًّا فِي تَصَرُّفِهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ إِقَامَتُهُ مَعْصِيَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْمَعَاصِي.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ تَلَقِّي الدِّينِ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصًّا بِالزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِرْسَالُ الدُّعَاةِ وَالْمُرْشِدِينَ مِنْ قِبَلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَذِّرًا لِقُوَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَسْلَمَ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ عُلَمَاءُ يَعْرِفُونَ أَحْكَامَ الدِّينِ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى حَيْثُ يَتَلَقَّى الدِّينَ وَالْعِلْمَ.

وَأَمَّا الثَّالِثُ الْمُتَعَلِّقُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: فَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ جَمَاعَةٌ أَوْ دَوْلَةٌ قَوِيَّةٌ تَنْشُرُ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ، وَتُقِيمُ أَحْكَامَهُ وَحُدُودَهُ، وَتَحْفَظُ بَيْضَتَهُ وَتَحْمِي دُعَاتَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ بَغْيِ الْبَاغِينَ، وَعُدْوَانِ الْعَادِينَ وَظُلْمِ الظَّالِمِينَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ أَوِ الدَّوْلَةُ أَوِ الْحُكُومَةُ ضَعِيفَةً يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْ إِغَارَةِ الْأَعْدَاءِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا كَانُوا وَحَيْثُمَا حَلُّوا أَنْ يَشُدُّوا أَزْرَهَا، حَتَّى تَقْوَى وَتَقُومَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى هِجْرَةِ الْبَعِيدِ عَنْهَا إِلَيْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوبًا قَطْعِيًّا لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ رَاضِيًا بِضَعْفِهَا وَمُعِينًا لِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ وَخَفْضِ كَلِمَتِهِ (تفسير المنار لرشيد رضا [5/361-362]).

وقد حث الله سبحانه وتعالى ورغّب على الهجرة في سبيل الله، للمحافظة على ضرورية الدين بدرجة أساس، مع الأخذ بنظر الاعتبار بقية الضروريات حسب الترتيب، قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100]، فيه دليل على أن الهجرة لا بدّ أن تكون بقصد صحيح، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا (فتح القدير).

قال ابن كثير: "هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه" (تفسير ابن كثير).

هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.

وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء.
والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا.

فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى (تفسير السعدي).

وعليه فمن حقق الهجرة في سبيل الله، فقد حاز خيري الدنيا والدين، حيث أقام الدين كما أراد الله عز وجل، وتبعه السعة في الرزق والانتقال من الضلالة إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، كما وعد الله سبحانه.

فمن اضطر للانتقال من مكان لآخر، للحفاظ على نفسه أو ماله أو عرضه، ولم يجد بديلا إلا بلاد الغربة، فليعلم أن ضرورة الدين والحفاظ عليه من أولى الأولويات التي يجب استحضارها في كل وقت، ولا يمكن أن تكون هنالك ديمومة آمنة محصنة لأي نوع من الحياة مع ضعف البيئة الدينية، فالهجرة من أجل الدين والإيمان دائمة مستمرة، أما الهجرة من أجل الأمن والأمان فهي مؤقتة وسرعان ما تنتهي بمجرد زوال المقتضى والسبب، هذا ما سنبينه في حلقة قادمة بعون الله تعالى.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام