دور الليبرالية الغربية في تغيير حكومات الدول، أوكرانيا أنموذجاً

في الحالة الأوكرانية تتضح مدى العلاقة بين الاجتماعي والثقافي والسياسي، ففي دراسة علمية وثائقية مبكرة عن الدور المشبوه لكثيرٍ من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الغربية في العالم، قام بها مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية (قطاع) عن المنظمات والجمعيات والصناديق الخيرية المحلية الناشئة في أوروبا الشرقية وما صاحبها من تحولات فكرية وثقافية؛ كان اختيار أوكرانيا كأنموذج لدراسة دول أوروبا الشرقية بالتعاون مع بعض الباحثين من الدولة المعنية.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

المقدمة

في الحالة الأوكرانية تتضح مدى العلاقة بين الاجتماعي والثقافي والسياسي، ففي دراسة علمية وثائقية مبكرة عن الدور المشبوه لكثيرٍ من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الغربية في العالم، قام بها مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية (قطاع) عن المنظمات والجمعيات والصناديق الخيرية المحلية الناشئة في أوروبا الشرقية وما صاحبها من تحولات فكرية وثقافية؛ كان اختيار أوكرانيا كأنموذج لدراسة دول أوروبا الشرقية بالتعاون مع بعض الباحثين من الدولة المعنية، وذلك بعد نجاح (الثورة البرتقالية) الموالية للغرب عام 2005م، وكان التغيير القوي والسريع لافتاً لنظر المراقبين السياسيين، واختيار نموذج أوكرانيا باعتبارها أكبر دولة أوروبية شرقية تفصل بين روسيا وحدود أوروبا، وقد كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق حتى عام 1991م.

وما يهمنا في هذا المقال معرفة أثر صناعة الأفكار (الأيديولوجيات) الوافدة في تغيير ثقافات الأمم غير القوية أيديولوجياً أو سياسياً، من خلال فرض أو تسويق الثقافة الليبرالية الغربية أو التغريبية، ومن ثم تحويل الولاءات وتغيير السياسات والحكومات. وفي هذا المقام فإن الثقافة الغربية الوافدة استثمرت الضعف أو الفراغ الفكري والثقافي وعدم وجود مؤسسات المجتمع المدني المحلية الوطنية في أوكرانيا، حيث يُلاحظ أن دول المنظومة الشيوعية لا تؤمن بها، فهي ليست من ثقافتها.

وإن حجم ما تقوم به بعض المنظمات الأوكرانية المرتبطة بالغرب وتمويله إياها؛ يكشفه مدى ما حدث من تغيير في البنية الثقافية والاجتماعية داخل المجتمع الأوكراني نتيجة ضعف وإضعاف الانتماء للثقافة الروسية الشرقية، ومن ثم إنماء الصراع الفكري والاجتماعي ثم السياسي داخل الدولة الواحدة، وهذا ما حدث بالفعل في الحالة الأوكرانية؛ حيث سارعت دول المنظومة الغربية (أوروبا وأمريكا) بغزو أوروبا الشرقية فكرياً وثقافياً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كما هو الحال في الغزو الثقافي لمعظم دول العالم الثالث من خلال إحلال أو تعزيز الحريات الإعلامية والسياسية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والديمقراطية... وغيرها من قيم الغرب؛ لتحقيق عولمة قِيَمه، بعد إضعاف الثقافات المحلية ولغاتها، لتكون من ثم تحولات الولاء السياسي من قِبل الشعوب والمجتمعات المستهدفة.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا الصراع الحديث بين القوى الشيوعية والرأسمالية في أوكرانيا، لا علاقة له بالإسلام أو بالأقليات المسلمة (التتار المسلمين في القِرْم)، كما أنهم غير معنيين على الإطلاق بالأحداث الراهنة في مستهل عام 2014م، خاصةً إذا هم لزموا الصمت والحيادية تجاه التيارين المتصارعين سياسياً في أوكرانيا (التيار المحافظ الشيوعي الشرقي، والتيار الليبرالي الغربي الموالي للغرب)، وقد يكون المسلمون ضحية للصراع في أوكرانيا، خاصةً عندما يكونون طرفاً مع أحد التيارين في الأحداث، وبرفقه بعض جوانب الدراسة التي تم إجراؤها وتعليقٌ عليها في نهايتها.

الاستثمار الغربي للتحولات الفكرية

يمكن وصف الفترة التي كانت فيها أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفييتي، بالفترة التي غابت فيها قيم العمل الخيري؛ كون الفكر الشيوعي لا يستمد قيمه من ذات المصادر الأخلاقية التي يستمد العمل الخيري قيمه منها، وقد جاءت الثورة الشيوعية لتطمس التركيبة الأخلاقية التي كانت موجودة في روسيا القيصرية، والتي كانت ترتكز على دعائم الديانة المسيحية بشقها الأرثوذوكسي بشكل أساسي، ولم تكن أوكرانيا بعيدة عن النفوذ الروسي في تلك الحقبة؛ لذلك يمكن القول إن الأخلاق المسيحية كانت منبع العمل الخيري والمنظمات الخيرية في تلك الفترة ما قبل الشيوعية.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي (1991م) وتداعي المنظومة الشيوعية العالمية؛ بدأت الأمور تعود إلى شيء من سابق عهدها، وقد سادت مرحلة من الفراغ السياسي والثقافي في الجمهوريات التي خلفها وراءه الاتحاد السوفييتي العملاق.

تنبّه الغرب -كما هو المعتاد- إلى هذا الفراغ وأخذ يسعى جاهداً لسَدِّه وتفويت الفرصة على أي منافس آخر يحاول إنجاز هذه المهمة، فنشطت الجمعيات التبشيرية ومنظمات شهود يهوه، والمنظمات اليهودية، متخذة جميعها من العمل الخيري غطاءً لتمرير مشاريع سياسية وأيديولوجية خاصة بها، في جو من الفوضى الأخلاقية والفراغ القانوني في الأنظمة الذي ساد البلاد في هذه المرحلة.

ولم تتمكن العقول التي بُنِيَت في العهد الشيوعي، والتي كانت بالكاد تعي ما الذي حدث تحديداً، ولم تدرك كيف انهار الاتحاد السوفييتي بهذه الفترة القصيرة وبشكل مفاجئ؛ لم تتمكن من تلافي هذا المد الجامح للأفكار الآتية من الخارج، حيث لم تكن قد صحت من وهلة الصدمة بعد.

وعملت هذه القوى الخارجية على تأسيس منظمات وجمعيات خيرية وغير ربحية ودعمها مادياً، وبعد فترة بدأت تنشأ ثقافة العمل الخيري في المجتمع الأوكراني؛ فالفقراء والأطفال المشردون ومرضى الإيدز الذين بدؤوا الظهور في المجتمع الأوكراني الذي عمته الفوضى والتسيّب؛ كانوا بحاجة ماسة إلى مبادرات ذاتية ومحلية للقضاء على هذه الظواهر السلبية قبل أن تودي بما تبقى من المجتمع.

ويمكن القول إنه ثمة منظمات خيرية أوكرانية وطنية قد ظهرت فيما بعد الحقبة الشيوعية، إلا أنه لا يمكن الاعتراف بوجود ثقافة خيرية بحتة في أوكرانيا؛ فالعمل الخيري لا يزال مرتبطاً بالعمل السياسي إلى حد كبير، وحملات التبرع الخيرية لا تزال زمنياً ملازمة لفترة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تجري بشكل متكرر في البلاد، هذا من جانب، أما من جانب آخر فيمكن ملاحظة منظمات خيرية تسعى من خلال العمل الخيري إلى جني أرباح شخصية.

وهذا لا يعني انعدام وجود منظمات خيرية حقيقية تعمل بالفعل على مساعدة المحتاجين، وتنفق من أجل العمل الخيري الخالص، إلا أنها لا تزال قليلة ولا يزال تَشَكُّل الثقافة الخيرية وثقافة العمل الخيري يحتاج إلى كثير من الوقت. ويمكن تقسيم هذه المنظمات من حيث الدعم المالي إلى قسمين، القسم الأول يقوم في أغلب الأحيان على الدعم المالي الذي يرده من أشخاص معينين، هم في غالبيتهم من شريحة (الرأسماليين الأوكران الجدد) المرتبطين بالغرب. وقد تشكَّلت هذه الشريحة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال أوكرانيا عنه. والقسم الثاني يتلقى دعماً مباشراً من الدولة بشكل معلن، أو من الدولة ممثلة في شخصية سياسية معينة أو بأحد أقارب الشخصيات المسؤولة في الدولة، بدليل أن منظمتين من هذا النوع ترأست إحداهما زوجة رئيس أوكراني سابق، والأخرى ابنة رئيس أوكراني سابق.

القِيَم الغربية والدور السياسي

توجد اعتقادات شبه مؤكدة باشتراك المنظمات غير الحكومية الأجنبية وحليفاتها المحلية، بما فيها المنظمات الخيرية المدعومة مالياً من قبل الغرب؛ في التحضير للانقلابات في كل من: صربيا، وجورجيا، وأوكرانيا، وهنغاريا، وبأن هذه المنظمات تسعى إلى تصدير ما حصل في هذه البلدان إلى كلّ من روسيا وبيلاروسيا.

لقد اشترك في قلب نظام الحكم في أوكرانيا وإنجاح الثورة البرتقالية، المعهد الأمريكي الديمقراطي الوطني، والمعهد الجمهوري الدولي التابع للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة الأنباء الأمريكية (يوسيا)، وفريدم هاوس، ومعهد المجتمع المفتوح لمؤسسه جورج سورس. وتلقى حزب (بورا)، وهو من الأحزاب المعارضة، تمويله من مصرف (برافكس بنك) و(ويسترين يونيون)، حيث كانت النقود تحوّل من الولايات المتحدة من بنك الإنماء الدولي، ومن صندوق فريدريك إيبيرت، وصندوق جورج سورس... وغيرها من المنظمات.
واقترن تمويل المنظمات غير الحكومية، وخاصة الخيرية منها، في أوروبا الوسطى، والاتحاد السوفييتي السابق، وفي أوكرانيا خاصة؛ باسم السيد جورج سورس، مع أنه بين الحين والآخر ينفي علاقته بتنظيم الانقلابات والثورات في هذه البلدان.

ويعد تكتل (ناشا أوكرانيا)، المحسوب على الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، الذي يتزعمه الرئيس السابق فيكتور يوشينكو زعيم (الثورة البرتقالية)؛ أحد أهم الحاصلين على المعونات التي يقدمها جورج سورس، تليه حركة (بورا) وطائفة من البنى المتوسطة والصغيرة، من ضمنها المنظمات القومية الراديكالية.

لقد بدأت الثورة البرتقالية في أوكرانيا قبل شهور من الحملة الانتخابية في أوكرانيا، وقبل بدء الحملة الانتخابية كانت منظمة (فريدم هاوس) قد هيَّأت أكثر من ألف مراقب للإشراف على شفافية الانتخابات، وأعدت معسكرات لنشطاء المعارضة.

وفي الأيام الأخيرة من مارس عام 2004م نشبت مظاهرة كبيرة (حسب إحصاءات رجال الأمن 10.000 شخص)، وفي هذا التوقيت بالذات كان السيد سورس الأخصائي في نسف أنظمة الحكم -كما يسمونه-، موجوداً في أحد فنادق كييف العاصمة، حيث اجتمع حال وصوله بقادة المعارضة.

ومما يدعو للاستغراب أن سورس لم يقتصر على تقديم المساعدة للقوى الليبرالية القومية، بل قام بمساعدة الأحزاب الأوكرانية القومية المتطرفة المنضمة إلى تكتل الرئيس فيكتور يوشنكو، ومنها: الحزب القومي الاشتراكي، واتحاد الحرية.

وصرَّح (س. ماركوف) أن الثورات التي تنظمها المنظمات غير الحكومية، بما فيها المنظمات الخيرية؛ يتم تحضيرها على مرأى ومسمع من قبل الجميع، ليس من مركز واحد فقط، بل من قبل شبكة من المنظمات ذات الأيديولوجية الواحدة، ويتم التحكم بها من قبل مركز واحد، ويمكن القول إن (الثورة البرتقالية) قد تم تنظيمها من قبل الفروع الأوكرانية لشبكة من المنظمات الخيرية الدولية.

لقد تمكّنت شبكة المنظمات الخيرية الداعمة للمعارضة عشية الانقلاب؛ من اختراق كافة بنَى المجتمع الأوكراني.

في أوكرانيا عام 2004م، كما كان الحال في يوغوسلافيا وجورجيا، تم استعراض المزايا التي تتمتع بها المنظمات غير الحكومية مقارنة بالمرجعيات التقليدية للمجتمع الديمقراطي. لقد تمكّنت المنظمات غير الحكومية بمرونتها وعدم مركزيتها وجاهزيتها العالية وتعدد توجهاتها وعدم اقتصارها على العمل السياسي فحسب؛ تمكنت من مجابهة أي تحديات خارجية من جانب الأجهزة الأمنية.

وقد كانت هناك علاقة حميمية بين المنظمات الخيرية والمنظمات غير الحكومية الأوكرانية ونظيراتها في الدول التي شهدت ما يُسمى الثورات الملوّنة، وتوجد دلائل على اجتياز نشطاء حركة (بورا) دورات تأهيل في كل من: صربيا وجورجيا، وتمّ إعداد نواة هذه الحركة غير المسجلة حكومياً والتي لا يتجاوز عدد نشطائها عشرة آلاف عضو ويخضعون لنظام تسلسلي صارم وتدريبات وحلقات بحث؛ للقيام بأعمال الشغب الجماعية بكافة سيناريوهاتها المحتملة في معسكرات تدريب خاصة لهذا الهدف.

وقد اتخذت هذه الحركة في وقت لاحق شكل حزب سياسي سمي (ب. ر. ب بورا)، ضمّ في صفوفه قوى ذات توجهات ليبرالية وقومية ذات خبرة واسعة في معارضة السلطة القائمة.

كانت هذه الحركة تتعاون دائماً مع تكتلات أوكرانية قومية من أمثال حركة (أوناـ أونسو) و(تريزوب)، وتحاول في الحين ذاته غلبة العنصر القومي المتطرف في صفوف قادتها؛ كي لا ترعب الجماهير والرأي العام.

وما يستدعي الاهتمام حالياً الأقاويل السائدة في الأوساط السياسية حول أن الأوكران الذين قاموا بـ (الثورة البرتقالية)، والذين تتلمذوا على أيدي صنّاع هذه الثورة وغيرها من الثورات الملوّنة؛ يقومون بأنفسهم بالإعداد لثورات ملوّنة جديدة من المحتمل أن يكون مركزها دولاً مثل: بيلاروسيا، أذربيجان، وربما روسيا ذاتها.

وحيث إن مؤسسات المجتمع المدني بقيمها الغربية من أهم عوامل التحولات السياسية، فهذه لمحة موجزة عن أبرز مؤسسات المجتمع المدني الناشئة في أوكرانيا ودورها في التحولات.

وقد وصل عدد المنظمات غير الحكومية المسجلة رسمياً في أوكرانيا عام 2009، إلى 52.693 منظمة وجمعية.

ومن أبرز وأضخم المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية في أوكرانيا التي أسهمت في التحولات الفكرية ثم السياسية؛ ثلاث منظمات:

منظمة المجتمع المفتوح:
هي عبارة عن منظمة اجتماعية مفتوحة ترتكز حسب تعريف أصحابها إلى أنه لا يحقّ لأحد احتكار الحقيقة، وأنه يحق لأي إنسان ولأي جماعة من البشر امتلاك وجهة نظر خاصة بها واهتمامات خاصة بها، وهناك حاجة ماسَّة لإيجاد دولة المؤسسات لحماية حقوق الإنسان وإتاحة الفرصة أمامه للعيش سويَّاً بسلام.

وللمنظمة فروع في ثلاثين بلداً من بلدان العالم، ولها مقران قياديان رئيسيان في كل من (نيويورك وبودابست)، ويجدر القول إن مصطلح (المجتمع المفتوح وأعداؤه) مأخوذ من كتاب الفيلسوف كارل بوبر المؤلف عام 1945م، ومؤسس المنظمة هو الرأسمالي الكبير جورج سورس المولود في هنغاريا 1930م، والذي هاجر عام 1947م إلى إنكلترا، حيث تخرج من مدرسة اقتصاد لندن، وفي عام 1956م هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ جمع ثروة ضخمة عن طريق صندوق دولي استثماري، وتأثر كثيراً بأفكار الفيلسوف كارل بوبر.

أسس سورس أول منظمة له في مدينة نيويورك عام 1979م، وأول منظمة أوروبية للمجتمع المفتوح في الاتحاد السوفييتي عام 1987م، وله مؤلفات كثيرة يطرح فيها أفكاره بخصوص الاتحاد السوفييتي والجمهوريات التي بقيت بعد انهياره، ولدى المنظمة بكافة فروعها في العالم، بما في ذلك جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، أهداف معلنة واحدة، هي: دعم المبادرات التعليمية والاجتماعية والقانونية التي تدفع قـُدماً بعجلة التطور وإقامة مجتمع مفتوح.

وتعد المنظمة في أوكرانيا من كبريات المنظمات الخيرية، وتُعنى بشكل خاص بتقديم المساعدات المالية لتطوير المجتمع الديمقراطي المفتوح في أوكرانيا وتطوير كافة المبادرات التي تملك نفس التوجه، وتقدم المساعدات بالشكل المعلن للمنظمات غير الحكومية حصراً، والتي تتلاءم توجهاتها مع أهدافها.

صندوق المرأة الأوكرانية:
وهو عبارة عن منظمة دولية خيرية تأسست عام 2000م. ويوفر الصندوق الدعم المالي والمعلوماتي لمنظمات المجتمع المدني في أوكرانيا ومالدوفيا وروسيا البيضاء، ويقوم بتمثيل شبكة المرأة لمعهد المجتمع المفتوح/ نيويورك، وهو عضو في الشبكة الدولية لصناديق المرأة والمنتدى الأوكراني للمتبرعين. وتتلخص مهمة UWF في مساعدة منظمات المجتمع المدني على وجه التحديد، لكن عمله لا يقتصر على منظمات المجتمع المدني النسائية، بل يسعى إلى القيام بدور نشط في عمليات التحول الديمقراطي في المجتمع، وإلى المساهمة في المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان من خلال تقديم الدعم المادي لتطوير المجتمع المدني. وتوجد للصندوق مراكز إعلامية في كل من المحافظات الأوكرانية التالية: هرسون، سومي، لفوف، ودونيتسك، كما يوجد مركز إعلامي في جمهورية مالدوفيا.

المؤسسة الأوكرانية الدولية الخيرية 3000 (الألفية الثالثة):
وهي منظمة خيرية غير حكومية تأسست عام 2001م، وتترأس زوجة ثالث رؤساء أوكرانيا زعيم الثورة البرتقالية السيد فيكتور يوشينكو، الأمريكية الأصل؛ هيئة الرقابة في هذه المؤسسة التي تم إنشاؤها في فترة سادتها المشاكل وعدم الاستقرار، وكانت تمثل محاولة لتلبية احتياجات المجتمع الأوكراني في تلك الفترة العصيبة. ومبادئها المشاركة الشخصية من قبل الجميع، والعمل المشترك، والعمل من أجل الصالح العام. وتطمح بشكل أساسي إلى نشر هذه الأفكار وجعلها المهيمنة في المجتمع الأوكراني، والسعي لتوحيد أكبر عدد من معتنقي هذه الأفكار.

وتتخذ كافة القرارات المتعلقة باستخدام الأموال لتوفير دعم لها من قبل المجلس العام للقضايا الإنسانية.

وفي عام 2010م وقف فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا في الفترة التي كان فيها في صفوف المعارضة هو وحزبه؛ موقفاً مضاداً بالنسبة لدخول أوكرانيا إلى حلف الناتو الذي يعد كثير من دوله، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، من المؤيدين للثورة البرتقالية. وعند وصوله إلى السلطة لم يحافظ على هذا الخط السياسي فحسب، بل ذهب إلى التوقيع على اتفاقية لتمديد فترة بقاء أسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القِرم من عام 2017م إلى عام 2042م، ما يشكِّل تحدياً مُعلناً للغرب ولأمريكا، وقد جاء توقيع الاتفاقية في توقيت كانت فيه أمريكا منشغلة عن القضية الأوكرانية بالتحضير للانتخابات وبمشاكلها الداخلية، وربما لو لم يكن الحال كذلك لاتخذت موقفاً أكثر حزماً وجدية من هذا التوجه، فهي لا يمكن أن تسلِّم بسقوط أوكرانيا نهائياً في يد الروس مرة أخرى، وما كانت لتتخلى عن الملف الأوكراني لولا بعض التأييد الضمني الذي تلقته من روسيا بما يخص الملف النووي الإيراني.

وفي أواخر عام 2013م تجددت الأزمة بين الحزب الحاكم الموالي لروسيا والحزب الموالي للغرب، وانتهى الصراع بين الطرفين باقتحام الموالين للغرب المقرات الحكومية والبرلمان الأوكراني، ثم أخرجوا الرئيسة السابقة لأوكرانيا من السجن، وصدر بحق الرئيس الأخير الموالي لموسكو مذكرة اعتقال بحالة تتشابه مع الحالة المصرية من حيث انتهاك الديمقراطية والقفز على الحريات.

أبرز نتائج البحث:
حروب الأفكار والثقافات والقيم من الحروب التي لا يمكن تجاهلها أو تجاهل آثارها، وهي مقدمات للصراع الداخلي والخارجي، وواقع أوكرانيا يؤكد ذلك، حيث صُنعت قيم الليبرالية الغربية في مجتمع شرقي من خلال الليبراليين والرأسماليين والمؤسسات والمنظمات والجمعيات والشركات الاقتصادية الغربية بمطاعمها وأسواقها الليبرالية، وقد نجحت نتيجة ضعف وإضعاف الثقافة الأم وأيديولوجياتها، وواقع التحولات السياسية ومآلاتها في أوكرانيا بالدعم الغربي؛ يكشف هذه الحقيقة.

إذا كانت حروب الأفكار والأيديولوجيات في العالم تتم بحق الجميع، بما فيهم دول أوروبا الشرقية التي تدين بالثقافة الروسية ولغتها؛ فكيف مع دول العالم العربي والإسلامي التي تمتلك عقيدةً مغايرة وقِيَماً منافسة ومخزوناً فكرياً وثقافياً قادراً على المنافسة والتصدير في أي يوم من الأيام؟! والحالة الأوكرانية نموذج لصناعة التشرذم الثقافي والثنائيات الفكرية في العالم؛ لإضعاف الخصوم والسيطرة على مستقبل الدول المنافسة.

استفادت دول الغرب من حروب أوروبا العالمية، ومن المرجح استبعاد الحروب العسكرية بين الأطراف المتنازعة، وقد تكون أوكرانيا ضحية الصراع بتقسيمها وانفصال القِرم والولايات الشرقية لأوكرانيا لصالح المعسكر الروسي، والمتوقع حرب باردة بين الطرفين الغربي (أمريكا وأوروبا) من جهة وروسيا من جهة أخرى، وذلك في اقتسام النفوذ العالمي في المواقع الهشة والضعيفة، مثل سورية وغيرها، ليكون العالم الثالث كله مسرحاً للاقتسام والتراضي بين الأقوياء، أو ضحية من ضحاياهم.

من المتوقع أن تكون أوكرانيا موطن صراع سياسي مستقبلي بحكم أهميتها الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي فيما بين الحلف الأطلسي وحلف الناتو والبحار الدافئة للعالم الإسلامي، لا سيما مع وجود القاعدة العسكرية الروسية في عاصمة القِرم (سيمفروبل) والتحالف السابق الأوكراني الروسي[1].

[1] يلاحظ وجود أصل هذا البحث العلمي (26 صفحة) بتفاصيله وإحصائياته ومراجعه ومصادره لدى مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية، ويمكن تواصل الباحثين ممن يعنيهم أمر هذا الموضوع مع المركز (قطاع) للحصول على نسخة كاملة منه. 

 

 محمد بن عبدالله السلومي

المصدر: مجلة البيان العدد 324 شعبان 1435هـ، يونيو 2014م.