الفرس وأوهام الإمبراطورية.

عامر عبد المنعم

حدد يونسي خصوم وأعداء إيران الذين يقفون ضد المشروع الفارسي بأنهم (التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية) وقال: "إن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق.
ولكن هل حقًا حققت إيران الحلم الإمبراطوري؟

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

الفرس وأوهام الإمبراطورية
الإيرانيون يتحركون تحت راية أمريكا ويحتفلون بالانتصار!
المشروع الإيراني يخسر في العراق وسوريا ويتراجع في لبنان والنهاية في اليمن
---------------------------------------------
لم يحدث أن تعرضت الأمة الإسلامية لكم من الجرائم والفظائع على يد غزاة أكثر مما رأيناه في السنوات الأخيرة على يد إيران وأتباعها بالمنطقة العربية، فكم العداوة والحقد الطائفي الذي تشهده المنطقة منذ دخول إيران فاق ما فعله الأمريكيون والبريطانيون والجيوش الصليبية التي احتلت العراق في 2003 عقب الغزو الذي قاده الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش زعيم المحافظين الجدد.

رغم أن المعارك محتدمة، والاشتباك العسكري بين المشروع الإيراني الشيعي مع شعوب السنة في العراق وسوريا واليمن لم يتوقف خرج علينا علي يونسي رئيس الاستخبارات الإيرانية في عهد خاتمي، والمستشار الحالي للرئيس الإيراني، حسن روحاني، بتصريحات عبر فيها عن حالة النشوة والزهو التي يعيشها الإيرانيون هذه الأيام بعد سيطرة الشيعة على أربع عواصم عربية، حيث أدلى بتصريحات تعبر عن الشعور الوهمي بالانتصار في معارك لم تنته بعد، فاضحًا الطموحات الفارسية في استعادة مجد غابر لن يعود بإذن الله.

قال علي يونسي: "إن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليًا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي، في إشارة إلى إحياء إمبراطورية فارس قبل الإسلام والتي أسقطها المسلمون في عهد سيدنا عمر بن الخطاب على يد خالد بن الوليد".

وأضاف يونسي في تصريحاته خلال منتدى (الهوية الإيرانية) بطهران أمام مجموعة من الطلبة الإيرانيين "أن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معًا أو نتحد"، وتمادى يونسي في أوهامه وأطماع إيران بالقول إن "كل منطقة شرق الأوسط إيرانية، وسندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءًا من إيران".

حدد يونسي خصوم وأعداء إيران الذين يقفون ضد المشروع الفارسي بأنهم (التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية) وقال: "إن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق.

وهذا الخطاب المرتبك يكشف عن حالة من التضليل، المقصود منه خداع الرأي العام المحلي وتقديم صورة وردية للسياسة الإيرانية لتحسين صورة الحكم أمام الأزمات الداخلية، وأيضًا لرفع معنويات المتشيعين خارج إيران بعد تصاعد موجة الكراهية في العالم الإسلامي ضد كل ما هو إيراني بسبب الإجرام الطائفي الذي خرب كل البلاد التي تدخلت فيها إيران.

ولكن هل حقًا حققت إيران الحلم الإمبراطوري؟

بالتأكيد لا، فالسياسة الإيرانية خسرت الكثير، وهذا التوسع الشيعي الحالي مؤقت، وبروزه بهذا الشكل دليل ضعفه، وليس مؤشر على القوة، فالمشروع الشيعي في تراجع وانكسار، وهذه بعض المؤشرات التي تلخص حقيقة هذا التراجع:

1- النفوذ الإيراني في العراق ليس لقوة إيران ولا يعود لجهد خاص بها وإنما لتعاونها مع أمريكا والغرب الصليبي، منذ الغزو الصليبي الغربي لأفغانستان في 2001 واحتلال العراق في 2003 . لقد قدموا الدعم للمحتلين وتجنيد أتباعها في الحملة الصليبية، والاشتراك مع الغربيين في قتل العراقيين ومواجهة أي مقاومة للمحتل، وهذا التعاون مع الصليبيين مستمر حتى اليوم فلا تتحرك القوات الإيرانية في العراق إلا بغطاء الجو للتحالف الذي تقوده أمريكا، وبدون هذا الغطاء لا تستطيع القوات الإيرانية وعملائها من ميليشيات تابعة للحكومة العراقية الطائفية أن تخرج من معسكراتها.

2- في العراق لم تستطع إيران حسم المعارك لصالحها وتحقيق أي انتصار يعتد به، وكما هو معلوم فإن الجيش الإيراني منخرط في القتال بفرق عسكرية من الحرس الثوري بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ورغم استخدام إيران لكل أسلحة ومعدات الجيش النظامي باتفاق مع وزارة الدفاع الأمريكية لم تنتصر القوات الفارسية، بل اتجاه القتال يؤكد فشل الإيرانيين في تحقيق انجاز عسكري مهم.

3- ما تمارسه القوات الإيرانية ضد العراقيين السُنة جرائم حرب وفظائع تجلب لهم العار وليس الفخر، فقصف الطائرات الإيرانية لمدن السُنة وقصف بيوت ومنازل المدنيين والمساجد ليس عملًا يستحق الفخر، وإنما يكشف عن الحقد الطائفي، كما أن خير دليل على الإجرام الطائفي الفارسي عمليات التطهير العرقي للسنة وحرق المواطنين السنة وحرق منازلهم في مناطق بمحافظة ديالى شرق البلاد، وهناك فظائع بسبب هجوم القوات الإيرانية وميليشيا الحشد الطائفي التي تستعين بها قوات الحرس الثوري في المعارك. كل هذه الممارسات ولدت روح ثأرية لدى كل العراقيين السُنة، وأوقدت نارًا في الصدور لن تخمد إلا بعد الثأر.

4- انكسرت القوات الإيرانية على أسوار تكريت في هجومها الأخير رغم حشد أكثر من ثلاثين ألف جندي بدباباتهم وراجمات الصواريخ والغطاء الجوي بالطائرات الإيرانية وسلاح الجو للتحالف الأمريكي، ومن المعروف أن تكريت تعرضت لعشرات الهجمات التي شاركت فيها قوات إيران بغرض احتلالها ولكن الفشل كان هو النتيجة الوحيدة في كل هذه الهجمات، ومعركة تكريت بجانب أهميتها الاستراتيجية فهي معركة رمزية حيث أنها مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين ويريد الإيرانيون دخولها ونبش قبره انتقامًا وثأرًا، ولكنهم فشلوا.

5- دخول الجيش الإيراني بشكل مباشر في القتال داخل العراق دليل على تراجع المشروع الشيعي وليس انتصاره، فهذه المشاركة بالفرق العسكرية الإيرانية بقيادة إيرانية، يؤكد انهيار الجيش العراقي الطائفي وأجهزته الأمنية (2 مليون) رغم كل ما أنفق عليه من مليارات وما معه من أسلحة أمريكية، وهذا يعني أن مقاومة السُنة التي استنزفت القوات الأمريكية ودمرت جيوش أمريكا والغرب البرية ومعداتها الأرضية، والتي دمرت الجيش العراقي الطائفي لن تصمد أمامها القوات الإيرانية التي تقاتل على أرض معادية وبيئة كارهة غير حاضنة.

- سوريا ولبنان:

وإذا تركنا العراق إلى سوريا سنجد الحال ليس في صالح إمبراطورية إيران الوهمية، فلم تستطع إيران أن تحسم المعركة لصالح بشار الأسد، ولم تستطع وقف زحف الثوار السوريين ومنع تقدمهم. نعم شاركت إيران في تعطيل سقوط النظام بالمشاركة مع القوى الإقليمية والدولية لأسباب متعددة لكن حكم بشار انتهى وليس له مستقبل، وسقوطه مسألة وقت ليس إلا، ويومها ستخسر إيران كل شيء وستخرج من سوريا.

* يمكن تلخيص الانتكاسات الإيرانية في سوريا ولبنان فيما يلي:

1- تعتمد إيران في سوريا بشكل أساسي على قوات حزب الله اللبناني، لوجوده بالقرب من منطقة القتال، وكما هو واضح فإن حزب الله تعرض لخسائر كبيرة خلال الشهور الأخيرة، ولم تسعفه الصواريخ والأسلحة الإيرانية في تحقيق انتصارات أمام المقاتلين السنة، بل انقلب اتجاه القتال وخسر حزب الله الكثير من المعارك وفقد العديد من جنوده.

2- تورط حزب الله في سوريا زاد من حجم المعارضة له في الداخل اللبناني، بما جعل الحزب في موقف ضعيف داخليا، وتطور الأمر بعد امتداد المعارك إلى داخل حدود لبنان في عرسال والمناطق القريبة منها، وبدأت فكرة هيمنة الحزب على لبنان تهتز، وهذا يعني تراجع المشروع الشيعي وليس صعوده.

3- تغيير حزب الله اتجاه إطلاق الصواريخ التي يحصل عليها من إيران من الكيان الصهيوني وتوجيهها للسنة في سوريا أسقط ما يسمى محور الممانعة، وفضح التحالف الإيراني الأمريكي وكشف عن التقاء الفرس الشيعة مع الغرب الصليبي ضد السنة وهذا ينهي أي تعاطف مع حزب الله كمشروع مقاوم كما كان يقدم نفسه للرأي العام العربي، وكشف التوتر الأخير على الحدود مع الكيان الصهيوني وجود تفاهمات بين (إسرائيل) وإيران والحزب.

4- اضطرت إيران لسحب بعض الفرق العسكرية التابعة للحرس الثوري في سوريا لمواجهة التطورات في العراق، ونفس الأمر حدث مع الفرق العسكرية التابعة لشيعة العراق، وهذا أضعف الوجود العسكري الشيعي في سوريا ولم يزد من قوة الشيعة العسكرية في العراق التي تحولت إلى محرقة يومية للشيعة العراقيين والإيرانيين على السواء.

- اليمن:
يأتي الشعور الإيراني بالانتصار بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، فهذه الخطوة هي التي جعلت الإيرانيين يتسرعون في الإعلان عن نجاح الحلم الإمبراطوري، فهم اعتبروا سقوط صنعاء يعني وصول إيران إلى البحر الأحمر والسيطرة على خليج عدن وباب المندب بجانب الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

ظن الإيرانيون أن سقوط صنعاء نهاية المعارك، ووضع الجزيرة العربية بين فكي الكماشة الفارسية، ولكن هذا الاستعجال في إعلان انتصار المشروع الإيراني وتحقيق الحلم الإمبراطوري مجرد وهم، فسقوط صنعاء لا يعني السيطرة على اليمن وهذا للأسباب الآتية:

1- سقوط صنعاء لم يتم بالقتال وإنما بالخيانة وشراء الذمم، فلم يسيطر الحوثيون التابعين لإيران بقوتهم العسكرية ابتداء من دماج ومرورا بعمران إلى دخول صنعاء، فهذا السقوط كان نتيجة جهد دولي وإقليمي لتسليم الحوثي حكم اليمن، فأمريكا والغرب استخدموا الحوثي لمحاربة القاعدة، بينما مولت دول خليجية على عبد الله صالح والحوثي للتخلص من التجمع اليمني للإصلاح.

2- الدعم الذي لقيه الانقلاب الحوثي في البداية تغير الآن، خاصة مع تغير الإدارة السعودية بعد وفاة الملك عبد الله، وغير التوجه الجديد للملك سلمان اتجاه سياسة المملكة المتعلق باليمن.

3- فشل الانقلاب الحوثي في السيطرة على خمسة أقاليم من ستة بسبب ممارساته الطائفية والجرائم التي ارتكبها، فالحوثي يسيطر على إقليم آزال بينما تمردت عليه أقاليم مأرب والجند وتهامة وعدن وحضرموت، وحتى إقليم آزال الذي يضم العاصمة صنعاء فإن الحوثيين به أقلية، بينما الأغلبية سنة ورافضين للانقلاب، ولا يمر يوم في العاصمة من احتجاجات.

4- استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي ثم خروجه من صنعاء إلى عدن وإعلان التمسك بمنصبه وأن الاستقالة كانت تحت التهديد كشف الغطاء السياسي للانقلاب، وزادت أزمة الحوثي بنقل دول الخليج لسفاراتها إلى عدن، الأمر الذي كشف مؤامرة الأمم المتحدة لتمكين الحوثي من خلال مبعوثها المغربي جمال بن عمر، وفتح الباب أمام تحرك خليجي مهم تقوده المملكة العربية السعودية.

5- الشعب اليمني السُني لم يتحرك عسكريًا حتى الآن مراهنًا على الحلول السياسية، ويحرص على أن يكون اللجوء للعمل العسكري ضد الميليشيات في إطار الدولة، لكن هذا الصبر لن يستمر طويلًا، وعندما ستكون نهاية الانقلاب.

6- الخسائر اليومية لميليشيا الحوثي في محافظة البيضاء، خاصة في قيفة ورداع تمثل عملية استنزاف كبيرة لن يتحملها الانقلابيون الطائفيون كثيرًا.

(هذا المقال كتب قبل عاصفة الحزم والتحرك العسكري السعودية في اليمن).

ما سبق يؤكد أن المعارك التي تخوضها الأمة ضد المشروع الإيراني لم تنته حتى يفرحوا، فالمعارك محتدمة في العراق وسوريا، ولم تبدأ بعد في اليمن، وبوادرها تظهر في لبنان، وكل المؤشرات تؤكد أن المشروع الإيراني في تراجع وليس صعود، ففي العراق انهار جيش الشيعة العراقيين، والحرس الثوري الإيراني مكشوف الظهر، بل تتلقى إيران يوميًا قتلاها في توابيت تنتشر صورها على شبكة التواصل.

وفي سوريا تنسحب قوات إيران وحزب الله يوميًا أمام ضربات المقاتلين والثوار ضد نظام بشار وأصبحوا في موقف دفاعي انسحابي، وفي اليمن لم تبدأ المعركة الرئيسية ضد إيران حتى الآن، وهذا يشير إلى خسارة المعركة وليس إطلاق إعلانات الانتصار والإمبراطورية المزعومة.

لقد اقتربت نهاية المشروع الإيراني، وانكشفت كل الشعارات الكاذبة، التي خدعوا بها كثيرين فترة طويلة من الزمن مثل (الموت لأمريكا) و(الموت لإسرائيل) فالموت الإيراني الفارسي كان دائمًا للعرب والمسلمين، وتحالفوا مع أمريكا في كل حروبها ضد المسلمين.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام