حول التربية السياسيَّة: معرفة وسلوكاً

خباب الحمد

فهؤلاء العلمانيون يريدون للإسلاميين أن يتقزَّموا ويتقوقعوا على
أنفسهم وألاَّ يتدخَّلوا في قضايا السياسة،أو أن يسعوا لإقامة دولة
الإسلام، فهذا حرام عليهم، أمَّا على العلمانيين والليبراليين فحلال
لهم ذلك!

  • التصنيفات: تربية النفس -

المواكب لهذا العصر بجميع همومه وتجلياته وواقعه، يوقن بأهمية التربية السياسية للشباب المسلم، فالشباب هم عدة الحاضر، وقادة المستقبل، وأمل الأمة المسلمة. ويزداد اهتمامنا بضرورة التطرق للتربية السياسية في زمن تداعت فيه الأمم الكافرة على أمَّتنا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فأصبح الكل يتناوشها باستئذان وبدونه من كل حدب وصوب، فالحاجة تستدعي تلك التربية المؤمنة بالله تعالى والشاهدة على هذا العصر بأحداثه ووقائعه.

في البدء يتعسَّر علينا أن نأتي بتعريف للتربية السياسية ويكون تعريفاً جامعاً مانعاً ـ كما يقال عند علماء الرسوم والحدود والتعريفات ـ ولكن حسبنا أن نقول تعريفاً عاماً للتربية السياسية إذ يمكن حدها بـ : تنمية الخبرة المعرفيَّة والسلوكيَّة لدى الشباب على مزاولة شؤون السياسة وما ينتج عنها، وإدراك الآليات التي يمكن لهم من خلالها إدارة شؤون المجتمع، لكي يكون الشباب فاعلين في مجتمعهم، مؤدين لوظيفتهم التي خلقهم الله تعالى لها بعد عبادة الله وهي إدارة الأرض وعمارتها بدين الإسلام وحضارته.

ومن جميل ما وقفت عليه في الحديث عن السياسة ما قاله الراغب الأصفهاني: "السياسة ضربان: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به. والثاني: سياسة غيره من ذويه وأهل بلده، ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه".

ومن أهمِّ الوسائل المعينة في التربية السياسية؛ خلق حالة من التوعية التربوية المتزامنة مع تطور الشباب سنة فأخرى بنشر ثقافة الأمر والنهي والإرشاد، إضافة إلى الترتيبات الإدارية والنظامية التي تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية وجلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم، ولقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ العلم بالسياسة بأنَّه: "علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها" ويمكن أن نضيف على ذلك بقولنا: وإدارة الخلق وسياستهم بما ينفعهم في شؤون دينهم ودنياهم.

• السياسة جزء أصيل من الإسلام والموقف من المنكرين لذلك:
الإسلام دين أنزله الله تعالى كاملا متوازنا شاملاً، فهو دين ودولة، وقيم وحضارة، وعمارة وبناء، وعبادة وجهاد، ومن يقول أنَّ السياسية ليست من الإسلام، فهو واقع بين أحد هذه الأمور:
ـ إما أن يكون حاقداً على الإسلام.

ـ أو يكون جاهلاً بحقيقة الإسلام.

ـ أو يكون مقلداً لما يقوله بعض المستشرقين أو الليبراليين العلمانيين.

ولو بحثنا في أصل مقولة أنَّ السياسة ليست جزءاً من الإسلام، لوجدنا أنَّها لم تأت إلا حينما غزانا المغتصب الأمريكي /الأوروبي/ الصهيوني، وجاس خلال ديارنا، وسامنا سوء العذابات العسكرية والفكرية، مع أنَّهم يلبسون أفعالهم لباس الدين والعقيدة، ليجمعوا الناس تحت دعاويهم وطروحاتهم، ومن يتابع تصريحات بوش أو أولمرت أو ديك تشيني أو شمعون بيرس أو طوني بلير أو ساركوزي، يجد ذلك البعد الديني العقدي في حروبهم وسياساتهم، حتى لو كانوا من دعاة الليبرالية، إلاَّ أنَّهم في واقع الأمر يأخذون بطقوسهم الدينية ويسيرونها خدمة لمصالحهم السياسية!!

أمَّا الإسلام فالسياسة جزء لا تنفصل عنه، لكنَّها لدى المسلم دين وخلق وعبادة وطهر ونقاء وإن كانت تجمع الذكاء والمهارة والحذق والفهم، فهي ليست لدى المسلم (لعبة قذرة) وقائمة على المصالح الشخصيَّة والبراغماتيَّة، أو أنَّها مهنة لصناعة الأراجيف والكذب، فإنَّ الله لا يحب الخائنين.

ثمَّ لو قلنا إنَّ الإسلام مجرد طقوس ورهبنة وشعائر بدون إقامة الدولة الإسلامية، التي تحمي هذه المقدسات والقيم التي أتانا بها هذا الدين لكان إسلامنا عبارة عن كهنوت أو أشبه بالطقوس الكنسية التي يقيمها النصارى المسيحيون في كنائسهم.

ومن العجب العجاب أن تروج هذه العبارة على بعض من ينتسبون للعمل الإسلامي، كأن يقول بعضهم "من السياسة ترك السياسة"، أو "السياسة تياسة"، أو "قاتل الله مادة ساس يسوس سوساً فهو سائس"، فكل هذه العبارات مغلوطة وغير صحيحة، بل من العجب العجاب أن نقرأ في كتب من ينتسبون للإسلام: "إنَّ مقولة لا سياسة في الدين ولا دين في السياسية قاعدة سلفية شريفة!"، وحتى لو ثبت أنَّ صاحب هذه المقولة تراجع عنها إلاَّ أنَّه لا زال هنالك أناس عطَّلوا أسماعهم وأفهامهم عن فهم قضايا السياسة ويرون أنَّ الاشتغال فيها أو الاهتمام بهذا هراء ولا جدوى منه.

نعم أحيانا يكون استخدام بعض الناس للسياسة بتياسة، ومن الحكمة لبعض الناس أن يتركوا السياسة لأنَّهم جروا على أمَّتهم البلاء بسياستهم ومخازيهم التي لا تحصى!

ولكن أنَّ يقول بعض إخواننا مثل هذه الكلمات؛ فما أروع كلمة يسمعها حاكم مستبد ظالم من شيخ داعية ليقول: من السياسة ترك السياسة!، لكي يرتع ذلك الحاكم الظالم ببطشه وظلمه وجبروته، ويتخذ أولئك الظلمة المشايخ تُكأة؛ ليستفيد منهم ويستخدمهم لسياسته، فيقومون بالدور السياسي لخدمة أولئك الظلمة الطغاة، وهم لا يشعرون!

لقد قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (رحمه الله) في بعض أشرطته المسجَّلة: "إنَّ (لا إله إلا الله) من ألفها إلى يائها سياسة".

وحين يقرأ القارئ هذه الكلمة لأول وهلة فقد لا تروق له، ولكن حين يدقق النظر فيها فإنَّه سيجد أنَّ لها حظَّاً وافراً من الصواب، وذلك أنَّ هذه الكلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) نشر محمد صلى الله عليه وسلم بها دعوته، ولأجلها أقام دولة الإسلام، وبها ارتفعت رايات الجهاد لمقاتلة أهل الكفر والإلحاد، وبها حكمت الأرض بشريعة الإسلام زهاء أربعة عشر قرنا.

والحق: أنَّ أي امرئ يرى الفصل بين الدين والدولة،أو الإسلام والسياسة، فما هو إلا متشبه ومتشكل بحسب المكعبات العلمانية التي تنمو في واقعنا؛ لأنَّ الرأي الذي يذكره دعاة الفصل بين الإسلام والسياسة أو الدين والدولة، هو في حقيقة أمره تأصيل لعداوة العلمانيين للإسلام ودعاته؛ بل إنَّه يتطابق مع العلمانيين حين يقولون: "الإسلام لا دخل له بالسياسة، بل هو محصور في زوايا المسجد، وتكايا الذكر"، ويعني ذلك أن ننسف كلَّ تاريخ الإسلام، الذي كان قائماً على حفظ السياسة الشرعيَّة للمسلمين، وعلى حماية دولهم ، بل حتَّى الدولة التي أقامها رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في المدينة المنوَّرة والتي كانت منطلقاً للجيوش الإسلاميَّة لفتح الدول التي صدَّت عن الإسلام أو قاومت جيوشه، فإنَّه بمقتضى آراء أولئك الداعين لفصل الدين عن الدولة يكون ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أمراً شنيعاً؛ وذلك لأنَّ الأصل أن تقوم هذه الدولة بالفصل بينها وبين الدين؛ لأنَّ الإسلام في نظرهم (دين وأمَّة) وليس (ديناً ودولة)!

والعجب أنَّ من يقولون ذلك هم أكثر الناس حرصاً على أن تكون لهم دولة يسوسونها ويقومون عليها، كالعلمانيين والليبراليين، مع أنَّهم يدينون بدين اسمه العلمانية أو الليبرالية، ولهم بذلك قيم وعقائد وأخلاق وركائز وثوابت، فكيف يقولون لغيرهم من المسلمين لا تقيموا دولة إسلامية، ويحرصون في المقابل أشد الحرص على إقامة دولة بحسب ما يعتقدون ويقتنعون؟!

أحرام على بلابله الدوح *** حلال للطير من كل جنس

فهؤلاء العلمانيون يريدون للإسلاميين أن يتقزَّموا ويتقوقعوا على أنفسهم وألاَّ يتدخَّلوا في قضايا السياسة،أو أن يسعوا لإقامة دولة الإسلام، فهذا حرام عليهم، أمَّا على العلمانيين والليبراليين فحلال لهم ذلك!

وصدق من قال فيهم وفي أشكالهم:
يسوسون الأمور بغير عقل *** فينفذ أمرهم ويقال ساسة
فأف من الحياة وأف منهم *** ومن زمن رئاسته خساسة


ومشكلة أخرى نتطرق لها وهي ما يطلقه بعضهم على الإسلاميين الذين ينادون بحقوقهم السياسية والقانونية، إذ يطلقون عليهم بأنَّها حركات (إسلام سياسي) فعجباً من مصطلحات يطلقونها ما أنزل الله بها من سلطان، وهل الإسلام أصلا لا يعترف بالسياسة؟!، وهل هنالك إسلام أنزله الله يهتم بالسياسة، وإسلام لا يهتم بالسياسة؟ مع أنَّ الإسلام دين واحد وشريعة واحدة.

لقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه (الطرق الحكميَّة): "ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة: فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة: تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشرعية، علمها من علمها وجهلها من جهلها"، إلى أن يقول: "فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله".

لقد كتب علماء الإسلام في شؤون السياسة كالإمام الماوردي والعز بن عبد السلام وأبي يعلى الفراء والجويني وابن تيمية وابن القيم، بل فهم ذلك السادة الأكابر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً قوله: "يامعشر العريب، الأرض الأرض، فإنه لا إسلام إلا بجماعة، ولاجماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة".

لقد روى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟"، قال: «نعم»، فقلت: "هل بعد ذلك الشر من خير؟"، قال: «نعم، وفيه دخن»، قلت: "وما دخنه؟"، قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر»، فقلت: "هل بعد ذلك الخير من شر؟"، قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: "يا رسول الله صفهم لنا"، قال: «نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألستنا»، قلت: "يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟"، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: "فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟"، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك» [رواه البخاري ومسلم].

ويتضح من هنا أنَّ الجماعة لابدَّ لهم من إمام يسوسهم ويقودهم، ولا يكون ذلك إلا عن طريق السياسة التي تنتظم بها شؤون المجتمع.

وأمَّا موقف الإسلام ممّن يدعون إلى فصل الدين عن السياسة، فإنَّ ممَّن تولى كبر هذه الأكذوبة الصلعاء الشيخ علي عبد الرازق، أحد علماء الأزهر الشريف، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة، حيث كتب في ذلك الوقت كتاباً باسم (الإسلام وأصول الحكم)، وقد طبع عام (1344هـ/1925م).

وممن رد عليه الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، والأستاذ أمين الرافعي. وقد أفتى بردته كلٌّ من الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد رشيد رضا.

ولهذا فإنَّ الموقف ممَّن يرى عدم دخول الدين بالسياسة؛ أن من قامت عليه الحجة وبانت عليه المحجة، وظهر له الدليل، ثمَّ كابر واستكبر وأبى أن يذعن للحق، فإنَّ من اعتقد هذه العقيدة فإنَّه كافر ولا كرامة، وقد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فالله تعالى يقول: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام: 162-163]، ومن تحاكم وأمر بالتحاكم لغير حكم الله تعالى بدعوى أنَّ الدين الإسلامي هو شعائر وعبادات لا دخل له في مجال الحكم ولا السياسية، فإنَّه ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام بإجماع العلماء، فالله تعالى يقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [سورة الأنعام: 57]، فهنا دلالة على وجوب توحيد الحاكمية لله وحده، ويقول تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [سورة الكهف: 27]، وهذه الآية نستنبط منها عدم جواز إشراك حكم الله بحكم غيره كائنا من كان، ثم إذا صار الدين بدون حام يحميه ولا قائد ينصره، فإنَّ أهل الدين سيكونون تحت وطأة من لا يرقب فيهم إلاً ولا ذمَّة كما هو حال الحكام العلمانيين الذين يقمعون الإسلاميين، ولا يريدون أن تقوم لهم قائمة، وصدق الإمام الماوردي حين قال: "فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وهيه ـ ضعفه ـ أثر".

• مميزات السياسة الإسلامية وأهدافها:

تتميز السياسة الإسلامية بعدة أمور:
1ـ أنَّها سياسة تقوم على أن يكون الدين مرجعاً وحاكماً لشؤون الحياة الدينيَّة والدنيويَّة لإشراك الدين في شؤون الحياة، فالدين هو المرجع في ذلك كله، ولهذا نجد الله تعالى يقول لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [سورة الحجر: 94]، فلم يقل الله له (فاصدع بما ترى)، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} [سورة النساء: 105]، وليس بما يراه محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنََّه صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سورة النجم: 3-4].

ولهذا أدرك بعض الغربيين، عمق هذه السياسة الإسلامية، ومنهم جولد زيهر: "إنَّ الإسلام قد جعل الدين دنيويا؛ لقد أراد أن يبني حكما لهذا العالم بوسائل هذا العالم"، وإن كانت هذه العبارة فيها قلق، حيث إنَّ الإسلام لم يجعل الدين دنيوياً بل جعل الحياة دينيَّة وفرق بين الأمرين لمن تأمل!

2ـ أنها سياسة العدل والقسط وليست سياسة الهوى ومحض الآراء، وقد نقل ابن مفلح في الفروع قوله: "أكثر السلاطين يعملون بأهوائهم وآرائهم لا بالعلم، ويسمون ذلك سياسة، والسياسة هي الشريعة".

3ـ أنَّ من لايقتنع بها من المجتمعات غير المسلمة فإنَّها لا تكرههم على الدخول بالإسلام بشرط أن يكونوا في ظل الدولة الإسلامية مؤدين لحقوقهم وواجباتهم.

4ـ أنها سياسة تحاكم الحاكم أمام المحكومين، وتسأله من أين لك هذا.

5ـ أنها سياسة قائمة على الشورى بين من يحسنون الشورى، ولقد كان أمير المؤمنين وهو الرئيس الأعلى للدولة لا يفرض رأيه أو اجتهاده على المسلمين، ويقول قولته المشهورة: "الرأي مشترك".

• إشكالية القصور في الفهم السياسى لدى بعض المسلمين:
هنالك حالة مأساوية في عموم واقعنا العربي والإسلامي، كرَّسها بعض الطغاة، وهي كل واشرب وتزوج وكن مواطنا صالحا!!

فمواصفات المواطن الصالح في عرف أولئك الطغاة تتمثَّل بأنَّه لا ينكر المنكر على حكامه، وأن يخضع ويركع ويرتع في مرعاه ووظيفته ويطأطئ الرأس فحسب، فيريدون أن يكون الشعب المسلم ينطق بهذه العبارة فحسب: همي نفسي نفسي وهذا مالي وأكل عيالي ولست مبالياً!!

والقصور في الوعي السياسي كان نتيجة لعدة أسباب:
1ـ حالة اللهو والعبث، والانشغال بالملهيات والمغريات وما لا نفع أو فائدة منه.

2ـ محاولة إقصاء الفكر السياسي الحقيقي في الدراسة المنهجية.

3ـ ضعف الإدراك لأصول فقه السياسة الشرعية، ومعرفة مقاصد الشريعة بالشكل الصحيح.

4 ـ استهانة الكثير بفقه السياسة فنا وإدارة وعلما وديبلوماسية.

5 ـ طمس الحقائق في الإعلام، واستئجار أصوات بشرية تروج لحكم فلان أو علان.

6ـ إشغال الناس بوظائفهم بالتكسب لأكل لقمة العيش وإلهائهم بذلك عن القضايا الضرورية.

7ـ الخوف من الحاكم أو السلطة المتعرشة على كرسي الدولة.

والكثير من أولئك الطغاة يعلمون الناس الخرس والصمت والسكوت، ولا يريدون أن يتحدث أحد بمظلمته فضلاً عن مظلمة غيره أو عن ظلم بعض الساسة، فالله عز وجل يعلمنا البيان فيقولعلمه البيان) وهم يعلموننا الخرس!

لقد ذكر الرازي أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: "إن الله خلقك حراً، فكن كما خلقك"، وهؤلاء الظلمة الطغاة يريدون المسلمين أن يكونوا مجرد موظفين أو خدام لهم، وكذلك جلاوزة الحكام الغربيون يريدون حكامنا كالعبيد بل أسوأ؛ لأنَّ العبد يكون عبداً لسيده، وأمَّا في فرائض الشرع فهو حر طليق فلو أمره سيده بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة، ولكن لو أمرك بمعصية الله فينبغي أن تقول لهم سمعاً وطاعة، وهذه تربية الاستخذاء، وللأسف إنَّ كثيراً من شعوبنا لديه قابلية للاستخذاء، ورحم الله الشاعر الشاب أبو القاسم الشابي، حين كتب أبياتاً جميلة رائقة:
ولا بُدَّ لليلِ أن ينجليْ ولابُدَّ للقيدِ أن ينكسرْ
ومن لم يعانِقْهُ شوقُ الحياةِ تبخرَ في جَوِّها وانْدَثَرْ
ومن لا يحب صعودَ الجبالِ يعشْ أبد الدهرِ بين الحفرْ


• دور الإسلاميين في كسب الشباب المنتمين للأفكار السياسية المنحرفة:
الشباب المسلم بفضل الله تعالى هم أكثر الفئات التي تنتمي للحركات الإسلامية بشتى أشكالها وألوانها وتجمعاتها، لكن هذا لا ينبغي أن يعزز قصور الحركات الإسلامية في جلب الشباب والفتيات المنتمين للدين الإسلامي ، بل دعوة أولئك الشباب الذين دخلوا في الحركات اليسارية أو الليبرالية للتخلي عن تلك المناهج الجاهلية، ولإقناعهم بخطورة الانتساب والانتماء للحركات الجاهلية أو القومية من الضرورة بمكان، ولهذا فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو في جهنم»، فقال الصحابة: "يا رسول الله، وإن صام وصلى؟!"، قال: «وإن صام وصلى وزعَم أنّه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائِهم بما سمّاهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عبادَ الله عز وجل» [رواه أحمد والترمذي والحاكم، وحسنه ابن كثير والبغوي وابن حجر وصححه الألباني].

ينبغي أن يكون لنا حالة قياس للرأي العام الشبابي الذين دخلوا في تلك الحركات العلمانية، وما الأسباب الداعية لذلك، فقد يكون من بعضهم كراهية دفينة للإسلام، وبعضهم يرى أن تلك الحركات الجاهلية تربي لديه جانب الحرية وخصوصا في مجال الأخلاق والدين بدون قيود أو ضوابط، وبعضهم لجهل أو شبهة، وبعضهم لأجل التأثير الأسري أو المحيط العائلي، أو الدائرة التي حوله في حارته أو عمله او وظيفته أو سكنه.

وينبغي أن نفرز هذه الحالات ونعالج كل حالة على حدة، وأن يكون الشباب المسلم المحصن عقديا وفكريا له دور متين ورئيس في الاستقطاب لتجمعات العمل الإسلامي الصحيح.

وبعض الحركات الإسلامية أغرقت نفسها في السياسة ، ولعبة أو لعنة الديموقراطية، وغفل الكثير منهم عن غرس الروح التربوية أو الدعوية أو التربية الحركية الإيمانية التوعوية، مما سبّب حالة من الفقر أو التصحر الدعوي في الاستقطاب الجديد، أو التأثير الجماهيري على عموم الشباب المسلم.

وهنالك بعض الحركات الإسلامية يقوم منهجها على التنفير والتشديد والعنف، مما يؤدي ببعض الشباب إلى البعد عن تلك الحركات الإسلامية، بله اللمز والهمز بالإسلام؛ لأنَّه لم ير الإسلام واقعا حياً فيها، ولا شك أنَّ فعل أولئك الشباب خطأ بل انحراف عن طريق الجادة وسبيل الصراط المستقيم لأجل خطأ فلان أو حركة ما، إلاَّ أنَّ الواجب أن يكون ذلك القدوة أو تلك الحركة نموذجاً بنَّاء وفعالاَ في غرس قيم الإسلام وأخلاقياته وعقائده في الأوساط الفاعلة فيها.

وهنالك أناس لا يقعون إلاَّ على الجرح ولا يرون إلا بعين عوراء، فيعكرون الجو الإسلامي كالطحالب المعكرة لنقاوة المياه ، فنجدهم في مجالسهم علماء (جرح وتعديل) وهو ديدنهم وطنطنتهم في غالب مجالسهم، وهذه في الحقيقة كارثة ومصيبة لأنَّهم لا ينتجون لمجتمعاتنا إلاَّ أفراداً يطنطنون ويدندنون على ذكر قبائح الآخرين وينسون أنفسهم وما فيهم من بلاء ومكاره!

وهنالك شباب مسلم حين يمن الله عليهم بالالتزام أو الاستقامة، فيدخل في مجموعة أو حزب معين، وبدلاً من أن يتعلم أصول دينه ومنهج شريعته، ينقلب خائباً وهو حسير حين يرى أنَّ هذه الجماعة الفلانية تقدح في تلك والعكس بالعكس، وقد يؤدي به الحال للانتكاسة والذوبان في المجتمع السيء مرة أخرى بسبب أخطاء الصالحين في معالجة أخطاء غيرهم.

إنَّ في واقع حركاتنا الإسلامية خلل كبير في المجال التربوي والفكري والحركي والسياسي، وقلَّ أن تكون حركة تفرز لنفسها باحثين ماهرين يدرسون تجاربها في نفسها وفي تحركاتها مع الآخرين ويتلاشون أسباب الخلل.

صحيح أنَّ حركاتنا الإسلامية غيرت الكثير من واقع المسلمين بالفعل ونقلته نقلة خير مما كانوا عليه، ولكن أنَّ نبقى نربت على أنفسنا ولا نعالج خطأنا فذلك هو القصور بعينه، والواجب أن نعالج الداء الذي فينا لكي يتقبلنا الآخرون، ولقد قاد رسول الله وصحابته الكرام خلال عقدين من الزمان أمَّة العرب والفرس والروم وبفترة قياسية.

وقد يقول قائل أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام؟
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم*** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد!

فنقول لهؤلاء: أليس لنا في رسول الله أسوة حسنة؟
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم*** إنَّ التشبه بالكرام فلاح

لهذا أعزز حديثي بأهمية أن يكون للعلماء الربانيين دور فاعل وأساس في التربية السياسية المنضبطة بثوابت الشريعة ، ومحددات الإسلام، ورحمة الله على اللواء الركن محمود شيت خطاب الذي خاض حروبا طويلة مع اليهود بسلاحه وقلمه ، فلقد كتب قائلاً: "إن المسلمين اليوم في حاجة ماسة إلى قادة كخالد والمثنى إلا أن حاجتهم إلى العلماء العاملين أمس وأشد".

• كيف يتربي الشباب المسلم تربية سياسية صحيحة؟
«» "الحكمة ضالة المؤمن" كما قال عليه الصلاة والسلام، ولقد صدق الفيلسوف الألماني عمانويل كانط حين قال: "ثمة اكتشافان إنسانيان يحق لنا اعتبارهما أصعب الاكتشافات: فن حكم الناس، وفن تربيتهم"، ولهذا فإن التربية السياسية من أصعب الفنون في عالم يشهد تغيرات سريعة ومتباينة بل ومتناقضة.

وهنالك دعائم أساسية للتربية السياسية يمكن أن تكون شخصيات إسلامية شبابية متزنة:
1ـ ينبغي أن نربي الشباب على العقيدة الإسلامية عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، ونربطهم بأصالة ماضينا وعمق تراثنا.

2ـ التوازن والتكامل في شخصية الشاب عقيدة وشريعة، عملاً وعلماً، بناء وأداء، تنظيرا وتطبيقا.

3ـ الحصانة الشرعية الفكرية التي تقيه من انحرافات المنحرفين وأهواء أهل الضلال والعلمانيين.

4ـ الشمولية في فهم الإسلام فهو كل لا ينفصل جزء منه، ولا ينبتر أصل عنه.

5ـ الاهتمام بشؤون المسلمين، ومعرفة سبب تلك المشاكل التي يقعون بها، والتفكير الجدي في الحلول الصحيحة لمعالجة همومهم.

6ـ خلق روح التعاون والتكامل والعمل الجماعي الذي يبرز صفات جليلة وجميلة لا ترى في الانعزال الفردي أو العمل الشخصي البحت، وذلك مثل الإيثار أو الرحمة فلا يبرز هذان الخلقان مثلا إلا بواسطة شخصيات تكون مع هذا الجو الشامل الجماعي.

7ـ الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

8ـ الوعي بوجوب إقامة الدين وإعادة الخلافة التي تحكم بالإسلام مع ضرورة الاتفاق وعدم الاختلاف {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [سورة الشورى: 13]، {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [سورة الحج: 41].

• المنهج الديموقراطي ومعارضته لأصول السياسة الشرعية:
هنالك موجة قادمة وهي محاولة (أسلمة الكفر) ولا أظنُّ أنَّ الإسلاميين يخالفون بأنَّ الديموقراطية من ناحية فلسفيَّة فكريَّة هي نتاج فكري غربي وضعي، فهي فكرة غربيَّة، تخالف المنهج الإسلامي، لكنَّ بعض إخواننا المسلمين يحاولون أسلمة هذه المصطلحات الفكرية وإقحامها في واقعنا الإسلامي، وهي مصطلحات لا حقيقة شرعيَّة لها أو قيمة صادقة فيها.

نعم، من الممكن أن نجد وجه شبه ولو ضئيل في بعض الآليات والوسائل المتشابهة بين الحكم الإسلامي ، وبين الديموقراطية كوسائل وآليات يمكن العمل بها، ولكنَّ الفكرة في الأصل أنَّ الديموقراطية والعلمانية وجهان لعملة واحدة فالديموقراطية وجه سياسي للعلمانية، كما أنَّ الحداثة وجه أدبي للعلمانية، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.

فلو ألبس المسلمون أو بعض الإسلاميين تلك الديموقراطية لباسا كاملاً وجلَّلها بجميع أنواع اللباس العربي التقليدي، فستفوح رائحة تلك الديموقراطية المنافية للإسلام، وليس تسمية (الديموقراطية الإسلامية) بهذا الاسم إلا تزييفاً للحقيقة، وانسحاباً من الواجب الشرعي الذي أوجبه الله علينا.
ومما يثير الاستغراب ما نجده من تتابع على إلصاق المصطلحات الغربية والمستوردة من المذاهب الكفرية والأفكار الإلحادية وإلصاقها بالإسلام، بل والمنافحة عن ذلك، فهذا أحدهم يقول: "اشتراكية الإسلام" والآخر يقول: "أنا مسلم وعلماني في آن واحد"، وثالث يقول: "أنا ماركسي على سنة الله ورسوله"، ورابع يقول: "ديموقراطية الإسلام"، فنحن حين نرى هذه المصطلحات والعبارات العجيبة والتي يحاول هؤلاء القائلون بذلك أن يلصقوها بالإسلام، وكأنَّ الإسلام فيه نقص أو لدى هؤلاء عقدة نقص؛ فيريدون ربط الإسلام بمثل هذه المصطلحات المستحدثة، ومن أجمل من سمعت يتحدث عن ذلك الشيخ عبد الحميد كشك رحمة الله عليه حيث قال: "من يقول أنَّ هنالك (إسلام ديموقراطي) أو(إسلام علماني) فهو مثل من يقول أنَّ هنالك: إنسان حمار!!، وذلك لأنَّ الجمع بين النقيضين مستحيل!".

لهذا نعقِّب ونقول: إنَّ الديموقراطية فكرة غير إسلامية، مهما أراد أن ينافح عنها من إخواننا في بعض الحركات الإسلامية وأن يلبسها لباس الإسلام، فهي في حقيقتها فكر ومبدأ علماني ليبرالي لا يمت إلى الإسلام بصلة، فكيف نرضى أن نحكم بغير حكم الإسلام؟!، بحجَّة أنَّ الوضع الدولي لا يسمح لنا بذلك ونحن الذي اخترنا هذه المشاركة السياسيَّة ولم نجبر على اتخاذ هذا القرار الذي ألجأنا لأن نعطِّل شرع الله في التنفيذ والتطبيق.

وهنالك من يقول ويتحدث بلغة السياسي بأنَّ الواقع الدولي لم يعد يسمح بأن يكون هنالك تقديم للشريعة الإسلامية على الشرعية الدولية، ولهذا فإنَّه لا مانع بأن يكون الإسلاميون متصالحين مع النظام الديموقراطي، وكأنَّنا بنظرياتنا هذه ومشاركاتنا السياسيَّة نعطي خصمنا من الغربيين ومن تبعهم من أذنابهم بأنَّه ليس للمسلمين عمل سياسي إلا من خلال هذه الصناديق، وكأنَّ السياسة أقفلت وأغلقت أبوابها، ولم يعد لدينا تفكير بما لدينا من بدائل إسلاميَّة حقيقيَّة تغنينا عن تلك المناهج الوضعيَّة.

ولو فاز الإسلاميون لمدة سنوات من الزمان، فبأي حكم سيحكمون الناس: هل بشرع الله أم بقوانين الإغريق والروم من البريطانيين والفرنسيين وغيرهم؟، ولنفترض أنَّ الإسلاميين فازوا ولكن أرادوا أن يغيروا شيئا من قوانين الدولة فإنَّه لن يتم تغيير خلال ذلك إلا عبر مجلس النواب أو المجلس التشريعي أو مجلس الشعب أو البرلمان وهي أسماء مختلفة لحقيقة واحدة، فهل يصح شرعاً وديناً أن تعرض أحكام الشريعة الإسلامية للاستفتاء على عقول الناس حتى بين الإسلاميين أنفسهم للموافقة من عدمها؟!

وهنالك إشكال في بعض العقول الإسلاميَّة وهي أنَّهم يرون الاعتقاد له مجاله الخاص والسياسة لها مجالها الخاص، وأنَّ الاشتغال في السياسة يكون بحسب المصلحة والمفسدة، بخلاف الاعتقاد إيماناً أو كفراً، وحين توجِّه لهم سؤالا بقولك: لو اختارت الأمَّة المسلمة خيارا غير الإسلام فماذا تفعلون؟
يجيبوك: لا نريد أن نفرض الإسلام على أناس له كارهون.

فنقول لهم: ما الحل؟

فيجيبون: الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبيين سبيل المجرمين، مواصلة المعارضة السياسيَّة والدينيَّة للطغاة.

فنقول لهم: إن كان ذلك كذلك فما الفرق بينكم وبين أولئك الذين يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثمَّ إذا رأوا الفرصة مناسبة لكي يكون الحكم للإسلام، قاموا بذلك بكل ما تحمله قوتهم ودينهم ، ولكن من غير الطرق الديموقراطية بل بالطرق الإسلامية الشرعية.

فهذه المشكلة أنَّ بعض الحركات الإسلامية تظن أنَّ هذه الخيارات الديموقراطية هي الأصلح والأنجح، ويرون أنَّ الحكم بينهم وبين مخالفيهم هي صناديق الاقتراع، فشابهوا العلمانيين والليبراليين والوطنيين بأن يكون تحاكمهم لغير الإسلام بل لصناديق الاقتراع، ولا يتبنون خياراتهم إلا من خلال مفاهيم وآليات النظام الديموقراطي، مما حدا بأحدهم أن يقول عن الديموقراطية: كلمة ثقلت في السماوات والأرض!!

نعم، أنا أدرك حجم الحملة الشرسة على حركاتنا الإسلاميَّة، وحجم الشعور الداخلي المكبوت لدى الإسلاميين بمحاولة أن يكون لديهم دور سلطوي يؤدون حقوقهم فيه على الأقل ويدعون إلى الله تعالى بحرية تامة.

إلاَّ أنَّه ينبغي علينا أن نستفيد من تجاربنا السابقة، وأن نعقل حقيقة مرَّت بها حركات إسلامية كثيرة، وهي أنَّ الجماعات الإسلامية التي انتخبت نفسها للحكومة أو الرئاسة انقلب عليهم أولئك الذين يزعمون أنَّهم ديموقراطيون، ولم يحققوا لهم مطالبهم بل ضايقوهم وحاصروهم، حتى وصلوا إلى استراتيجية خطيرة وهي عدم محاولة إشراك الإسلاميين بالسلطة وحظرهم سواء بالحكومة أو بالرئاسة، وأنصح بقراءة مقالي الذي كتبته قبل سنة ونصف بعنوان: عندما ينقلب الديموقراطيون على الديموقراطية، وأوضحت من خلاله الحقيقة القائلة بأنَّ تلك الدول التي تتزعم الديموقراطية هي أكذب الدول وأفجرها، وحقا فهم سموها لعبة الديموقراطية ولها من اسم اللعبة نصيب.

فالتجارب الآن ماثلة أمام أعيننا وهي دروس علَّمنا إياها المستعمر الغربي وكأنه يقول لنا إنَّ الديموقراطية هي فكرة خاصة بنا ، وهي لا تصلح لكم لأننا سننقلب عليكم فاختاروا خيارا آخر وفكروا فيه!!

• قد يسأل سائل فيقول:
لماذا نجد في أوساط العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ضعفاً في الوعي السياسي وغبشاً يؤدي إلى سوء الممارسة السياسية وانحراف منهجها عن الإسلام؟ وبالتالي تقديم تنازلات على حساب تطبيق الشريعة الإسلامية؟

والجواب أنَّ الضعف في الوعي السياسي منطلق من الضعف الكبير في المجال الشرعي، أو ما يسميه علماء الشرع بالسياسة الشرعية، والطرق المعينة على امتلاك أدوات فقه تحقيق المناط، كما أنَّ كثيراً ممن يتحدَّثون باسم العاملين للإسلام تجدهم يفتقدون للعمق الشرعي، وقلَّة قليلة منهم من يكون لديهم إلمام في مسائل الشرعية والفقه السياسي، كما أنَّ من الإشكاليات تلك الروح التي سرت في دواخلها ودبَّت في سويدائها الهزيمة النفسية سواء كان ذلك بوعي أو بدون وعي، وذلك لضغط الواقع المعاصر، والتنازل تحت مطارق الأعداء، وإلباس ذلك صيغة توافقية مع الشريعة الإسلامية وشتَّان شتَّان بين الأمرين.

لهذا نجد أنَّ الخطاب السياسي للكثير من العاملين في الحقل الإسلامي ينقسم إلى قسمين:
• خطاب يستعجل الشيء قبل أوانه، ويجمع عليه الأمم كلها، ولا يفرق بين عدو ومهادن ومسالم، فالكل في نظره أعداء ينبغي محاربتهم.

• خطاب فيه انهزامية ورعونة واستخذاء للكافر المحتل الصليبي الصهيوني، وعبارات منمَّقة لا تقال لمسلم موحد يعبد الله تقال أمام الكافر المحارب، أو تصريحات سياسية جوفاء تستغرب من خروجها من أولئك الإسلاميين .

وكل ذلك راجع للضعف الكبير في فقه مآلات الخطاب السياسي، وعدم المدارسة عبر نظام شوري يجمع العلماء والأدباء والاستراتيجيين والفقهاء والحكماء لكي يكون ذلك التصريح أو الموقف السياسي مبنيا على روح تعادلية توازنية تكاملية.

بل العجب أن تكون هنالك حالات إقصاء لمن كان لديه موقف منطلق من أصول العقيدة الإسلامية وفقه السياسة الشرعية وتطبيق ذلك على الواقع الزماني عبر الفقه الدقيق والنظر العميق، ومع هذا تكون هنالك حالات الإقصاء أو التجميد لمن يكونون بهذه الشاكلة، وبهذه الطريقة فسيكون لدى الحركات الإسلامية نوع من الخطابين المتشنجين أحدهما خطاب التعسير، الذي لا زلت أذكر قول أحد الناطقين باسم أحد الحركات الإسلامية حين قال لأحد رؤساء الغرب: "اسلم تسلم وإلاَّ فسنأتيك بجيش أوله عندك وآخره عندنا!!".

والآخر خطاب الرخاوة الذي بات يؤسس ويقنن بجواز تولية المرأة لأمر الدولة لإسلامية بجميع شؤونها وجواز أن يكون القبطي رئيسا للدولة، وما شابه ذلك من هذا الهراء!

والخلاصة أنَّه يجدر بنا لكي نكون واقعيين أن نؤسس حملة تثقيفية سياسية على أصول الشريعة الإسلامية، وروافدها من حضارة وعمارة وإدارة، حتَّى يدرك الشباب المسلم دوره التربوي السياسي في هذه الحياة ويكون وسطياً بدون إفراط أو تفريط، والله من وراء القصد ومنه الحول والطول، وهو على كل شيء قدير.
ــــــــــــــــ
[email protected]
• باحث وداعية فلسطيني.








المصدر: طريق الإسلام