حوار منتديات الإسلام اليوم مع الأستاذ خباب الحمد بعد خروجه من سجون الصهاينة

خباب الحمد

والمعروف عن المجتمع الصهيوني أنَّه مجتمع جبان، ولهذا حين نلحظ هذه
الحرب حين بدأت صواريخ المقاومة تقي بحممها فوق رؤوسهم، نلحظ أنَّه
اختبأ أكثر من (600) ألف صهيوني يهودي في الملاجئ، خوفاً من الصواريخ
التي يسميها ـ وللأسف ـ بعض أبناء جلدتنا صواريخ

  • التصنيفات: موضوعات متنوعة -
أجرت منتديات الإسلام اليوم حواراً مع الأستاذ الداعية خباب بن مروان الحمد، بعد خروجه من معتقل الصهاينة بتاريخ 10/1/1430هـ، وفيما يلي مقدمة قسم التحرير في إدارة الحوار مع الأستاذ خباب الحمد:
ــــــــ

س1) نشرف بأن نستقبل هنا الأستاذ خباب الحمد الإعلاميّ المعروف، بعد أن أمضى خمسين يوماً في معتقلات الصهاينة أخزاهم الله. ونشرف أكثر بأن يكون ضيفنا الكريم، أوّل ضيوف قسم الحوار هنا.
ونحن وإن كنا مدركين أننا لن نفيه حقّه ولا بعض حقّه من التقدير والتكريم، فحسبنا أننا حاولنا قدر المستطاع وبذلنا الوسع.

مرحباً أستاذنا، ونودّ قبل أن تجيب عن أسئلة الزائرين والأعضاء لو تعرّفهم بشخصك الكريم؟

ج1) بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله ناصر المجاهدين، وقامع الطغاة والكافرين، وصلَّى الله وسلم وبارك على رسوله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، واقتفى أثره ومن تولاه أمَّا بعد:
فأقدم شكري الجزيل للإخوة والأخوات الذين شرفوني بدعوتهم للمشاركة في الإجابة على أسئلة زوار منتديات الإسلام اليوم، وأسأل الله تعالى أن يكتب بهذه الأجوبة النفع والفائدة.
أخوكم خباب بن مروان الحمد، فلسطيني، مقيم في مدينة نابلس، حاصل على شهادة البكالوريوس في الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في اليمن.

ـ حفظت القرآن الكريم على يد والدي الشيخ مروان ـ حفظه الله ـ ، وحفظت الكثير من المتون العلمية في الفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه ، وعلم الفرائض، وعلوم القرآن إلى غير ذلك.

ـ وأكملت طلب العلم بحضوري وقراءتي على بعض مشايخي ومنهم :
1ـ الدكتور العلاَّمة: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حضرت عنده مدَّة خمس سنين، حيث كان يشرح كتاب شرح الزركشي على مختصر الخرقي في الفقه الحنبلي، وحضرت دروسه في شرح أعلام الموقعين لابن القيم.

2ـ الشيخ الفقيه ناصر الطريري قرأت عليه زاد المستقنع في الفقه الحنبلي كاملاً، وفي علم النحو، وكتاباً كاملاً في علم الفرائض وطرق قسمة المسائل.

3ـ الدكتور عبد الله المطلق قرأنا عليه شيئاً من كتاب العمدة في الفقه.

4ـ الشيخ محمد بن أحمد الفراج قرأت عليه كتاب القواعد الكليَّة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة.

5ـ الشيخ الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف ـ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة ـ قرأت عليه الفتوى الحمويَّة الكبرى لابن تيميَّة.

6ـ الشيخ إيهاب فكري ـ المدرس بالحرم النبوي ـ قرأت جزءاً كبيراً من القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

7ـ الشيخ الدكتور عبد الله ناصر السلمي قرأت عليه اختصار علوم الحديث في فن مصطلح الحديث، وجزءاً من كتاب قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، وكتاب زاد المستقنع في الفقه الحنبلي، والكافي لابن قدامة في الفقه الحنبلي.

8ـ الشيخ الأصولي محمد صدقي البورنو قرأت عليه مختصر التحرير لابن النجار.

9ـ الشيخ الدكتور جميل أبو حنانة درست عليه في جلسات كثيرة ، دروساً في علم الأديان وخصوصاً (النصارى).

10ـ الشيخ المحدِّث عبد الله بن عبد الرحمن السعد قراءة عليه في كتاب سنن النسائي.

11ـ الشيح حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله قرأت عليه جزءاً من كتاب التدمرية لابن تيمية، وكتاب تجريد التوحيد المفيد للإمام المقريزي ـ رحمه الله ـ.

وغيرهم من المشايخ الفضلاء حفظهم الله وبارك في أعمارهم.

وقد درَّست بعض الكتب الشرعية لبعض الطلاب في السعودية وفلسطين:
شرح الفتوى الحموية الكبرى في العقيدة.

شرح لمعة الاعتقاد في العقيدة.

شرح بلوغ المرام في الحديث.

شرح المحرر لابن عبد الهادي.

شرح المحرر في علم الحديث لابن عبدالهادي.

شرح فتح المجيد في علم التوحيد.

شرح نخبة الفكر في علم المصطلح.

شرح الورقات في أصول الفقه.

شرح كتاب العبودية لابن تيمية في السلوك.

وبالنسبة للأنشطة الدعوية والفكرية فقد قدَّمت في إذاعة القرآن الكريم في مدينة نابلس بفلسطين حيث شاركت في إلقاء دروس علمية ومحاضرات فكرية ودعويَّة في هذه الإذاعة المباركة منذ أربع سنوات، في دروس في الشريعة والفكر والتربية.

ـ عضو استشاري في موقع إسلام أون لاين.

ـ عضو رابطة أدباء بيت المقدس.

ـ عضو مشارك مع الهيئة العالميَّة الإسلاميَّة للإعلام.

ـ عضو الحملة العالمية لمقاومة العدوان.

ـ مقدم لبعض البرامج الشرعية والفكرية في إذاعة القرآن الكريم بنابلس، وإذاعة طيبة في السودان، ومشارك ببعض البرامج الشرعية والفكرية في إذاعة الأقصى.

ـ كاتب وباحث إسلامي في عديد من القضايا الشرعية والفكرية والتربويَّة والسياسيَّة، وقد نشرت هذه الكتابات في عديد من المواقع والمجلات ومنها: مجلة البيان الإسلاميَّة ـ موقع المسلم ـ موقع مفكرة الإسلام ـ مجلة منبر الداعيات اللبنانيَّة ـ جريدة التجديد المغربية ـ جريدة الغد الأردنية ـ جريدة الحقيقة الدوليَّة الأردنية ـ جريدة القدس الفلسطينيَّة ـ شبكة نور الإسلام ـ مجلة العصر الالكترونيَّة ـ مجلَّة المجتمع ـ مجلَّة المنار الجديد ـ مجلَّة منارات ـ المجلَّة العربيَّة ـ موقع صوت القوقاز ـ المركز الفلسطيني للإعلام.

ـ شاركت في بعض الندوات والمؤتمرات الحوارية ومنها المؤتمر العالمي لنصرة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في البحرين، ومؤتمر تعظيم حرمات الإسلام في دولة الكويت، ومؤتمر رحمة للعالمين في دولة السودان.

ـ شاركت في الخروج بمحطَّات محليَّة فلسطينيَّة كمحطَّة (آفاق) وهي محطَّة إعلاميَّة تلفزيونيَّة، وقد أجري معي فيها ثلاث حوارات عن طرق البناء الثقافي والفكري.

ـ لدي برنامج أسبوعي نخاطب فيه الشباب عبر محطة (آسية) المحلية التلفزيونية في فلسطين واسم البرنامج (فضفضة شبابية).

ـ لدي صفحة على الإنترنت في موقع صيد الفوائد بقسم ملتقى العلماء وطلبة العلم، وفيها عدد من البحوث الشرعية والفكرية، والإجابة على بعض الاستشارات على هذا الرابط:
http://www.saaid.net/Doat/khabab/index.htm

ـ كما توجد لدي صفحة أخرى في موقع الألوكة، على هذا الرابط:
http://www.alukah.net/Articles/Autho...&CategoryID=35

والله أسأل التوفيق والسداد

س2) تسأل الأخت نور من لبنان فتقول: حبذا لو تسهب في الحديث عن سجون الاحتلال؟، وماذا عن ديموقراطية إسرائيل المزعومة؟

ج2) شكراً لترحيبك أختي نور من لبنان، أسأل الله لكم التوفيق في حياتكم العلمية والعملية.

 أسأل الله تعالى أن يعين الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني الغادر، ففي هذه السجون يقبع قرابة 12 ألف سجين فلسطيني مظلوم!!

أي سجين عند الاحتلال سواء أكان رجلاً أو امراًة يتعرضون إلى إهانة كبيرة وهي إجباره على خلع ملابسه بالكامل، بحجَّة أنه قد يكون المسجون قد حمل سلاحاً أو هرَّب هاتف جوال، وما شابه ذلك، مع أنَّه بإماكنهم تفتيش المسجون بطرق متقدمة جداً ومعرفة ما بجسم المعتقل، ولكنَّ القصد من ذلك الإهانة النفسية للمعتقل!!

حقيقة يا أختي طيلة مدة اعتقالي لم أدخل السجن الذي يكون فيه مجموعة من الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، وذلك لأنَّ الفترة التي أمضيتها كانت في التحقيق في سجن الجلمة قرب مدينة حيفا ـ حرَّرها الله من دنس الاحتلال الصهيوني ـ.

بالنسبة لي فقد كنت مقيماً في وضع أشد بؤساً من السجون، حيث أقمت في الزنازين داخل زنزانة ضيقة قرابة 50 يوماً، فكان طولها بعرضها لا يتجاوز متر وربع x بمتر ونصف، وقضيت في هذه الزنزانة قرابة الشهر لوحدي لم يدخل عليَّ فيها أحد، وكنت ولله الحمد وبفضل دعاء الأفاضل أستغل وقتي بقراءة القرآن والدعاء والذكر ومراجعة ما أحفظه من متون علمية، ومسائل فقهيَّة، وأبيات شعريَّة، وأحاول أن أقضي وقتي في ذلك اليوم الطويل بما يشرح الله صدري له، والحمد لله حمداً كثيراً على ما أنعم به علي ولطف مع ما كان يأتي المرء من حالات ضيق وهم تزول بفضل الله بمداومة ذكر الله وبمجاهدة النفس على ذلك، والله المستعان.

مشكلة هذه الزنزانة انبعاث رائحة كريهة من المرحاض الأرضي، كما أنَّ رجال الشرطة كانوا يمنعونا من حديث بعضنا إلى بعض من خلال بعض الثقوب الموجودة في الجدران، ونحن لو أردنا أن نتحدث فإنَّه لا يمكننا الحديث طويلاً لأنَّ الصوت يكون منخفض ومن النادر أن يستمع بعضنا للآخر، ولكن المقصد من ذلك تقوية المعنويات ومحبة سماع أصوات المعتقلين الذين بجانبنا لا أكثر من ذلك.

ولقد كنَّا في هذه الزنازين لا نعرف أوقات الصلاة، ولا نعرف الساعة لكي نصلي، وحين نسأل الشرطة عن الساعة فإمَّا أن يقدموا لنا الساعة لنصف ساعة أو ساعة أو يؤخروها كذلك.

وفي هذه الزنازين تكون فوهات المكيفات فيها بين أمرين لا ثالث لهما، فإمَّا شدة برد لو قمت بالالتحاف بكل اللحف الموجودة فيها تقشعر من البرودة، أو أن تكون هذه الزنازين حارة جداً، وحتَّى لو طالبتهم بأن يعدلوا درجة الحرارة لاستخفوا بك أو وعدوك بذلك ولكن لا تجد شيئاً من هذا القبيل.

كما أنَّ هذه الزنازين لا تكون في العادة نظيفة، وحتى اللحف التي كنت أنام عليها أو أتغطَّى بها تؤذينا برائحتها الكريهة التي ربما منذ أن دخلت الزنازين لم يغسلوها ولو لمرة واحد!!

كما كانت أنوار الزنازين مضاءة باللون البرتقالي الذي يثير فيك لواعج الحزن إلاَّ بتثبيت الله لك، وهو مع ذلك فوق رأسك ليل نهار، وكذلك يكون في أقصى الغرفة شمالاً أو جنوباً فتكون الغرفة في جانب منها مضيء وجانب منها مظلم، وأمَّا عن جدرانها فهي بلون رمادي اختاروه لكي يدبوا اليأس في قلوب المساجين ـ وهيهات لهم ذلك بإذن الله ـ فقد كانت الجدران مضروبة بالخرسانة الرمادية.

وممَّا يزيد الأمر شدَّة علينا كمساجين في هذه الزنازين حين يدخل علينا أولئك الجواسيس الذين سقطوا بأيدي الاحتلال والذين يُعرفوا باسم: (العصافير) والحقيقة كنت أقول في نفسي أثناء مجيئهم لي إنَّ من أطلق عليكم العصافير فقد أجرموا في حق العصافير، فأولى بهم أن يسموكم الصراصير أو الغربان لقبح حالكم.

لقد كان يدخل علينا أولئك في الأسبوع مرة أو مرتين لساعة أو ساعتين ويدعي أحدهم أنَّه رجل شريف ومجاهد، وأنَّه قتل يهودياً أو جاسوساً أو أنَّه انتهى من التحقيق وأنَّه سيحكم بحكم لا يقل عن عشر سنوات، وكل كلامهم كذب في كذب ودجل وخرافات، وذلك لكي يسلب من المعتقل ما لديه من معلومات ولكي يقول عن نفسه ويتحدث عمَّا لديه ظاناً أنَّه يتحدث لسجين مظلوم ولا يعرف أنَّه جاسوس مبعوث من المخابرات الصهيونيَّة لكي يأخذ ما لدى ذلك المعتقل من معلومات لم يستطع أن يأخذها، أو أنَّه يقوم بنصح المعتقل بأن يعترف لدى الاحتلال الصهيوني لعلَّ الاحتلال يخفف عن المسجون بسبب اعترافه ما عليه من إدانات في لائحة الاتهام ويكون الحكم عليه مخففاً.

كما كان يقوم الجاسوس بالسؤال عن القضية التي اتهم فيها المسجون في الزنزانة من عند رجال المخابرات الصهيونية ويحاول قدر الإمكان بطرق التفافية أن يستصدر من المعتقل اعترافاً أمامه، ويكون مع هؤلاء العصافير في العادة أجهزة تسجيل، وحتى لو لم يكن معهم ذلك، فهم يرفعون ما قاله المعتقل إلى المحقق وحين يواجهه المحقق بما قاله لهم يصاب بالصدمة، وبإمكان المسجون أن ينفي هذه الاعترافات التي أدلى بها أمام العصافير ولكن يحتاج لوقت طويل لكي يقنع المحقق أن ذلك العصفور أو الجاسوس قد كذب عليه وافترى!!

كذلك نجد أنَّ تعامل رجال الشرطة مع المساجين في هذه الزنازين في قمة التهكم والسخرية من حالهم، فحين يستدعي المحقق أحد الشباب للتحقيق يقوم هؤلاء الشرطة بالشد على يديه بزرد السلاسل ودفعه بقوة وهو يمشي مع أنَّ عيناه معصوبتين بنظارة سوداء قطنيَّة لا يبصر من ورائها شيئاً، ومع قوة دفع هؤلاء الشرط للمساجين يكاد المسجون أن يسقط لقوة الدفع من ظهر المسجون!!

وقد كان غالبية هؤلاء الشرطة من طائفة الدروز التي حكم أهل الإسلام بكفرهم وردتهم وعدم جواز أكل ذبائحهم، أو الزواج منهم، أو التسري بهم، فهم مرتدون كفرة، والحقيقة أنني اكتشفت خلال فترة الاعتقال ـ وبالتجربة العمليَّة ـ أنَّهم يكنون للمسلمين حقداً دفيناً أكثر من حقد اليهود علينا، واليهود يستخدمونهم لأغراضهم فحق أن نقول إنَّ الدروز أحذية لليهود، ولا يقلون خطراً علينا في فلسطين بعداوتهم لنا عن اليهود بل هم أشد خطراً وعداوة من اليهود علينا، أقول ذلك وأنا واثق ممَّا أقوله، ومن عاملهم وخالطهم عرف حقيقة ما أقوله لعنة الله عليهم إلى يوم الدين.

عموما الأسرى يعيشون في حالة مأساوية فوجود 12 ألف أسير في سجون الاحتلال الصهيوني منهم قرابة ألف شخص محكوم عليهم بالمؤبد أي سجن مدى الحياة، يعد وصمة عار في جبين الأمة الإسلامية التي تتفرج على هؤلاء الأسرى بدون أن تحرك شيئاً لإطلاق سراحهم.

الأسرى يعانون من كثرة الأمراض الجلدية التي تحيط بهم جرَّاء الرطوبة وشدة الحر وعدم وجود التهوية المناسبة.

كما أنَّ التحقيق العسكري مع الأسرى الفلسطينيين يتيح للمحتل الصهيوني أن يقوم بضرب المأسور ضرباً مبرحا واستخدام الشبح والركل بالأرجل والتعذيب في الأماكن الحساسة في جسمه للضغط عليهم لانتزاع المعلومات، مع الإرهاق النفسي والعصبي والجسدي وحرمانهم من النوم.

قد لا يعلم كثير من القراء أنَّه استشهد حوالي 150 أسيراً تحت التعذيب على يد المحتل الصهيوني منذ عام1967م وإلى الآن.

وكذلك أصيب الكثير من الأسرى بحالات الإغماء والضرب أثناء دخول جيش الاحتلال عليهم في السجون والقيام بضربهم وركلهم بالأرجل ورش الغاز عليهم بحجة التفتيش أو مخالفة المساجين لأوامر المحتل الغاصب!!

وحدث ولا حرج عن حالة الأسيرات الفلسطينيات اللواتي يتجاوز عددهنَّ 170 أسيرة بعضهن أسروا وهنَّ حوامل ومعهنَّ الآن أطفالهن الذين يقبعون أسرى مع أمهاتهم!

كما أنَّ حالة الأسرى من ناحية الأمراض متفشيَّة ففي تقرير حقوقي نشرته جمع من وكالات الأنباء يقول فيه إنَّ مرض السكري والضغط منتشر بين الأسرى بنسبة 70%، وأمَّا من ناحية علاج اليهود للأسرى فإنَّهم لا يقومون بعلاجهم علاجاً يجعلهم يتماثلون للشفاء بإذن الله، بل هو علاج يجعلهم على قيد الحياة فقط، وكم طلبنا من أدوية نحتاجها لكي نتداوى بها فلا يعطينا المحتل سوى حبَّة البندول أو الأكامول وهو العلاج المسكن الوحيد الذي يسكتونا به إلاَّ إن اشتدت الحالة فيعالجونها علاجاً طفيفاً وليس علاجاً كاملا ويقصدون بذلك بالطبع إهانة الأسرى!!

أختي الكريمة الحديث حول موضوع الأسرى كثير وطويل الذيل ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وأنا أقول إنَّ الواجب علينا تجاه أسرانا البواسل في فلسطين عدَّة أمور:
1) ذكر قضيتهم في المجامع العامة وتوضيح معاناتهم والكتابة عنهم وعن أحوالهم.

2) الدعاء لهم في ظهر الغيب وفي الصلوات وفي قنوات النوازل.

3) محاولة الاتصال بأهاليهم عبر أي وسيلة اتصال تمكننا من ذلك، وتفقدهم وكفالة أسرهم وتأمين احتياجاتهم.

4) في بعض الأحيان يسمح بخروج الأسير لقاء غرامة أو كفالة مالية تدفع لجيش الاحتلال الصهيوني فإن علم عن أحد من هؤلاء الأسرى شيء من ذلك فليحاول أهل الخير والعطاء أن يمدوا إخوانهم في ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «فكوا العاني» [رواه البخاري]. أي الأسير.. قال الإمام مالك رحمه الله: "واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم وهذا لا خلاف فيه لقوله عليه السلام: «فكوا العاني» [رواه البخاري]"، وقد قال علماء الإسلام: "لو أنفقت الدولة خزينتها على فداء أسرى المسلمين من الكفار ما كان هذا كثيرا"..

وأمَّا عن سؤالك: ماذا عن ديموقراطيَّة إسرائيل المزعومة؟

فالصراحة أنَّ ما يسمَّى بـ: (إسرائيل) كذبت كذبة صلعاء حين ادَّعت أنَّها أكبر دولة ديموقراطيَّة في الشرق الأوسط، والأنكى من ذلك أنَّ جماعة من (الهبل) صدقوا كذبتها!!

ونحن نقول لو كانت إسرائيل دولة ديموقراطيَّة فإنَّ من أولى مقتضيات الديموقراطية ـ على رأي صانعيها ـ الحرية والرعاية لحقوق الإنسان، وعليه فإنَّ إسرائيل كفرت بهاتين النقطتين ولو كانت تريد الديموقراطية حقاً فإنَّ عليها أن ترحل عن أراضي فلسطين كل فلسطين.

كذلك نجد أنَّ إسرائيل قد وضعتها منظمة العفو الدولية من أولى الدول التي تخرق وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني وذلك لانتهاكها الواضح لبنود القانون الدولي التي وقعت عليه بحظر ممارسة التعذيب على الأسرى، ولهذا نجد أنَّ منظمة العفو الدوليَّة وضعت إسرائيل في مكانة متقدمة بين الدول التي تصنع وتنتج أدوات التعذيب على المعتقلين!!

كما نجد أن إسرائيل ومن خلفها أمريكا أتاحت المجال والفرصة للشعب الفلسطيني أن يقوم بانتخابات نزيهة وعادلة لكي ينتخبوا الشخصيات التي عرفت بالعدالة والدين والنزاهة، وما أن فازت حركة حماس بذلك، حتى انقلبت إسرائيل على ذلك وباتت تتوعدهم بوجوب الاعتراف بإسرائيل والقبول بقرارات سابقة قد وقَّع عليها مهندسو التطبيع والتسوية، وبما أنَّ حركة حماس لا تتوافق مع هذا الخيار الاستسلامي ولأنَّ الشعب الفلسطيني قد انتخبها لأجل ذلك، قامت إسرائيل ومن ورائها الولايات الأمريكية بالحصار والتضييق على الحكومة الفلسطينية الحمساوية المنتخبة، وقطعت الرواتب والمنح المالية، وقامت باعتقال أكثر من اثني عشر وزيرا، وستين نائباً في المجلس التشريعي الفلسطيني في حادثة لم يسبق أن يكون قد حصل مثلها في العالم الدولي!!

وما رأيناه من قصف للمدرستين التابعتين للأمم المتحدة في غزَّة أثناء الهجمة الهمجية الصهيونية على قطاع غزة، وادِّعاء كذابهم الأشِر (الناطق الرسمي باسم الخارجية الإسرائيلية) أنَّ هاتين المدرستين يختبئ فيها المقاومون، مع أنَّه صدر قرار من الأمم المتحدة أنَّ هاتين المدرستين لم يكن فيهما إلا أطفال ونساء ، خرجوا من منازلهم يختبؤون في هاتين المدرستين فأين الديموقراطية الإسرائيليَّة الكاذبة؟!

وأختم بقولي: إسرائيل في الداخل الإسرائيلي أي في سياستها مع مواطنيها من اليهود، يمكن أن نقول أنَّها ديموقراطية وحالها مع المعارضين السياسيين لما تقوم به أفضل من حالة حكومات الطغيان العربي مع المعارضين فيها، وكذلك يمكن أن يحاكم الرئيس ورئيس الوزراء أمام الشعب إن ثبت عليها ما يخل بأمانته أثناء قيامه بواجبه الحكومي، وهذا ما لم ولن نجده في واقع حكوماتنا العربية، فإسرائيل ديموقراطية على شعبها الإسرائيلي إلى حد كبير ـ على قبح وسوء الديموقراطية في نظري ـ ولكنها أمام الفلسطينيين وحتى من يسكنون في فلسطين الداخل او ما يسمى بعرب 48 فإنَّها لا تحترم حقوقهم، ويكفي واقعة على ذلك بما جرى من مظاهرات حاشدة قام بها العرب المسلمون الفلسطينيون ضد ما تقوم به إسرائيل من جرائم حرب ضد قطاع غزة وأهله، ما أدَّى لقيام إسرائيل باعتقال 500 شخص من الذين يسكنون في الخط الأخضر أو من فلسطينيي الداخل وأودعتهم السجون للتحقيق معهم، فعن أيَّة ديموقراطية إسرائيلية يتحدثون؟!!

س3) السائل السفين:اهلا ومرحبا بك أستاذ خباب الحمد، وجعل الله أيام أسرك في ميزان حسناتك، وأيام الأسر هي أيام خلوة وطلب العلم وقيام الليل وأسعد اللحظات بالقرب من الله سبحانه.

بعد التعريف بنفسك أيها الضيف الكريم ليتك تعرفنا ببرنامجكم اليومي في المعتقل وأكون لك من الشاكرين، مع جزيل الشكر للأستاذة الفاضلة نور من لبنان حفظها الله وإدارة المنتدى على إتاحة هذا اللقاء. والله يوفقكم.

ج3) أخي الكريم الذي رمز لنفسه ب: (السفين).
لم أدخل المعتقل إن كنت تقصد به مكان تجمع الأسرى، فالأسير يمر بحالتين كما هو معهود عندنا في فلسطين: فالأولى: حالة أسره أثناء التحقيق وفي هذه الحالة يكون في الزنازين، والثانية:حالة انتقاله من الزنازين إلى السجن العام، وفي السجن تكون هنالك أقسام، وفي كل قسم يكون عدد الأسرى من 120 شخص إلى 150 شخص يعيشون في اثني عشر غرفة أو خمسة عشر غرفة بمعدل عشر أشخاص في كل غرفة تقريبا.

فأنا لم أدخل السجن بل كنت في الزنازين ـ كفانا الله شر السجن والزنازين ... آمين.

وبما أنَّه الاعتقال كان لمجرد اشتباهات في أمور بان زيفها، وعدم صدقيَّة الجواسيس الذين قدَّموا معلومات عني لليهود المحتل، وبعد اكتشاف اليهود أنَّه لا توجد هنالك تهمة ولله الحمد، جاء القرار بالإفراج عني.

أخي الكريم: السفين.
ليس في الزنازنة مصحف، ولا كتاب، ولا ورقة، ولا قلم، ولا شيء من مقتضيات الحياة الرغدة!!

الزنازنة هو مكان للتعذيب النفسي!!

بالنسبة لي كنت أقضي وقتي بالقيام لصلاة الفجر وأذكار الصلاة ثمَّ أذكار الصباح، ثمَّ تناول طعام الفطور الذي يكون عبارة عن كأس شاي وقطعة من جبنة مع الخبز.

وبعد ذلك قراءة ومراجعة ما أحفظه من القرآن الكريم، وهي نعمة عظيمة، وكان والله أنيساً لي في هذه الخلوة والوحشة ولله الحمد.

ثمَّ القيام بما كتب الله لنا من الصلاة، والدعاء، وذكر الله إلى صلاة الظهر، وهكذا نقضي وقتنا بين صلاة ودعاء وذكر ورجاء وثناء على الملك الديان، ومراجعة للقرآن، ومراجعة لما أحفظه من متون علمية، وأحياناً أسلي نفسي بأناشيد الثبات والصمود والصبر على أذى الأعداء، وهذا يكون معنا إلى آخر الليل، وأحياناً نصاب بشيء من الهم والغم، وندفعه بذكر الله والتضرع بالدعاء، حتى يشعر السجين أنه يحتاج إلى النوم فينام شيئاً من الساعات!!

لا شكَّ أنَّ الهم والغم يأخذ مجراه مع المرء وهو في زنزانته وحيدا، لكنَّ من أعظم الأدوية لمدافعته، القيام بذكر الله وأدعية إزالة الهم والغم والحزن والكرب، والقراءة على النفس بشيء من آيات القرآن.

أخي الكريم لا يوجد برنامج في الزنزانة محدد...

لقد قيل قديماً: حياتك من صنع أفكارك...
وأنا أقول: زنزانتك التي تقيم فيها من صنع أفكارك!!

فإنَّ جزع المرء فويل له من هم وغم سيقتله، وإن صبر فهنيئاً له الجنة، بتكفير السيئات، ورفعة الدرجات، وزيادة الحسنات، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

أحب أن أختم بقضية مهمة وهي أنَّه في أواخر أيام التحقيق معي كان يدخل علي شباب مسجونين، أو يكونوا بجانب زنزانتي مباشرة، فأتحدث معهم من خلف الباب، وكان بعضهم ينتمي لتيارات غير إسلاميَّة، وكنت في الحقيقة أستغرب من أسئلتهم فهذا يقول لي كم عدد ركعات صلاة الظهر هل هي خمس أو ست ركعات، وآخر يقول لي كم على المرء من صلاة في اليوم والليلة، وآخر يقول لي أنا مسلم ولكني شيوعي الفكر!!

وهؤلاء فلسطينيون ينتمون لحركات وطنيَّة فلسطينية غير إسلامية، فكنت أستغل الوقت بتعليمهم شيئاً من شريعة الإسلام، وأتذكر حال النبي الكريم يوسف عليه الصلاة والسلام حين كان يقول لصاحبيه في السجن: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ....} [سورة يوسف: 39]، وكنت أستشعر فضل الدعوة إلى الله في مدة الاعتقال، ولله الحمد والمنَّة وجرى لي في هذا شيء كثير خصوصاً في آخر عشرة أيام قضيتها في الزنازين حيث أتى في الزنزانة بجانبي ثلاثاً كلهم من أصحاب التوجهات الشيوعية، وبعضهم كان لا يفقه في دينه شيئاً، وبعضهم كان في الزنزانة لمدة تزيد عن أربعين يوماً لم يسجد لله فيها سجدة واحدة ـ وللأسف ـ ويعد نفسه مسلماً ومقاوماً، فكنت أستغل الوقت بدعوتهم للإسلام، وأبيَّن لهم أنَّ من السوء بمكان ومن الإعراض عن الله ألاً يقترب المرء من ربه في حالة الشدة، وأنَّه عار على من يعد نفسه مقاوماً أن يكون كفَّار قريش أحسن منه حين يصابوا بشدَّة، فقد كانوا يدعون الله فيها، فكيف يليق بكم أيها المساجين أن تعرضوا عن الله وأنتم في وقت الشدَّة، ولا تقتربوا منه بدعاء ورجاء وصلاة، ولا أكتم الإخوة سراً أنَّهم في الغالب ينصتون لما كنت أقوله وأرى منهم ومن خلال حديثهم التأثر بذلك ولله الحمد، ومن سؤالي لهم لم أجد من يأخذ بيديهم أو يعتني بهم لكي يشرح لهم الإسلام عن قرب وبمحبة ومودة، أو أنَّ بيئتهم كان لها دور في صبغهم بهذه الأفكار، أو القصور الديني.

نعم، كنت ملاطفاً لهم، وأتحدث لهم من قلب صادق يحب الخير لهم، وقد أكرمني الله تعالى بفضله وإحسانه بإقناع أحدهم عن العدول عن الفكر الشيوعي والتزام المنهج الإسلامي، وذلك في نهاية المطاف بنقاش دار بيني وبينه لقرابة أربع ساعات عن المنهج الإسلامي والمفاضلة بينه وبين الفكر الشيوعي الذي كان يقتنع به كفكر، ولا يرى أنه معارض للمنهج الإسلامي، فأوضحت له مدى الخلل في ذلك، ووضحت له ضرورة الانتماء الصادق إلى الإسلام بغض النظر عن الانتماءات الحزبيَّة الإسلامية، وكنت أقول له أنني لم أكن يوماً ما تابعاً لتنظيم إسلامي سواء في فلسطين أو خارجها، لأني مؤمن بأنَّي كمستقل أستطيع خدمة دين الله والقرب من الناس وتعليمهم شرع الله، أفضل من انتسابي لتنظيم ما، قد يجعل بعضاً من الناس يبتعدون عني لذلك، وأوضحت له أنَّ انتماءك للإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة لا يعني أن وجوب دخولك في تنظيم فلسطيني إسلامي، فهذا التنظيم من الإسلام وليس هو الإسلام كله.

وللتذكير هذه الحالات التي ذكرتها تعد حالات قليلة في الواقع الفلسطيني، ولكن هنالك وللأسف أسرى في السجون الصهيونية هم في فكرهم وعقيدتهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإسلام، إن لم يكونوا منسلخين من الإسلام أصلا، وقد لا يحب بعض الناس أن أقول ذلك، ولكني معروف بالصراحة، ومع هذا فوجود هؤلاء في السجون قليل جداً، والله المستعان!!

س4) سؤال: الصارم اليماني: مرحبا أهلاً وسهلاً..
أخي الكريم...
كتب الله أجرك ورفع قدرك وجعلها تكفيراً لك وثبتك على الحق والإيمان...

سؤالي أيها الكريم:
هل كان هناك تعذيب في السجن أم لا...؟ وما نوع التعذيب؟

ج4) أخي الكريم الصارم اليماني...
كم أنت صارم حتَّى في سؤالك أيها اليماني اللطيف...!!

بالنسبة لي لم أتلق تعذيباً جسدياً ولله الحمد.

التعذيب كان مجرد ضغوط نفسية في الزنزانة، وحرب أعصاب رهيبة يستخدمها رجال المخابرات معي أثناء التحقيق ، و{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [سورة فاطر: 34]، وسلمت.

س5) السائلة: هدى العتيبي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حيّاك الله أ.خباب الحمد.

وأنت الخبير بالشأن الفلسطيني ولك عدة اطروحات في هذا الجانب، نريد منك قراءة تحليلية للوضع الراهن في غزة، وهل ثمة بوادر لانفراج الأزمة في القريب العاجل، شاكرين لك قبول الاستضافة وجزاك الله خيرا

ج5) الأخت هدى العتيبي وفقها الله، شكراً لسؤالك..

ما أراه يجري من عدوان وبطش همجي صهيوني على قطاع غزَّة وجعله كحمام الدم الذي لا ترى فيه سوى اللون الأحمر القاني، لم يأت من فراغ، والقوى الصهيونية الاستكباريَّة في ضربتها لقطاع غزة تتعامل مع العالم العربي والإسلامي كله وكأنها تقول: (من أشد منَّا قوة) فهي تضرب وتقصف وتدمر، دون أي رادع يردعها،إلا صواريخ المقاومة الجهاديَّة الفلسطينية، والمدد الرباني لهم.

باختصار هدف دولة الكيان الصهيوني الغاصب من هذه الحرب عدة أمور:
1) كسر إرادة الصمود والمقاومة في غزة.

2) محاولة جلب واسترداد روح الكرامة لجيشهم المعروف عنه بأنَّه الجيش الذي لا يقهر حين انكسر نفسياً ومعنوياً أمام ضربات المقاومة اللبنانية في حرب تموز2006 م.

3) تلقين سكَّان القطاع درساً قاسياً لاحتضانهم حركات المقاومة وبالأخص حركة حماس، وعدم قلب نظام الحكم عليهم.

4) القضاء على حكومة حماس التي استطاعت أن تسيطر على القطاع بالكامل، وخصوصاً بعد قيامها بالحسم العسكري.

5) قلب نظام الحكم في فلسطين بالكامل، واستبداله بنظام فلسطيني في غزة أمريكي الهوى، إسرائيلي الصنع، تسير وفقاً لما يأمر به سادتهم من الأمريكان والصهاينة، ويكون هذا النظام في غزَّة مؤيداً لحلول السلام والتسوية والتطبيع مع العدو الغاصب.

إذًا تدور المسألة كلها خلف محاولة القضاء على الإسلام باستهداف رموزه، وكسر روح المقاومة، والقضاء على الفكر الجهادي وعسكرته آليا لمقاومة العدوان الصهيوني، وصدق الله إذ يقول: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [سورة التوبة: 32-33].

وأنا أقول مبشراً الإخوةَ القرَّاء: لن ينال العدو الصهيوني بغيتهم، فغزَّة منطقة عصيَّة على الاحتلال منذ القِدَم، ولقد تمنَّى إسحاق رابين أن يقوم من نومه يوماً لكي يرى غزَّة قد غرقت في البحر، وهيهات فستبقى غزَّة بحول الله عصيَّة على الاحتلال، وشوكة في حلقة، وطعنة في خاصرته، ولن يتحقق مرادهم، فمرادهم أن تُلْقَى البندقيَّة وأن يُكْسَرَ السلاح، وأن يُدعى للسلم الذى نهى الله عنه حين قال: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [سورة محمد: 35].

ورحم اللهُ أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين قال للمرتدين: "إمَّا حرباً مجلية أو سلما مخزية"، فقالوا له: "الحرب المجلية عرفناها، فما السلم المخزية؟"، فقال: "أن تلقوا السلاح، وأن تأخذوا بأذناب البقر"، وهذا ما يريده أعداء المسلمين في فلسطين من اليهود والمنافقين بأن يستسلم المسلمون في فلسطين وينقلبوا على خيار المقاومة والجهاد والصمود، وهذا لن يكون بإذن الله، ولنفترض أنَّهم كسروا شوكة حكومة حماس المنتخبة من الشعب الفلسطيني باختياره، فإنَّ المقاومة لن تنكسر بإذن الله وستبقى حتَّى ولو جاء من جاء ليحكم غزَّة، وفي النهاية فالله تعالى يقول: {إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الأعراف: 128].

ولنفترض أنَّ جميع الحركات الفلسطينية المقاومة في فلسطين سواء الإسلامية وغير الإسلامية رمت السلاح وحملت الورد وغصن الزيتون، وانكسرت أمام العدو رغماً عنها، أو رضا منها بالاستسلام، فإنَّ الله معز دينه وقاهر عدوه بأن يأتي رجال أشداء على اليهود أكثر من حالهم الآن، والله تعالى يقول: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد: 38]، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [سورة المائدة: 54].

س6) السائل: عبدالله بن غنَّام: مرحباً أستاذنا، وكل الشكر للإدارة أن تمكنت من استقطاب علم مثلك.

ودعني أقول أن كونك خريج من سجون إسرائيل، فهذا عندنا وسام عز يعز على الأبطال منا، ويتفضل الله به على من يشاء، فهنيئاً لك هذا المجد العتيق.

وهنا أسألك عن المأزق الذي وقع فيه اليهود وأحلافهم، كيف يمكن أن يخرجوا منه دون تصدع في كيان إسرائيل يشفي صدور قوم مؤمنين؟؟

فمن جانب الضرر الإقتصادي، حيث تؤكد التقارير أن الحرب تستنزف منهم يومياً 28مليون دولار، ومن جانب الخوف والهلع الذي أصاب اليهود، وهبوط معنوياتهم، في الوقت الذي ترتفع فيه معنويات المرابطين، بل ونرى عودة للمجاميع إلى داخل قطاع المرابطين.

من الجانب السياسي، وإمكانية فرض القرار، أو الرضوخ تحت ضغوط ومدافعة الجانب الآخر، ومن جانب سقوط النظرية السلمية وتفرق وتفكك أحلافها.

وإلى أي مدى كل أولئك سيؤثر على الكيان الصهيوني؟؟

ج6) الأخ الفاضل عبد الله بن غنَّام....
شكر جزيل لترحيبك الكريم، أسأل الله تعالى أن يسبغ عليك من جوده وبره وإحسانه، وألا يريك مكروها أنت ومن تحب.... آمين.

أذكِّر في بداية جوابي على سؤالك بقول الله تبارك وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة الحج: 39-40].

كل ما ذكرته أخي الكريم في سؤالك مؤثر في تصدع البنية الأساسية لدولة إسرائيل المزعومة....
وأنا أعتبر في الحقيقة أنَّ معركة الفرقان التي تقع بين المسلمين وعدوهم من اليهود الصهاينة وأحلافهم وأقتابهم وأحشادهم لعنة الله عليهم أجمعين أكتعين أبصعين!!

هذه الحرب في قطاع غزَّة ستعطي للمقاوم الفلسطيني معنى الوجود، ومعنى العزَّة والكرامة، بتحديد هدفين أمامهم إما النصر أو الشهادة، بل معنى طالما ردده أصحاب الخيارين اللذين لا ثالث لهما، ببيت شعر رائق جميل:
ونحن أناس لا توسط بيننا *** لنا الصدر دون العالمين أو القبر

ولو أردنا أن نناقش الحتميَّة التاريخيَّة التي قامت عليها فكرة دولة إسرائيل، فسنجد تضعضعاً في الآمال التي كانوا يتغيَّوها والواقع الذي يعيشونه الآن، فقد قامت فكرة إسرائيل على مبدأ: أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل ومن الأرز إلى أرض النخيل!!

يقصدون بالأرز دولة لبنان حيث تشتهر بأشجار الأرز...

وأمَّا أرض النخيل فهي المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم حيث تشتهر بأشجار النخيل...

هذه النظرية في حقيقة الأمر، وإن كان يسعى لها ساسة إسرائيل، إلاَّ أنها في الواقع سقطت، فلم تعد إسرائيل تسعى في أرض الواقع ودنيا الناس إلى المجاهرة بهذه الآراء التي جهروا بها وصدعوا آذاننا بها ردحاً من الزمن!!

الآن إسرائيل في بداية أفولها وحق على الله ما ارتفع شيئاً إلا وضعه، ولا يزيد الله الظالمين والكافرين إلا خسارا وتبارا، ونحن الآن نرقب إسرائيل وهي تحمي نفسها بجدار الفصل العنصري وهو الجدار الواقي الذي يحميهم برأيهم من تسلل المقاومين إلى مناطق سكنهم حتَّى لا يقوموا بالعمليات الاستشهادية وما شاكله!!

وفرق بين دولة كانت تطمح لأن تكون إسرائيل الكبرى في زمن ما ولا زال طموحها كذلك وإن كان يتهاوى، وقبالة ذلك حين رأت هذه الدولة مقاومة عنيفة وانتفاضات شعبية، وحركة جهادية دؤوبة لا تريحها بل تقض مضجعها، فإنَّها صارت تتراجع في إقامة هذه الأحلام الوردية ولو كان ذلك في الوقت الحالي، وتحمي نفسها من صواريخ المقاومة، وعملياتهم الاستشهادية.

وذلك بفضل الله تعلى أولا، ثمَّ ببسالة المقاومة والمجاهدين في سبيل الله الذين يدافعون الآن عن حياض الأمة وكرامتها، وإلاَّ لو وقفت هذه المقاومة موقف السلام والانبطاح والاستسلام، لمرَّت الجيوش الصهيونية على الأراضي الطاهرة في المدينة المنورة وبلاد السودان ومصر، وفي كل بلاد الإسلام خير، وسيرون مقاومة جهادية جادة، ولكنَّنا نحكي الواقع في لو وقفت الجبهات الجهادية موقف التطبيع والسلام والتسوية، فإنَّ لعاب الصهاينة سيسيل لاكتساح الدول التي يريدون الاستيلاء عليها!!

دعنا نراقب الآن ما يجري في قطاع غزة... وحول سقوط جعجعة إسرائيل عن جيشها بأنَّه الجيش الذي لا يقهر!!

فمحللون صهاينة يقولون: العملية الحربية في غزة دخلت المرحلة الإشكاليَّة وحماس بدأت تنتعش، في إشارة إلى النوعية والدقة والشجاعة التي يتم بها المجاهدون في قطاع غزة.

كذلك نحن ندرك أنَّ دولة إسرائيل دولة مادية اقتصادية تنظر لحجم ميزانيتها في دخولها في حروب ومعارك كهذه، ومن المعلوم كما أخبرت جريدة (هاآرتس) الصهيونية في تقرير نشرته الأحد 28/12/2008م أن كل يوم يمر على العمليات العسكرية، يكلف الخزينة الصهيونية ملايين الشواكل، وهي تكلفة الضربات الجوية والقنابل إضافة إلى تكاليف أخرى، وهذا في حد ذاته سيسبب مشاكل في الميزانية، لهذا فهم ينظرون لهذه الإشكالية الاقتصادية بشكل معمَّق، ولا تستغرب أن يوقفوا الحرب إن أثَّر ذلك في اقتصادهم، مع العلم بأنَّ لديهم دعماً أمريكياً غير محدود وغير مجهول!!

ولهذا فالصهاينة الآن وجبهتهم الداخلية في المجتمع الذي يعيشون فيه، هم يرقبون الحرب جيدا، ويمكن أن نسمع في أي وقت قريب، الإعلان عن توقف الحرب، والهذرمة بأنَّ إسرائيل حقَّقت أهدافهها للكذب على المجتمع الإسرائيلي الذي صدَّق دعاوى دولته.

ولا ننسى ما كتبه الصحافي والمحلل السياسي الصهيوني (سيفير بلوكر) في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تحت عنوان "اسرائيل يجب ان تنتصر"، وقد كتبه في أثناء حرب تموز 2006، أن نتيجة فشلها لن تكون سوى نهاية إسرائيل، حيث قال أنه: "اذا خرج هؤلاء القادة [يقصد قادة حماس وحزب الله] من هذه الحرب سالمين، فستكون نهاية اسرائيل".

حتَّى أنَّ هنالك صحف ومجلات غربيَّة كمجلة (جينز) البريطانية المتخصصة في شؤون الدفاع حيث أفادت أنَّ انتصار اسرائيل على حركة المقاومة الاسلامية "حماس" في قطاع غزة "ليس ممكناً"، وذلك في الوقت الذي دخلت فيه العملية العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة يومها العاشر.

ونقرأ ما جاء في صحيفة (الجيروساليم بوست) حيث قالت: "إن الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة أثبتت عدم أخلاقية إسرائيل، وليس هذا فقط، فهناك أيضا الحاجة الإسرائيلية إلى تقييم استراتيجي حول من هو الفائز ومن الذي سوف يخسر؟"، وأوضحت أن المكاسب التي حققتها حماس تفوق تلك التي حققتها إسرائيل، وتلاحظ تأييدا قويا ومتناميا لحماس في أنحاء الشرق الأوسط.

ونقلت الصحيفة العبرية عن المحللة الاستراتيجية (كارولين غليك) أن حماس هي الرابحة من الناحيتين، فالعودة إلى الوضع السابق، يتيح لحماس أن تظل مسؤولة عن قطاع غزة، واتفاق وقف إطلاق النار بوجود قوات مراقبة دولية للاشراف على حدود غزة مع إسرائيل ومصر، يمنع إسرائيل من القضاء عليه.

وأكدت (الجيروساليم) أن مأساة التخبط العميق في الاستراتيجية الإسرائيلية وعدم كفاءتها يزيد من السياسات الفاشلة منذ عام 1993 والتي أدت إلى تآكل سمعتها الاستراتيجية والأمنية دوليا.

كما قالت إن هناك أسباب رئيسة أدت إلى هذه النتيجة السلبية، منها أن الفريق الإسرائيلي المكلف بعمليات غزة وخلق هذه المشكلة يتزعمه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت، الذي كان له دور حيوي في بدء الانسحاب من غزة عام 2005، مما وضع حدا لمراقبة الجيش الإسرائيلي لها، كما أنه تخلى عن السيطرة على الحدود بين غزة ومصر، مما مكن حماس من بناء الأنفاق بين غزة مصر.

وخلصت الصحيفة العبرية إلى أن إسرائيل كدولة تفتقد إلى سياسيين موهوبين وقادرين على اتخاذ قرار سليم.

ولهذا أخي فإني على يقين أنَّ هذه الحرب ستؤثر حتماً على الكيان الصهيوني، ولن يخرج منها منتصراً، وسيبقى المنتصر بإذن الله هو الجندي العقائدي الذي لا يبيع دينه ووطنه بثمن بخس قليل، والله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.

س7) السائلة حمدة: أخي الفاضل أ. خباب الحمد...
حمدا لله على سلامتك ونهنئك على صدقك وصبرك.

أخي الكريم ما مدى تأثير الكلمه في المواقع الإسلامية على العدوان وعلى رأي الناس، وهل المقاطعه لمنتجاتهم تؤثر في اقتصادهم بشكل كبير على المدى البعيد؟

والأقلام المسلمه الصادقة في الصحف هل هم متابعين لها؟

وما سبب بعدنا عن أهل فلسطين حتى في السؤال كاأفراد وشعب؟

هل هو مفروض علينا أم تقصير منا، ألا يعني التواصل شيء؟

قد تكون أخي أسألتي معروفه إجاباتها وبسيطة، ولكن أريد منكم الإجابه ليطمئن قلبي ونستفيد، وهذه حلول أعتقد مؤثرة على المدى البعيد وتعبر عن رفض بدل الصمت الذي يعني الكثير، وشكراً لك.

ج7) أختي الكريمة حمدة سددها الله... شكراً لترحيبك اللطيف.

الكلمة لها دور وأي دور في صناعة الفكر والرأي والعمل، ولقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [سورة إبراهيم: 24-25]، ولقد قال المتنبي:
الـرَّأيُ قـبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ هي أوَّلٌ وهو المكانُ الثاني
فـإذا هـمـا اجْتمعا لنفسٍ حرّةٍ بلغتْ منَ العلياءِ كلَّ مكانِ
ولـرُبَّـمـا طـعنَ الفَتَى أقرانَهُ بالرّأيِ قبلَ تطاعُنِ الأقرانِ
لـولا العقولُ لكانَ أدنى ضيغمٍ أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ


والعدو الصهيوني مثلا يرى أنَّ وجود اناس يتكلمون ويتحدثون عن مخاطر العدو، ويوضحون كفره واحتلاله وضرورة المقاومة، فإنَّه يرى أنَّ هذا من قبيل التحريض عليه ما قد يؤدي ببعض المتكلمين إلى السجن لعدة شهور، وهذا لا يحصل إلا من الكلام والمقال والصدع والصدح بالحق!!

وأمَّا تأثيره على رأي الناس فالناس يا أختي كيف تعرف الحقيقة؟، وكيف تنتبه لمخاطر العدو؟

وكيف تدرك أبعاد الحرب الاستراتيجية إلا من خلال الكلمة الجادة الصادقة، وأجمل من ذلك حين يجمع المرء بين التحليل السياسي والفكر الاستراتيجي وبين الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي المتين فسنعلم أنَّ هذا سيكون مؤثراً جداً على توعية الشعوب وتصديق الرأي العام لقوله.

ونحن لا نزال نتذكر مواقف الشيخ العلاَّمة سفر بن عبدالرحمن الحوالي ـ شفاه الله تعالى ـ ومدى تأثير كلماته على العدو الصهيوني، وكذلك على الناس، بل كتبت عنه صحف وجرائد غربيَّة شبَّهته بالنمر الذي يقود الناس إلى حيث يريد!!

هذا نذكره كمثال، وكذلك من ضمن الناس الذين كانت لديهم كلمات تجلجل في واقع العدو الصهيوني وكذلك لها أثر يثير الانتباه لمواقف الشعوب ما نراه ونلاحظه من كلمات الشيخ رائد صلاح الذي حين نذكر قضية القدس نتذكره وحين نذكره نتذكر القدس.

وأنا أقول بكل صراحة، إنَّ الكلمة إذا كانت خالصة لوجه الله، وصادقة في القصد والتأثير فإنَّ الله تعالى سيبلغها لمن شاء وسيتأثر بها الرأي العام، ولا زلنا نتذكر كلام الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه حين قال: "إنَّ كلماتنا ستبقى أعراساً من الشموع لا حراك فيها جامدة؛ حتَّى إذا متنا من أجلها انتفضت حيَّة وعاشت بين الأحياء".

هذا باختصار عن سؤالك بخصوص تأثير المقالات والكلمات على العدو وتأثيره في واقع الناس...

وبخصوص سؤالك عن مدى تأثير المقاطعة لبضائع المحتل الصهيوني والأمريكي، فإنَّه من المؤكد أن تكون هذه المقاطعة لها نتيجة فعليَّة في واقع المحتل، وعلى الأقل يكون ذلك من باب أضعف الإيمان، ومن باب إغاظة أعداء الله، فالله تعالى يقول: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [سورة التوبة: 120]، وهو دليل على إيقاظ القلوب والشعوب في عقيدة الولاء والبراء، ومعاداة الكافرين المحتلين، بل من ميزاتها أنَّها أوجدت فكرة البديل في المنتج العربي المحلي، بالاعتماد على الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ومناداة الكثير من المسلمين بقولهم: "نأكل ممَّا نزرع، ونلبس ممَّا نصنع"، بل هذه المقاطعة أوضحت أهمية الاستقلال الاقتصادي لاسيما بعد تصريحات السفير الدنماركي بالجزائر، حين قامت الشعوب العربية بمقاطعة المنتجات الدنماركيَّة وقت أزمة الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يهزأ بها على المسلمين قائلاً: "كيف يقاطعون وهم لا ينتجون!!".

ولهذا فإنَّ خيار الشعوب الإسلاميَّة بمقاطعتها لمنتجات العدو الصهيوني والأمريكي، أمر مجدٍ للغاية في تصوري، وما دام أنَّ هؤلاء الأعداء يطنطنون علينا بالحرية، فإنَّ لشعوبنا أن تقاطع منتجاتهم تحت شعار : (إذا كان لكم حرية الرأي،فإنَّ لنا حرية الاختيار) ويستحيل على أيِّ حكومة أن تجبر إرادة الشعوب على ذلك.

فلنجتمع يا شباب الدين قاطبة *** لنصرة الحقِّ في جدٍّ من العمل
وأيسر الأمر أن تلقي بضاعتهم***ردَّت إليهم جزاء المارق الثَّمل


ودعوني أعطيكم مثلا واحدا على تأثير المقاطعة للعدو الصهيوني والأمريكي، فقد ذكر الدكتور رفعت سيد أحمد الخبير في الدراسات السياسية أنَّ للمقاطعة إفادة كبيرة على المستوى الاقتصادي في إيلام العدو الصهيوني والأمريكي، وأنَّ المقاطعة للشعوب العربية قد كبدت أيام مذبحة جنين عام 2004 الولايات المتحدة الأمريكية ما يقرب من 700 مليون دولار وهذا أكبر دليل على أنها مؤثرة وفاعلة.

ومع الصبر وقوة التحمل لكبت شهواتنا وإرادتنا بعدم شراء منتجات العدو الذي يحتل ديارنا وأهلنا في فلسطين والعراق وأفغانستان، فإنَّ ذلك سينتج تأثيراً كبيراً على قدرات الاقتصاد لدى العدو الصهيوني، وقد قيل:
لا تيأسن وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا


أحب أن أوضح أمراً مهماً وهو أنَّه على فرضيَّة أن في المقاطعة حصول الضرر على تجارنا المحليين فلا يعدو الأمر كونه تقديم للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية.

يقول العز بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - في معرض كلامه عن التأديب والزجر: "لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة"، والله تعالى أعلم وأحكم....

س8) السائل: لفح القفار: ما شاء الله سجل مشرف بارك الله بكم، يستعصي على الكثير فهم نفسية فلسطيني الداخل وخصوصا في القطاع... لعلك تتفضل وتلقي الضوء على أولوياتهم في الحياة...

بكل صدق ودقة أيضا ما الذي يحتاجه الفلسطينيون من إخوتهم في كل مكان وما مقدار أملهم فيهم؟،
ككاتب ما مدى تقييمك لمدى وصول صوتك عبر كتاباتك؟

في سبيل الله ما لقيتم إن شاء الله.

ج8) الأخ الكريم لفح القفار رعاه الله وحماه...
إخواننا في غزة يطلبون من الجمهور المسلم الذي يتابع قضيتهم عدَّة أمور:
- توضيح حقيقة اليهود وأنَّهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأنَّ هذه الحرب بين الفلسطينيين وبين الصهاينة حرب عقائدية دينية، وأنَّ اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأنَّهم لا يحترمون ميثاقاً ولا عهدا ولا ذمة، فالله تعالى يقول: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} [سورة البقرة: 100]، وقال تعالى: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} [سورة المائدة: 13]، وأنَّهم لم يتورعوا عن قتل الأنبياء فكيف نريدهم أن يرحمونا ويعطفوا على أطفال ونساء غزَّة وغيرها، ولهذا فالمسلمون في فلسطين يقاتلون اليهود لأجل عقيدتهم الفاسدة الكافرة ولأجل احتلالهم لأرض فلسطين، وأنَّه لن يكون هنالك حل معهم إلاَّ بطردهم من فلسطين كل فلسطين.

- مواصلة الدعاء لهم فردياً وجماعياً في الخلوات والجلوات والصلوات، ومواصلة قنوت النوازل حتَّى تنجلي الغمَّة وتنكشف هذه الملمَّة.

- الضغط على الأنظمة العربية المتواطئة مع الاحتلال الصهيوني وإرسال البرقيات عبر الفاكس وأرقام الهواتف لوزراء الداخلية والخارجيَّة العرب لمناصرة أهل غزَّة والوقوف إلى جانبهم، ومع أنني أستبعد قيام أحد من حكَّام العرب بأن تأخذه الحميَّة لله أو للعروبة ولكن كما قيل: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} [سورة الأعراف: 164].

- دعم أهل غزَّة بجميع أنواع الدعم بجميع أنواع الدعم بجميع أنواع الدعم (أقولها ثلاثا) الذي يقوِّي صمودَهم ويعينهم على مقاتلة عدوهم نيابة عن هذه الأمَّة.

- مواصلة المظاهرات الجماهيريَّة العارمة في كافَّة أنحاء الوطن العربي والإسلامي، فإنَّ المظاهرات يا أخي تعطي نتيجة وهي تشجيع أهل فلسطين وتثبيتهم على الصمود ومواجهة العدو الصهيوني وشد عزيمتهم، وكذلك بالضغط على أنظمة التواطؤ العربي التي تشارك في حصار أهل العزَّة في غزَّة.

- توضيح خطورة المنافقين والعملاء والخونة والجواسيس، وبيان خطرهم بناء على ما في كتاب الله وسنَّة رسول الله، وأنَّهم من أشد الناس خطورة على إخواننا في غزة من الذين يدلّون على عورات إخوانهم المجاهدين وأماكن اختبائهم وما شابه ذلك، فمصيبتنا في عملاء العار الذين يتعاملون مع المحتل الصهيوني لقاء لقيمات لا تزيدهم إلاَّ بعداً عن الله وكرهاً من الناس.

س9) سؤال: عصفورة البراري: الأخ أ. خباب بن مروان السلام عليكم:
لقد كانت جدتي تحدثني عن ما يسموا بالدروز وكانت تقول لي مثل عندنا شائع (تعشى عن درزي ونام عند يهودي) كناية عن الغدر!!

سؤالي أين منظمات حقوق الإنسان من المعتقلين في سجون إسرائيل وهل كانوا يحاولون الوصول إلى الزنزانات ورصد واقع المعتقلين؟

وكيف تفرقون بين العصافير وغيرهم في الزنازين والسجون؟

شكرا

ج9) الأخت الكريمة عصفورة البراري
أهلا وسهلا بك في هذا المقام... وشكراً سؤالك.

كنت قبل أن توجهي لي هذا السؤال، أجوب مكتبات مدينة نابلس لمشاهدة الجديد من تلك الكتب بعد فترة الاعتقال، فشدَّني كتاب لمطالعته، فقمت بشراءه، وكان عنوان الكتاب: (الهوية الدرزية والدولة الهيودية ... مواطنون متساوون في الوجابات)، والذي شدَّني لشرائه أكثر فأكثر انَّ من قام بتأليف الكتب شخص درزي واسمه: رباح حلبي بترجمة: سعيد عياش، وقد ذكر مؤلفه في نهاية الكتاب وفي الخاتمة قائلاً: "منذ ان اتسعت مداركي شعرت بعدم ارتياح إزاء العاقة الدرزي اليهودية، وقد أدركت في مرحلة مبكرة أنَّ الصفقة التي تمت بين الجانبين (الدروز واليهود) ليست نزيهة، إن لم نقل نتنة. أدركت أنَّ القوة الصهيونية ـ اليهودية المتنفذة، مارست خدعة على الدروز واستغلتهم في لعبة غايتها الوحيددة: خدمة المشروع الصهيوني والدولة اليهودية" (ص142).

ثمَّ ذكر صاحب هذا الكتاب السبب في تعاون الدروز مع اليهود وهو: "أن الحركة الهصيونية عملت وتصرفت كحركة كولونيالية ـ يعني استعمارية ـ وأنها وفي طريقها لاحتلال الأرضوالسيطرة على المنطقة، تعاطت مع السان الأصليين ـ الفلسطينيين ـ كعامل إزعاج أو كآلات واستخدمتهم كحجارة شطرنج في سبيل تحقيق أهدافها. وفي طريقها إلى إعادة بناء وتشكيل المنطقة من جديد، وسط ممارسة الأسلوب الاستعمري القديم،، أسلوب "فرق تسد" وجدت في الطائفة الدرزية فريسة سهلة، فقامت بتجنيدها لتقف إلى جانبها ضد باقي أبناء شعبها" (ص143).

فهذه شهادة من شخص درزي على واقع الدروز اليهود الذين يبلغ تعدادهم في فلسطين100 ألف نسمة ـ لا كثَّرهم الله ـ!!

وبخصوص سؤالك عن منظمات حقوق الإنسان ودورها في النظر بقضايا المعتقلين في سجون الصهاينة، ومحاولة وصولهم للزنزانات، فإنَّ هنالك شيء من ذلك لكنَّه طفيف للغاية، وقد زارتني امرأة بعد أنَّ مرَّ على سجني في الزنزانة قرابة 27 يوماً بعد أن أذن المحقق الصهيوني لها لمقابلتي، وهي تزور لاطمئنان على صحَّة السجين عموما، وتسله إن كان يريد شامبوا أو لحاف أو مقص أظافر!!، وقد تنقل رسالة منه إلى أهله لكي يطمئنوا على صحته فقط.

القصد أنَّ ما يسمَّى: (الصليب الأحمر) يزور المعتقلين في الزنازين، ولكن بعد إذن المحقق، والمحقق يأذن في ذلك بحسب تقييمه لحالة الأسير!!

كما تقوم هذه اللجان برصد ظاهرة الأسرى، ومحاولة الرفع للأمم المتحدة عن حال الأسرى، وما يتلقونه من تعذيب، وإهانة، وما شاكل، لكنَّ الأمر في حقيقة الامر ليس إلا مجرد رصد لواقع لأسرى، أو تزويدهم بالشامبو لغسيل الشعر، وأقصى ما يكون تنسيق زيارات بين الأسير وبين أهله حين تقدم في حقّه لائحة الاتهام، ويقضي القاضي على الأسير بالحكم الجائر الذي يستحقه من وجهة نظر محكمة العدل العليا الصهيونية وبعد قرارات الشاباك (جهاز المخابرات الصهيوني) فقد تقوم هذه المؤسسات لتنسيق زيارة بين الأسير وأهل في الشهر مرة لمدة لا تزيد عن 45 دقيقة، وفي الأعم الأغلب يمنع الأسرى من ملاقاة أهلهم بسبب منع المخابرات لهم بذلك!!

وبخصوص سؤالك عن لتفريق بين المجاهدين والعصافير في السجون فهنالك قاعدة يفترضها المعتقل ولأسير الفلسطيني داخل الزنازين أو داخل السجن، وهي: "لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك!!"، وكذلك: "لا يحق لأي أحد في السجن أن يسألك عن قضيتك أو عن سبب سجنك وما الذي اعترف به عند المحقق وما الذي لم يعترف به"، و(الثقة لا تمنع من الحذر) وأي شخص يسأل هذه الأسئلة فستبقى دائرة الشك منصبة عليه، حتَّى ولو كان ذلك سذاجة من سؤال السائل.

بالطبع كثير من الأسرى يقعون في شباك هؤلاء العصافير ويعطونهم كثيراً من المعلومات التي لا يستطيع المحقق أن يستلبها منهم ولو كان بشد الضغط والتعذيب والنفسي، وذلك لجهل هؤلاء الأسرى بأساليب العصافير، أو ثقة بعضهم بأحدهم وظنه أنَّه من المجاهدين، فيعطيه ما لديه، وهذا ما جعل جهاز المخابرات الصهيوني (الشاباك) يعتمدون كثيرا على أساليب العصافير في جلب المعلومات من الأسرى، فالله حسيبهم، ونسأله أن ينتقم منهم.... آمين.

س10) السائل العموري: السلام عليكم..
ربما علمنا جزء من معاناة إخوتنا المساجين، وحتى وإن ناولوك لحم النعام وعسل مصفى، وحتى ولو فرشو لك وبر الجمال وأسكنوك أجمل الخيام، وطني ديني عزتي عزتي، لا تسألوا عن معاناة السجين، فهي والله أنين وقربى من الله العليم، أسأل أخانا الأستاذ ماذا أعددت للأعادي وما المطلوب منا، كل ليلة اذكركم، وفي كل صلاة ادعو لكم، فأنتم مني وأنا منكم.

ج10) الأخ العموري:
في البداية أرغب بأن تتطالع مقالي: (هل هانت القدس في أعين المسلمين) على هذا الرابط:
http://www.saaid.net/Doat/khabab/51.htm

وأقول لك ولكل أخ فاضل قارئ، وأخت فاضلة متابعة لما يجري بفلسطين:
إنَ من أولى أولويات المسلمين في هذا الزمان أن يعلموا أنَّ واجبهم نصرة هذه القضيَّة التي هي من أغلى قضاياهم المعاصرة، وألاَّ يظنَّ أحدهم أنَّه إذا قام يوماً ما بدعاء الله تعالى، أو تبرع لنصرة إخوانه؛ أنَّه فعل كلَّ شيء ، أو أنَّه فعله تفضلاً وتكرماً منه على هذه الأرض المباركة وأهلها؛ فالقدس للمسلمين.... جميع المسلمين، ولو تصورنا ـ جدلاً ـ أنَّ أهل فلسطين تخاذلوا عن نصرة هذه القضية الإسلاميَّة فإنَّ المسلمين يتوجب عليهم أن يتحركوا لنصرة هذه الأرض، حيث إنَّها احتلت من قِبَلِ يهودي غازٍ ظالم سافك للدماء، مغتصب للأراضي والأعراض، فليس الحل أمامه إلا الجلاد والجهاد، وما دامت أرض فلسطين باقية تحت الاحتلال فإنَّ المسلمين ينالهم الإثم بسبب تقصيرهم في نصرة هذه الأرض المباركة، وكل على قدر مسؤوليته وطاقته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن قام بنصرة هذه القضيَّة فإنَّ الله ـ تعالى ـ سيرفع ذكره في الدنيا ويجزل له الأجر والمثوبة في الآخرة، وإن لم يقم بنصرة هذه الأرض فإنَّه متوعد بالإثم والعقوبة من عند الله، وللأسف فإنَّ غالب المسلمين اليوم غافلون أو متغافلون عن نصرة هذه الأرض، وهو أمر ينبغي ألاَّ يكون المسلمون عليه بتاتاً، فهذه هي الحقيقة،ولنكن صرحاء ولا نغالط الحقائق أو أن نسبح في القاع، ظانين أنَّنا حينها قد اختفينا عن الوجود، وصرنا بلا وجود.

لقد سئل الفيلسوف اليوناني "ديوجين" حين كان يحمل مصباحه ويدور به في رابعة النهار، ماذا تصنع بمصباحك؟!، فأجاب : أفتِّش عن إنسان!!

إنَّها كلمة أروع من رائعة، تعطيك معنى ينساب لسويداء القلب، نستنبط منه أنَّنا نحتاج إلى (إنسان الهم) (ورجل الأمَّة) الذي يفكر في هموم أمَّته ويقدم مصلحتها على مصالحه الشخصيَّة.

والشباب المسلم تعود حميتهم برجوعهم إلى دينهم وردهم إليه رداً جميلا، دون إفراط أو تفريط، فهم ـ باختصار ـ قوم فاعلون لأمَّتهم، متفاعلون مع قضيَّتهم، منهمكون في أعمالهم، فلم تجذبهم الأرض فتثاقلوا لها، ولم تلههم زخارف الحياة الدنيا، إنَّهم أبعد ما يكون حالهم عن الركون إليها، والانغماس في أتونها، وصدق من قال:
إذا الفتى لم يركب الأهوالا
فأعطـه المـِرآة والمِكْحالا!
واسْـعَ له! وعُـدَّه عِيالا!!


والحقيقة أنَّه يؤسفني حال كثير من أبناء الأمَّة المسلمة، حين تجدهم يتقاطرون على شاشات (الحاسب الآلي) أو (الرائي) وينظرون ويستمعون الأخبار والأنباء الساعات الطوال، التي تتحدَّث عن أوضاع أمتنا الإسلامية المكلومة!!

ولا ريب أنَّ هذا الأمر فيه جانبٌ من جوانب الخير للمسلم الذي يهتمُّ بأحوال أمَّته، ويتابع أخبارها وهمومها ... ولكن هل الاقتصار على متابعة الأخبار والأنباء يكفي دون عمل منهجي، أو خطَّة إصلاحيَّة مرسومة لنصرة قضايا الأمَّة؟

فالقضية الفلسطينيَّة بأشدِّ الحاجة إلى الدعم والنصرة والتأييد، بتقديم التبرعات لهم، ونصر قضيَّتهم، وجمع الأموال للأُسر المكلومة أو الفقيرة، وكفالة الأيتام، ورعاية الأرامل، وإنجاد الفقراء بالمساعدات الماليَّة، والتبرع لكلِّ مسلم منهم ثبت أنَّه محتاج لمساعدة، وقد قال الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور: 22]، والوقوف إلى جانبهم بكلِّ ما يحتاجونه!!

وإنَّ أعظم خيانة لقضيَّة فلسطين في رأيي أن نسلمها للفلسطينيين فحسب، ولا يكون للمسلمين جميعهم دور في نصرة هذه القضيَّة ودعمها، أو أن يظن الظان أنَّ تبرعه لإخوانه المسلمين في فلسطين تفضل منه، بل هو أمر واجب عليه لأنَّ المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر كما قال صلى الله عليه وسلم.

س11) سؤال خالد المرسى: سؤالي عن اليهود الذين يحتجون الآن على حكمومتهم ويطالبون بإيقاف الحرب فهل هؤلاء اليهود يرحمون بذلك الفلسطينيين أم أنهم يحتجون لما بهم من هلع ممن قصف حماس لهم بالصواريخ؟

س11) الأخ الكريم خالد المرسى رعاه الله
اليهود قوم مغضوب عليهم فهم كفرة ملاعين إخوان القردة والخنازير....

هنالك من اليهود من لا يؤيد في الأصل الاحتلال الصهيوني لفلسطين ولكنَّهم قلَّة نادرة، ومنهم حاخامات يهود من بريطانيا وأمريكا مثل (أهارون كوهين) و(إسرائي دوفيدويس) و(دوفد شلو موفيلدمان) وهؤلاء من مدرسي التوراة الذين يمثلون حركة (ناتوري كارتا)، ويقولون عن أنفسهم نحن يهود ولسنا صهاينة!!

هؤلاء الجماعة يهود ولكنهم ضد هذه الممارسات التي تجري من دولة الاحتلال الصهيوني، ولكنهم قلَة نادرة، ويبقوا أنَّهم يهود، فهم أعداء لله ورسوله والمؤمنين، ولكل جماعة حساباتها واستراتيجياتها، فلا يؤمن جانبهم!!

وهنالك يا أخي خالد يهود يعارضون الحرب بسبب ما أصابهم من هلع وخوف ورهاب ومشاكل في الأعصاب، لأنَّهم (أحرص الناس على حياة) كما قال تعالى!!

والمعروف عن المجتمع الصهيوني أنَّه مجتمع جبان، ولهذا حين نلحظ هذه الحرب حين بدأت صواريخ المقاومة تقي بحممها فوق رؤوسهم، نلحظ أنَّه اختبأ أكثر من (600) ألف صهيوني يهودي في الملاجئ، خوفاً من الصواريخ التي يسميها ـ وللأسف ـ بعض أبناء جلدتنا صواريخ عبثيَّة!!

عموما يا أخي الكريم المجتمع الصهيوني الآن يؤيد جيش الدفاع الصهيوني الذي يقوده إيهود باراك بعمليته العسكرية ضدَّ الفلسطينين في قطاع غزَّة، ففي ختام الأسبوع الثالث من العدوان الإسرائيلي على غزة تظهر استطلاعات رأي أن العمليات العسكرية تحظى بدعم أغلبية ساحقة من الصهاينة مع تزايد قوة أحزاب اليمين. ويظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة هآرتس أن 78% من الإسرائيليين يرون في "الرصاص المصبوب" عملية ناجحة في حين يرى 10% منهم أن العملية تعتبر فشلا.ب، ولعلَّ من أسباب تأييد الغالبية من الصهاينة لهذه الحرب المجنونة، ما يلي:

1) كذب الإعلام الصهيوني على المجتمع وإظهار الجيش الصهيوني بمظهر المنتصر في هذه الحرب.

2) عدم معرفة الجبهة الداخلية اليهودية الصهيونية بعدد القتلى والجرحى من الجيش الصهيوني لإخفاء المعلومات عنهم من قبل وحدة المعلومات في الجيش الصهيوني، وإظهار أنَّه لا توجد خسائر حقيقية في صفوف جنودهم حسب ما تعلن الأرقام عندهم.

3) الجبهة الداخلية الصهيونية لم تتأذى بشكل ظاهر كما حصل من الأذى للمدنيين العزل في قطاع غزة.

4) حقن الإعلام الصهيوني لمدة ثماني سنوات متتالية في أذهان الشعب الصهيوني بخطر صواريخ المقاومة عليهم، وأنَّها ستصل لأماكن بيوتهم وغرف نومهم، وبفعل هذه التعبئة التي عبؤوهم بها طول هذه السنوات ضد الإرهاب الفلسطيني ـ على حدِّ زعمهم ـ والرغبة الجامحة بالانتقام من الفلسطينيين وإهداء دمائهم.

وبالتالي فهم يتشبثون بهذه الأسباب، عدا أنَّ عقيدة العدو الصهيوني قائمة على مبدأ إراقة الدم وتكسير العظام، وقد قال زعيمهم السابق بنيامين نتنياهو في كتابه (مكان تحت الشمس): "لا نؤمن بوسيلة سوى القوة والعنف والإرهاب الدموي بأبشع أشكاله من أجل تحقيق أهدافنا وأفكارنا ومعتقداتنا في أرض إسرائيل الكاملة، أو في الدولة اليهودية، أو في إسرائيل قوية مهيمنة على المنطقة".

فإن كان هذا كلام قادة إسرائيل الذين يعدونهم بأنهم القادة العقلاء فيهم، فما البال بالشعب الأحمق الذي يردد ما يمليه قادتهم عليهم من مثل هذا الهراء: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [سورة المنافقون: 4].

س12) سؤال الزاهرة: مرحبا بك أخانا... ونحمد الله على سلامتكم....
عندي سؤال واحد.... كيف ينظر إخواننا في غزة إلينا... ونحن نقف مكتوفي الأيدي أمامهم لا نقوى على نصرهم؟
وجزيتم خيرا.......

ج12) الأخت الكريمة الزاهرة:
الحقيقة بنت البحث والصراحة...
لا تعجبوا حين أخبركم بأنَّ أهل فلسطين يشعرون أنَّ الدول والشعوب باتت نائمة عن قضيتهم وصاروا يقولون: إنَّ الفلسطينيين بحاجة للدعاء والمال وتنتهي القضية، وكأنَّ الفلسطينيين مجرد فقراء تدرُّ عليهم جمعيَّةٌ خيريَّةٌ وتنتهي القضيَّة، مع أنَّ الحسَّ المرهفَ والأصيلَ ينبغي أن يكون لدى المواطن في الشارع العربي والإسلامي بأن يقول : إنَّ قضية فلسطين هي قضية للمسلمين وليست قضية للعرب أو للفلسطينيين، ولكنَّ حكام العرب قزَّموا هذه القضية وقالوا: إنَّ قضية فلسطين للفلسطينيين، وقد صدَّق ذلك الكثيرُ من الشعوب المسلمة لأنَّ إبليس قرقر في آذان الحكًّام بذلك فصدَّقه الحكام كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة سبأ: 20]...

فالشعوب صدَّقت حكَّامَها شعروا أو لم يشعروا، وباتوا ينظرون إلى الفلسطيني حين يرونه في الشارع العربي قائلين له: "أعانك الله على ما ابتلاكم به من احتلال اليهود لفلسطين"، ويغيب عن بال الجزائري أو المصري أو السعودي أنَّ قضية فلسطين له قبل أن تكون للفلسطيني؛ لأنَّ فلسطين أرضُ وقفٍ إسلامي هي لجميع المسلمين قبل أن تكون للفلسطينيين، والفلسطينيون جزء من المسلمين وليسوا هم غالبيَّة المسلمين، لهذا يشعر الفلسطينيون أنَّه قلَّ ناصرُهم ومعينُهم من إخوانهم، بل الذين يسعون في خذلانهم كثرةٌ كاثرة وللأسف، وصدق من قال:
من كان ذا عضدٍ يدرك ظلامته *** إنَّ الذليل الذي ليست له عضدُ
تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصرُه *** ويأنف الضَّيْمَ إن أثري له عددُ


ولهذا فإنَّ فلسطين إن أردنا أن تكون أرضاً للمسلمين، وتتطهَّر من رجس اليهود الغاصبين، فلن يكون فتحُها على يد الفلسطينيين فحسب، بل ستكون الطلائعُ المجاهدةُ في شتَّى أنحاء العالم الذين يلتفون حول هذه الأرض المباركة ستكون هي طليعة التغيير، وأوان الشد مع إخوانهم الفلسطينيين المجاهدين في طرد الغزاة المحتلين ، فالمعركةُ بيننا وبين اليهود لا تزال في بدايتها، ورجاؤُنا أن يلتحمَ الفريقان ويلتقيا بعد عبور النهر محققين خبرَ الصادق المصدوق: "لتقاتلن المشركين حتى يقاتلَ بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقي النهر وهم غربيُّه" [ضعفه الألباني].

ومع هذا أقول إنَّنا على يقين بأنَّ الله تعالى يدافع عن المؤمنين فهو القائل: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة الحج: 38]، وهو القائل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [سورة الزمر: 36]، وهو القائل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى} [سورة الأنفال: 17]، وهو القائل: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [سورة محمد: 4-6]، ولقد قال القائل:
هو الحق مهما طغى باطلٌ *** له النصرُ يوم النزالِ الأخير
ولله سهمٌ سيمضي غداً *** ولو كره المستبدُّ الكفور

ــــــــ

نهاية اللقاء....






المصدر: الإسلام اليوم