(16) صفة الحج والعمرة

الحج من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، وهو أحد أركان الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، والتي لا يتم دين العبد إلا بها.

  • التصنيفات: فقه الحج والعمرة -

الحج من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، وهو أحد أركان الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، والتي لا يتم دين العبد إلا بها. والعبادة لا يتم التقرب بها إلى الله تعالى ولا تكون مقبولة إلا بأمرين:

أحدهما: الإخلاص لله عز وجل بأن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد بها رياءً ولا سمعة ولا حظًا من الدنيا.
الثاني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيها قولًا وعملًا، والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن تحقيقه إلا بمعرفة سنته صلى الله عليه وسلم.

لذلك فالواجب على من أراد أن يتعبد لله تعالى بعبادة الحج أو غيره أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها؛ حتى يكون عمله موافقًا للسنة. وسنلخص في هذه الأسطر صفة العمرة والحج كما وردت في السنة.
 

صفة العمرة:
والعمرة تتكون من أربعة أشياء وهي: الإحرام، والطواف بالبيت الحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.

أولًا: الإحرام:

الإحرام هو نية الدخول في النسك (الحج أو العمرة). إذا أراد أن يحرم فالسنة أن يتجرد من ثيابه ويغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد من مسك أو غيره، في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك" (رواه البخاري: [271]، ومسلم: [1190]). والوبيص هو البريق واللمعان.

والاغتسال عند الإحرام سنة في حق الرجال والنساء، حتى النفساء والحائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس حين نفست أن تغتسل عند إحرامها وتستثفر بثوب وتحرم. (رواه مسلم [1209]). ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، ثم يصلي غير الحائض والنفساء الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء، فإذا فرغ من الصلاة استقبل القبلة وأحرم، وله أن يؤخر الإحرام حتى يركب دابته (سيارته) ويستعد للمسير، فيحرم قبل انطلاقه من الميقات إلى مكة. ثم يقول: لبيك اللهم بعمرة.

ثم يلبي بما لبى النبي صلى الله عليه وسلم به وهو: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، وكان من تلبيته صلى الله عليه وسلم: (لبيك إله الحق)، وكان ابن عمر يزيد في التلبية: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل). يرفع الرجل صوته بذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» (صححه الألباني في صحيح أبي داوود: [1599])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العجُّ والثج» (حسنه الألباني في صحيح الجامع: [1112]). والعج رفع الصوت بالتلبية، والثج سيلان دماء الهدي.والمرأة تقول بقدر ما يسمع من بجنبها، إلا أن يكون بجانبها رجل ليس من محارمها فإنها تلبي سرًا.

وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه (كمرض أو عدو أو حبس أو غير ذلك) فإنه ينبغي أن يشترط عند الإحرام فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني (أي: إن منعني مانع من إتمام نسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما فإني أحل من إحرامي) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تشترط وقال: «إن لك على ربك ما استثنيت» (رواه البخاري: [5089]، ومسلم: [1207]). فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه فإنه يحل من إحرامه ولا شيء عليه. وأما من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه فإنه لا ينبغي له أن يشترط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط ولم يأمر بالاشتراط كل أحد، وإنما أمر به ضباعة بنت الزبير لوجود المرض بها.

وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصًا عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعًا أو ينزل منخفضًا أو يقبل الليل أو النهار، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار. والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبدأ في الطواف، فإذا بدأ في الطواف قطع التلبية.

الاغتسال لدخول مكة:
وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها إن تيسر له ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند دخوله مكة. (رواه مسلم [1259]).

 

ثانيًا: الطواف:
فإذا دخل المسجد الحرام قدّم رجله اليمنى وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود ليبتدئ الطواف فيستلم الحجر بيده اليمنى ويقبله، فإن لم يتيسر تقبيله استلمه بيده وقَبَّل يده (والاستلام هو مسح الحجر بيده) فإن لم يتيسر استلامه بيده فإنه يستقبل الحجر ويشير إليه بيده ويكبر، ولا يقبل يده.

وفي استلام الحجر الأسود فضل كبير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» (صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: [1144]).
والأفضل أن لا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم، لما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر» (رواه أحمد: [191]، وقواه الألباني في رسالة مناسك الحج والعمرة [ص:21]).

ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره فإذا بلغ الركن اليماني (وهو ثالث الأركان بعد الحجر الأسود) استلمه من غير تقبيل ولا تكبير، فإن لم يتيسر له استلامه انصرف، ولا يزاحم عليه. ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (رواه أبو داوود وحسنه الألباني في صحيح أبي داوود: [1666]). وكلما مر بالحجر الأسود استقبله وكبر، ويقول في بقية طوافه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن فإنما جعل الطواف بالبيت لإقامة ذكر الله تعالى.

وفي هذا الطواف ينبغي للرجل أن يفعل شيئين:
أحدهما: الاضطباع من ابتداء الطواف إلى انتهائه، والاضطباع أن يكشف كتفه الأيمن بأن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف، لأن الاضطباع محله الطواف فقط.

والثاني: الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرمل هو إسراع المشي مع مقاربة الخطوات، وأما الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رمل وإنما يمشي كعادته. فإذا أتم الطواف سبعة أشواط غطى كتفه الأيمن ثم يتقدم إلى مقام إبراهيم فيقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]، ثم يصلي ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية (قل هو الله أحد) بعد الفاتحة. ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى الحجر الأسود واستلمه إن تيسر له، والمشروع هنا الاستلام فقط، فإن لم يتمكن من الاستلام انصرف ولا يشير إليه.

 

ثالثًا: السعي:
ثم يخرج إلى المسعى فإذا دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] ويقول: (نبدأ بما بدأ الله به) ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة فيستقبلها ويرفع يديه فيحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (رواه مسلم: [1218]).
يكرر ذلك ثلاث مرات ويدعو بين ذلك. فيقول هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقوله الثانية ثم يدعو، ثم يقوله الثالثة وينزل إلى المروة ولا يدعو بعد الثالثة.

فإذا بلغ العلم الأخضر ركض ركضًا شديدًا بقدر ما يستطيع ولا يؤذي أحدًا لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وهو يقول: «لا يُقطع الأبطح إلا شَدًّا» أي: إلا عَدْوًا (رواه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: [2419]). والأبطح هم المسافة بين العلمين الأخضرين الموجودين الآن.

فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة فيرقى عليها ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل من المروة إلى الصفا فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل الصفا فعل كما فعل أول مرة، وهكذا المروة حتى يُكَمِّل سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن.

تنبيه:
قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} يقولها من أراد السعي إذا اقترب من الصفا في بداية السعي فقط، ولا يستحب تكرارها كلما اقترب من الصفا والمروة كما يفعله بعض الناس.

 

رابعًا: الحلق أو التقصير:
فإذا أتم سعيه سبعة أشواط حلق رأسه إن كان رجلًا، أو قصر من شعره. ويجب أن يكون الحلق شاملًا لجميع الرأس، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس، والحلق أفضل من التقصير لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة. (رواه مسلم [1303]). وأما المرأة فإنها تُقصِّر من شعرها بمقدار أنملة.

وبهذه الأعمال تمت العمرة فتكون العمرة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالح الأعمال، وأن يتقبل منا إنه قريب مجيب.

انظر كتاب (مناسك الحج والعمرة) للألباني، وكتاب (صفة الحج والعمرة) وكتاب (المنهج لمريد العمرة والحج) لابن عثيمين رحم الله  تعالى الجميع.



صفة الحج

أنواع الأنساك: الأنساك ثلاثة أنواع: تمتع – إفراد – قران.

فالتمتع: أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج (وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة. انظر الشرح الممتع: [7/62]) فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة وحلق أو قصر من شعره وتحلل من إحرامه، فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أفعاله. فالمتمتع يأتي بعمرة كاملة وحج كامل.

والإفراد: أن يحرم بالحج وحده فإذا وصل مكة طاف للقدوم وسعى للحج ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل من إحرامه بل يبقى محرمًا حتى يحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد ، وإن أخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.

والقران: أن يُحرم بالعمرة والحج جميعًا أو يحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها (وذلك بأن ينوي أن طوافه وسعيه عن حجه وعمرته).
وعمل القارن كعمل المفرد سواء إلا أن القارن عليه هدي والمفرد لا هدي عليه.

وأفضل هذه الأنواع الثلاثة التمتع، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به أصحابه وحثهم عليه، حتى لو أحرم الإنسان قارنًا أو مفردًا فإنه يتأكد عليه أن يقلب إحرامه إلى عمرة ثم يتحلل ليصير متمتعًا ولو كان ذلك بعد أن طاف للقدوم وسعى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف وسعى عام حجة الوداع ومعه أصحابه أمر كل من ليس معه هدي أن يقلب إحرامه إلى عمرة ويقصر ويتحل وقال : لولا أنِّي سقت الهدي لفعلت الذي أمرتكم به.

 

الإحرام:
يفعل هنا من سنن الإحرام ما سبق ذكره في السؤال المشار إليه آنفًا من الاغتسال والتطيب والصلاة.
ثم يحرم بعد فراغه من الصلاة أو بعد ركوبه دابته.
ثم إن كان متمتعًا قال: "لبيك اللهم بعمرة".
وإن كان قارنًا قال: "لبيك اللهم بحجة وعمرة".
وإن كان مُفردًا قال: "لبيك اللهم حجًا".
ثم يقول: "اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة".
ثم يلبي بما لبى النبي صلى الله عليه وسلم به وهو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، وكان من تلبيته صلى الله عليه وسلم: «لبيك إله الحق» وكان ابن عمر يزيد في التلبية قوله: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل". يرفع الرجل صوته بذلك، وأما المرأة فتقول بقدر ما يسمع من بجنبها، إلا أن يكون بجانبها رجل ليس من محارمها فإنها تلبي سرًا.

- وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه (كمرض أو عدو أو حبس أو غير ذلك) فإنه ينبغي أن يشترط عند الإحرام فيقول: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني -أي منعني مانع عن إتمام نسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما فإني أحل من إحرامي- لأن النبي صلى الله عليه وسلم  أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تشترط وقال: «إن لك على ربك ما استثنيت» (البخاري [5089]، ومسلم: [1207]) فمتى اشترط وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه فإنه يحل من إحرامه ولا شيء عليه.

وأما من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه فإنه لا ينبغي له أن يشترط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط ولم يأمر بالاشتراط كل أحد ، وإنما أمر به ضباعة بنت الزبير لوجود المرض بها. وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية خصوصا عند تغير الأحوال والأزمان مثل أن يعلو مرتفعًا أو ينزل منخفضًا أو يقبل الليل أو النهار وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار. والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبدأ في الطواف. وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد.

 

الاغتسال لدخول مكة:
وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها إن تيسر له ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند دخوله مكة (مسلم [1259]). ثم إذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود ليبتدئ الطواف... وقد سبق بيان صفة الطواف.

ثم بعد الطواف وصلاة ركعتين يأتي المسعى فيسعى بين الصفا والمروة ، وقد تمَّ  بيان صفة السعي. أما المتمتع فيسعى للعمرة، وأما المفرد والقارن فيسعيان للحج، ولهما أن يؤخرا السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة.

 

الحلق أو التقصير:
فإذا أتم المتمتع سعيه سبعة أشواط حلق رأسه إن كان رجلًا، أو قصر من شعره، ويجب أن يكون الحلق شاملًا لجميع الرأس، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس، والحلق أفضل من التقصير لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة» (مسلم [1303]). إلا أن يكون وقت الحج قريبًا بحيث لا يتسع لنبات شعر الرأس فإن الأفضل التقصير ليبقى له شعر يحلقه في الحج، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر أصحابه في حجة الوداع أن يقصروا للعمرة؛ لأن قدومهم كان صباح اليوم الرابع من ذي الحجة. وأما المرأة فإنها تُقصِّر من شعرها بمقدار أنملة.

وبهذه الأعمال تمت العمرة للمتمتع، ويتحلل بعدها إحلالًا كاملًا، ويفعل كما يفعل المحلون من اللباس والطيب وإتيان زوجته وغير ذلك. وأما المفرد والقارن فإنها لا يحلقان ولا يقصران ولا يتحللان من إحرامهما، بل يبقيان محرمان حتى يحلا يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير.

ثم إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم المتمتع بالحج ضُحَىً من مكانه الذي هو فيه من مكة، ويُستحب أن يفعل عند إحرامه بالحج ما فعل عند إحرامه بالعمرة من الغسل والطيب والصلاة فينوي الإحرام بالحج ويلبي، فيقول: "لبيك اللهم حجًا".

وإن كان خائفًا من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" وإن لم يكن خائفا من عائق لم يشترط. ويُستحب له الجهر بالتلبية إلى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة يوم العيد.

 

الذهاب إلى منى:
ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرًا من غير جمع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر بمنى ولا يجمع. والقصر: جعل الصلاة الرباعية ركعتين، ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس في حجة الوداع ومعه أهل مكة ولم يأمرهم بالإتمام ولو كان واجبًا عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفتح . لكن حيث امتد عمران مكة فشمل منى وصارت كأنها حي من أحيائها فإن أهل مكة لا يقصرون فيها .

 

الذهاب إلى عرفة:
فإذا طلعت الشمس يوم عرفة سار من منى إلى عرفة فنزل بنمرة إلى وقت الظهر (ونمرة مكان قبل عرفة مباشرة) إن تيسر له وإلا فلا حرج لأن النزول بنمرة سنة وليس بواجب ، فإذا زالت الشمس (أي دخل وقت صلاة الظهر) صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين يجمع بينهما جمع تقديم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ليطول وقت الوقوف والدعاء .

ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل ويدعو بما أحب رافعا يديه مستقبل القبلة ولو كان جبل عرفات خلفه لأن السنة استقبال القبلة لا الجبل وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الجبل وقال: «وقفت ههنا وعرفة كلها موقف». وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

فإن حصل له ملل وأراد أن يستجم بالتحدث مع أصحابه بالأحاديث النافعة أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة خصوصًا فيما يتعلق بكرم الله وجزيل هباته ليقوي جانب الرجاء في ذلك اليوم كان ذلك حسنًا، ثم يعود إلى التضرع إلى الله ودعائه ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء فإن خير الدعاء دعاء يوم عرفة.

 

الذهاب إلى مزدلفة:
فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة... فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. وإن كان يخشى أن لا يصل مزدلفة إلا بعد نصف الليل فإنه يصلي في الطريق، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل.
ويبيت بمزدلفة فإذا تبين الفجر صلى الفجر مبكرًا بأذان وإقامة ثم قصد المشعر الحرام (وهو موضع المسجد الموجود بمزدلفة) فوحد الله وكبره ودعا بما أحب حتى يسفر جدًا (والإسفار هو ظهور ضوء النهار قبل طلوع الشمس) وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقول النبي صلى الله عليه وسلم «وقفت ههنا وجمعٌ (أي مزدلفة) كلها موقف» (صحيح مسلم). ويكون حال الذكر والدعاء مستقبل القبلة رافعاً يديه.

 

الذهاب إلى منى:
فإذا أسفر جدًا سار قبل أن تطلع الشمس إلى منى ويسرع في وادي محسر (وهو وادٍ بين مزدلفة ومنى) فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة وهي الأخيرة مما يلي مكة، فهي أقرب الجمرات إلى مكة بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى كل واحدة بقدر حبة الفول تقريبًا يُكبر مع كل حصاة (والسنة عند رمي جمرة العقبة أن يستقبل الجمرة ويجعل مكة عن يساره ، ومنى عن يمينه) فإذا فرغ من الرمي ذبح هديه ثم حلق رأسه أو قَصَّر إن كان ذكرًا، وأما المرأة فتقصر من شعرها بمقدار أنملة، وبهذا يتحلل المُحْرِم التحلل الأول، فيحل له كل شيء إلا جماع زوجته. ثم ينزل إلى مكة فيطوف ويسعى للحج ثم يتحلل التحلل الثاني فيحل له كل شيء حرم عليه بسبب الإحرام.
والسنة أن يتطيب إذا أراد النزول إلى مكة للطواف بعد الرمي والحلق لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: "كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (البخاري [1539]، ومسلم [1189]).

ثم بعد الطواف والسعي يرجع إلى منى فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر والثاني عشر ويرمي الجمرات الثلاث في اليومين إذا زالت الشمس، والأفضل أن يذهب للرمي ماشيًا وإن ركب فلا بأس فيرمي الجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى ويكبر بعد كل حصاة ثم يتقدم قليلًا ويدعو دعاء طويلًا بما أحب فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلًا ليحصل السنة.

ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ثم يأخذ ذات الشمال فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه ويدعو دعاء طويلًا وكثير من الناس يهمله إما جهلًا أو تهاونًا وكلما أضيعت السنة كان فعلها ونشرها بين الناس أوكد لئلا تترك وتموت. ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ثم ينصرف ولا يدعو بعدها. فإذا أتم رمي الجمار في اليوم الثاني عشر فإن شاء تعجل وخرج من منى، وإن شاء تأخر فبات بها ليلة الثالث عشر ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل، ولا يجب إلا أن تغرب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو بمنى، فإنه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال من الغد، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره مثل أن يكون قد ارتحل وركب ولكن تأخر بسبب زحام السيارات ونحوه فإنه لا يلزمه التأخر لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره.

فإذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفر أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (مسلم [1327])، وفي رواية: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض» (البخاري [1755]، ومسلم [1328]). فالحائض والنفساء ليس عليهما طواف وداع، ولا ينبغي لهما أن يقفا عند باب المسجد الحرام للوداع لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويجعل طواف الوداع آخر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسفر فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة أو تحميل رحله أو اشترى حاجة في طريقه فلا حرج عليه ولا يعيد الطواف إلا أن ينوي تأجيل سفره مثل أن يريد السفر أول النهار فيطوف للوداع ثم يؤجل السفر إلى آخر النهار مثلا فإنه يلزمه إعادة الطواف ليكون آخر عهده بالبيت.

فائدة: يجب على المحرم بحج أو عمرة ما يلي:
[1]- أن يكون ملتزمًا بما أوجب الله عليه من شرائع دينه كالصلاة في أوقاتها مع الجماعة.
[2]- أن يتجنب ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والعصيان لقول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة:197].
[3]- أن يتجنب أذية المسلمين بالقول أو الفعل عند المشاعر أو غيرها.
[4]- أن يتجنب جميع محظورات الإحرام:
أ- فلا يأخذ شيئًا من شعره أو ظفره، فأما نقش الشوكة ونحوه فلا بأس به وإن خرج دم.
ب- ولا يتطيب بعد إحرامه في بدنه أو ثوبه أو مأكله أو مشربه ولا يتنظف بصابون مطيب فأما ما بقي من أثر الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه فلا يضر.
ج- ولا يقتل الصيد.
د- ولا يجامع امرأته.
هـ - ولا يباشر لشهوة بلمس أو تقبيل أو غيرهما.
و- ولا يعقد النكاح لنفسه ولا غيره ولا يخطب امرأة لنفسه ولا لغيره.
ز- ولا يلبس القفازين، فأما لف اليدين بخرقة فلا بأس به.
وهذه المحظورات السبعة محظورات على الذكر والأنثى .

ويختص الرجل بما يلي:
[1]- لا يغطي رأسه بملاصق فأما تظليله بالشمسية وسقف السيارة والخيمة وحمل العفش عليه فلا بأس به.
[2]- ولا يلبس القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف إلا إذا لم يجد إزاراً فيلبس السراويل أو لم يجد نعلين فيلبس الخفاف.
[3]- ولا يلبس ما كان بمعنى ما سبق فلا يلبس العباءة ولا القباء ولا الطاقية ولا الفنيلة ونحوهما.
[4]- ويجوز أن يلبس النعلين والخاتم ونظارة العين وسماعة الأذن وأن يلبس الساعة في يده أو يتقلدها في عنقه ويلبس الحزام ليجعل فيه النفقة .
[5]- ويجوز أن يتنظف بغير ما فيه طيب وأن يغسل ويحك رأسه وبدنه وإن سقط بذلك شعر بدون قصد فلا شيء عليه.

والمرأة لا تلبس النقاب وهو ما تستر به وجهها منقوبًا لعينيها فيه، ولا تلبس البرقع أيضًا. والسنة أن تكشف وجهها إلا أن يراها رجال غير محارم لها فيجب عليها ستره في حال الإحرام وغيرها (انظر كتاب مناسك الحج والعمرة للألباني وكتاب صفة الحج والعمرة وكتاب المنهج لمريد العمرة والحج لابن عثيمين رحم الله تعالى الجميع).

نسأل الله جلَّ جلاله أن يرزقنا الحج المبرور والله تعالى أعلى وأعلم  والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.