حاجتنا لفقه الأحكام القدرية والسنن الإلهية

عبد العزيز مصطفى كامل

هناك أحكام وسنن أخرى تتعلق بالمترفين، وغيرها خاصة بالظالمين، وهناك ما هي عقوبات للمعتدين، و سنن تجري على المنافقين، وأخرى تشمل عصاة الموحدين...

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -


طلاب الفقه في الأحكام الشرعية كثيرون، وهذا مهم لأنهم ينقلون لنا هدي النبوة ومنهاج خير القرون، ولكن الفقه بالأحكام القدرية - التي تسمى أيضًا بالسنن الإلهية - قليل رغم أهميته، وعزيز رغم خطورته، والتعرف على تلك الأحكام يتطلب تدبر معانيها لفهم مراميها.

فقد شاء الله سبحانه أن يجعل جريانها وتحقق أحكامها فيمن يستحقها دليلًا على أن ما أنزله من الشرع حق وصدق، كما قال تعالى : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت جزء من الآية: 53].

وبما أن مواقف الناس من (الأحكام الشرعية) التكليفية - تحليلًا أو تحريمًا - يترتب عليها إجراء (الأحكام القدرية) في الدنيا - سعادةً أو شقاء - و تنبني عليها (الأحكام الجزائية) في الآخرة - نعيمًا أو عذابًا - فقد تكاثر وتضاعف حديث الوحي عن الأخيرتين مقارنة بالأحكام التشريعية، فبينما لا تزيد آيات الأحكام التكليفية عن نحو خمسمائة آية؛ فإن الآيات المتعلقة بالأحكام القدرية والجزائية المترتبة عليها تشمل معظم القرآن، وقدرًا عظيمًا من السنة .

والأحكام القدرية منها مايتعلق بالمؤمنين من حيث ابتلاؤهم أو تمحيصهم، أو تمييز الطيب من الخبيث فيهم، أو من حيث استخلافهم قبل تمكينهم، أو تمكينهم بعد ابتلائهم، أو تبديلهم عند توليهم. ومنها مايتعلق بالكفار المعاندين من حيث الإملاء لهم، أو استدراجهم، أو الكيد لهم والمكر بهم، أو الانتقام منهم وتسليط المؤمنين عليهم.

وهناك أحكام وسنن أخرى تتعلق بالمترفين، وغيرها خاصة بالظالمين، وهناك ما هي عقوبات للمعتدين، و سنن تجري على المنافقين، وأخرى تشمل عصاة الموحدين...

وهذه السنن الإلهية تحتاج لمن رامها أن يتتبع مظانها ويتأمل مواقع ورودها بالتدبر الذي حثنا الله عليه في قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24 ] وللاعتبار الذي أمرنا أن ندرس أسبابه في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر جزء من الآية: 2 ] . ومن تأمل تلك السنن سيجد أحوال الناس موزعة على أنواعها ومقسمة على أقسامها وأحكامها، بحسب استقامتهم على دين الله أو إقامتهم على محادة شرعه ومعاداة أهله.

فبينما هناك من يخضعون اليوم لسنة الابتلاء والتمحيص، هناك آخرون يعيشون مرحلة الابتلاء بالاستخلاف الذي يسبق التمكين، وهناك من يعيشون سنة الإمهال في وقت ينتظر فيه غيرهم سنة الاستبدال، ومن الناس من يقضي سنة الاستدراج المديد انتظارا لسنة الأخذ والبطش الشديد، ولهذا فحق على المسلم أن يتعرف على فقه تلك السنن حتى يمكنه أن يفهم - تحت مجهر الوحي - ما وقع بالأمس، ومايقع اليوم ،وما يتوقع وقوعه بالغد.

الله تعالى أراد منا وأحب لنا أن نتبين أحكامه القدرية مثلما نطهر أنفسنا بالتزام الأحكام الشرعية، كي ننجو في الأحكام الجزائية، كما قال سبحانه {يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا* يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}  [النساء: 26-28].

 ولعله لأجل ارتباط تلك الأحكام الثلاثة ببعضها؛ علم النبي  صلى الله عليه وسلم كل مسلم أن يدعو فيقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». (رواه مسلم: 2720)