الخيانة وهدم الأمم .. الانقلاب التركي نموذجا

تحدث القرآن الكريم عن نفسيات الخونة بواعث خياناتهم؟ وما هو الحل الأمثل الواقعي لتجنّب شرّ الانقلابات والخيانات؟ كل ذلك سنجيب عليه من خلال التعرض إلى تاريخ الإنسانية مع الخيانة، مرور باليهود وخياناتهم كأبرز مثال للخونة، دون نسيان خطورة المنافقين على الصف الداخلي، وضرب أمثلة حيّة قديمة ومعاصرة عن أبشع الخيانات التي مرّت بالمسلمين وأدت إلى معاناتهم قرونا طويلة.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة - أحداث عالمية وقضايا سياسية - قضايا إسلامية -

إنّ تناول الأحداث الكبرى التي تقع في حياة المسلمين تستلزم الغوص في أعماقها لإدراك خلفياتها وجذورها، واكتشاف العناصر التي تتغذى منها، حتى يتضح للجميع الأرضية التي تقف عليها هذه الأحداث، ويمثل الانقلاب العسكري في تركيا محطة هامّة تستوجب التوقف عندها؛ بحثا عن أكثر الأسباب التي دفعت هذه الشرذمة الخائنة إلى بيع وطنها في السوق الدولية، مقابل دراهم معدودة ومناصب وهمية.

ولاشك أنّ الخيانة أهمّ سبب قامت عليه هذه الانقلابات الآثمة، و "الثورات المضادة "، فما دور الخيانة في تكسير وحدة الأمّة ومعاناتها عبر التاريخ؟ وما هو أثر الخيانات على حاضر ومستقبل المسلمين؟ وهل تحدث القرآن الكريم عن نفسيات الخونة بواعث خياناتهم؟ وما هو الحل الأمثل الواقعي لتجنّب شرّ الانقلابات والخيانات؟ كل ذلك سنجيب عليه من خلال التعرض إلى تاريخ الإنسانية مع الخيانة، مرور باليهود وخياناتهم كأبرز مثال للخونة، دون نسيان خطورة المنافقين على الصف الداخلي، وضرب أمثلة حيّة قديمة ومعاصرة عن أبشع الخيانات التي مرّت بالمسلمين وأدت إلى معاناتهم قرونا طويلة. مع التركيز على الغوص في نفسية الخونة باعتبارها أهمّ باعث على بيع الأوطان والشعوب.

 

الخيانة عبر التاريخ الإنساني
يعج التاريخ بقصص كثيرة لمشاهير الخونة في مختلف الأمم والمجتمعات، فالخيانة لا ترتبط بجنس أو عرق، بل هي خطيئة إنسانية ثابتة في التاريخ البشري، وقد كان اليهود أبرز مثال تاريخي يضرب في هذا المجال، فقد خانوا الرسالات، وقتلوا الأنبياء، وخانوا الوعود والعهود التي أُخذت منهم، فمن زمن سيدنا موسى عليه السلام إلى زمن النبي عليه الصلاة والسّلام، أثبت اليهود أنّهم قوم لا يعيشون دون خيانة، وأنّ الغدر سمة أساسية في نفوسهم، وقد ذُكر ذلك في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ما يُعد إشارة هامّة إلى وجوب البحث في هذا المرض النفسي والسياسي والاجتماعي، بُغية إبعاده عن ساحة المسلمين. ولا ريب أنّ البحث عن بواعث الخيانة لدى اليهود هو ما يساعدنا على فهم سبب ظهور الخيانة في أمتنا المسلمة. فما هي بواعث الخيانة لدى اليهود؟ وهل يعمل اليهود على نشرها؟


خيانات اليهود في ضوء آي القرآن الكريم
يتحدث القرآن الكريم عن أنّ سبب خيانة إبليس والجبابرة والفراعنة لربهم هو: الاستكبار والطغيان، أمّا عند الحديث عن سبب خيانة اليهود للنبوات والرسل والأنبياء، فإنّ القرآن الكريم يتحدث عن أسباب نفسية مغايرة للأسباب التي أدت بإبليس وفرعون إلى الخيانة والاستكبار والعصيان، وهي شعورهم بالذلة والاحتقار، لذلك ذكر القرآن الكريم أنّ من صفاتهم: البخل وهو أرذل طبع وأحط خلق، والغدر وهو صفة نفسية يتصف بها عادة من يشعر بالاحتقار، الجبن ولذلك كانت مجالسهم بأقوالها تختلف عن أقوالهم في مجالس يختلطون فيها بغيرهم، خيانة الأمانة، الحسد، المسخ، التيه، الذلّة والمسكنة، قساوة القلب، الكذب، نشر الفساد الأخلاقي، الاستعلاء على الغير بادعاء أنهم شعب الله المختار، وكل ذلك لتغطية شعورهم بالدناءة والاحتقار، والحديث في هذا الباب يطول، غير أنّنا ندعو إلى التعمق فيه والبحث فيه، فهو مبحث عظيم الفائدة، يكشف حقيقة الإنسان وتصرفاته عندما يتحول إلى نفسية محطمة ذليلة حقيرة، خاصّة أن القرآن الكريم بسط الحديث فيه في مواضع كثيرة، وهي صفات لا تختص باليهود فقط، بل قد تنتقل إلى غيرهم، وقد تتواجد في جماعة أو فئة استمرأت الظلم والغدر، لو ذهبنا ننزل هذه السمات والصفات على الخائنين من زمن النبوة إلى الانقلاب العسكري في تركيا لوجدنا أنّ أهم صفات الخونة نفسياتهم الحقيرة المحطمة، وشعورهم بالدونية، فالشعور بذلك كله يبعث على فعل أبشع الأفعال، ولذلك يسعى الأعداء دوما إلى اختراق صفوف المسؤولين المسلمين بتوثيق ملفات فساد مالي وأخلاقي وتهديدهم بها؛ حتى يصنعوا منهم نماذج خيانية غير عادية، بعد أن ينجحوا في إغراقهم في أوحال الشعور بالدناءة والمهانة.


المنافقون والخيانة
إن كانت هناك فئة تتفوق على اليهود في الخيانة فلاشك أنّها فئة المنافقين؛ لأنّ كشفها أمر صعب، فهي تظهر الالتزام بالأخلاق، وتوحي أفعالها بالوفاء، وتتكلم بلسان المجتمع، وتلبس ثيابه، وتعيش بين أفراده، ما يجعلها بعيدة عن المراقبة والتتبع والاحتراز؛ لهذا كانت ضرباتها أكثر إيلاماً، وأشدّ وقعا، فالظهور محل الطعن المفضل لديها، والخديعة أهم صفات غدرها، فهي تغرس خنجر الغدر على حين غرّة، وتختار الوقت والمكان المناسبين لذلك، وقد تعرّض النبي عليه الصلاة والسلام لخياناتهم، ففي غزوة أُحد خرج النبي عليه الصلاة والسلام في ألف من الصحابة، حتّى إذا كان بالشوط بين المدينة وأُحد انشق عنه رأس المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث النّاس، وقال: " أطاعهم وعصاني" ثم يقول محرضا ضد المسلمين وناصرا لكفار قريش: "ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيّها النّاس ". وقد تكرر هذا المشهد في مواقع كثيرة حفظها لنا التاريخ الإسلامي، منها خيانتهم للمسلمين في تبوك عندما حاولوا تخويف المسلمين وتثبيطهم بالقول: " أتحسبون جلاد بني الأصفر – الروم – كقتال العرب بعضهم بعضا؟ ! والله لكأنّا بكم غدا مقرنين في الحبال"؛ لذلك وجب الحذر من هذه الفئة باستمرار؛ لأنّ ذلك مطلب شرعيّ، فقد حث القرآن المسلمين على الحذر الدائم من أعدائهم، والاستعداد باستمرار لمواجهة غدرهم بالتعرف عليهم وعلى وسائلهم، وعلى الوسائل التي يواجهون بها، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، يقول الراغب : "الحذر - بالتحريك - احتراز عن مخيف، وقال - عز وجل - : {خُذُوا حِذْرَكُمْ}، أي : ما فيه الحذر من السلاح وغيره"، ويقول محمد رشيد رضا: " وظاهره التفرقة بين الحذر بالتحريك والحذر بكسر فسكون، وفي لسان العرب أن الحذر والحذر الخيفة، ومن خاف شيئا اتقاه بالاحتراس من أسبابه".


أمثلة تاريخية لخيانات كبرى جرت في الأمة الإسلامية
يشهد التاريخ الإسلامي أنّ الخيانة كانت سببا مباشرا في هزائم كثيرة لحقت بالمسلمين، وأدت إلى معاناتهم عقودا وسنوات طويلة، نذكر منها: خيانة نصير الدين الطوسي للخلافة العباسية وتسببه في جريمة حضارية رهيبة بحق المسلمين، يقول ابن كثير رحمه الله: " الخواجا نصير الدين الطوسي وزر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية، ثم وزر لهولاكو، وكان معه في واقعة بغداد"، وخيانة أمراء الشام الذين ساندوا التتر الغزاة، ومن ذلك خيانة الأمراء لمدينة ميافارقين الباسلة، التي صمدت في وجخ الحصار التتري الذي قاده ابن هولاكو ثمانية عشر شهرا، كما يذكر التاريخ خيانات ملوك الطوائف بالأندلس، خيانات تسببت في اختفاء الأندلس ومقتل وتشريد آلاف المسلمين.

أمّا في العصر الحديث فقد كانت خيانة مصطفى كمال أتاتورك مثالا بارزا، أدّى إلى الكثير من المآسي التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، وقبله شهدت الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي 160 ثورة شعبية، فشل الكثير منها بسبب الخيانة، بل إن نجاح الاحتلال الفرنسي في النزول والدخول إلى الجزائر سنة 1830 ميلادية كان بسبب خيانة حكام الولايات، الذي وعدوا الداي حسين بإرسال آلاف المقاتلين لمساندته ضد فرنسا، لكنهم خانوا الوعود، ولم يرسلوا إلا بضع عشرات من الجنود، فدفع أهل الجزائر الثمن: مئة وثلاثين سنة احتلالا بشعا أتى على الأخضر واليابس، فهل نعتبر مما سبق أم سنظل على سذاجتنا الحضارية قائمين وثابتين؟

الانقلاب التركي والخيانة الكبرى
لم يتصور أحد أن تفاجأ تركيا المسلمة بطعنة مسمومة وغادرة في ظهرها في هذا الوقت بالذات، فالدولة التركية في عصر حزب العدالة والتنمية قد حققت الكثير من الوعود التي قطعتها لشعبها، فنهضت علميا واقتصاديا وماليا، وحقق قطاع الخدمات فيها وثبة كبرى، فشقت الطرق، وأُنشئت الجسور والأنفاق، وتحققت مشاريع التنمية المحلية، وازدهرت خطوط النّقل، وارتفعت الرواتب فيها، وعمّ الخير مواطنيها واللاجئين إليها وضيوف الدولة والشعب، فماذا كان هدف الخونة الانقلابيين والحال على ما ذكرنا؟ ! ومن جهة ثانية: تعيش تركيا لحظات سنوات صعبة بسبب الضغوط الغربية عليها، والتربص الروسي بها، وعودة قسم من الاكراد إلى حمل السلاح ومحاربة الشعب والدولة، ووجود مخطط عالمي لكسر تركيا وتمزيقها وإنهائها، ومحاولة تحقيق ما لم يتحقق في معرق جنق قلعة الشهيرة، التي لولا لطف الله لكانت تركيا في خبر كان الآن، كما أن الغرب يدرك أن سقوط روسيا مع وجود تركيا قوية يعني تمكن الإسلام في الجمهوريات الإسلامية التي تحررت شكليا من الهيمنة الروسية في جنوب روسيا، فهل كانت المحاولة الانقلابية التي وفق الله مسلمي تركيا إلى إفشالها إلاّ خيانة كبرى، تستهدف التكامل مع المخطط الخارجي لضرب تركيا العدالة والتنمية والضيافة والجوار؟.

نعم لاشك أن الخونة قد باعوا ضمائرهم ووطنهم ودينهم ومبادئهم، مقابل أغراض شخصية دنيئة وضيّقة، لا ترقى حتّى إلى ما كانوا ينعمون به من خيرات وأجور ومناصب، ولكنّها النفسية الحقيرة عندما تمسخ فطرتها، فالنّفوس المريضة لا يمكن أن الاطمئنان إليها ولو كانت في رغد من العيش، قد مكنها منه حاكم عادل، لهذا وجب الأخذ بكل الإشارات التي تدل على الطبائع الخسيسة، والأخلاق الذميمة في صفوف المسؤولين، فالأخذ بها واعتبارها إنذارا لقادم محدق خطير حلّ وقائي يجنّب المسلمين مآسي وويلات قد تحل بهم لإهمالهم هذا الجانب، وهنا نوصي بدراسة نفسيات أهل المناصب العليا في الدولة، حتّى يتبين من يبيع الوطن والمصير ممن لا يبيع.

 

الكاتب: د. محمد الأمين مقراوي الوغليسي