صفات القُدُوات من القرآن الكريم " 6 " (51-60)

أيمن الشعبان

صفة مهمة للقدوة، لتحقيق مجتمع نموذجي وجيل مثالي يحمل هم الأمة وقضاياها، قال تعالى عن عباد الرحمن  { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه همسات تربوية وخواطر قرآنية من هداية كلام رب البرية؛ عبارة عن فوائد وإرشادات مقتضبة،  ووصايا وتوجيهات مختصرة، وبرقيات عاجلة، تنير الطريق وترسم المعالم، مستقاة من أخلاق الكبار وصفات العظماء، من الأنبياء والأصفياء، لصناعة وإيجاد قُدوات عملية ونماذج ربانية.

51- إتقان العمل:سمة مهمة للقائد الناجح، إذ ضرب الله تعالى مثالا عجيبافي إتقان ذي القرنين بناء وإنشاء السد، باستخدامه أعلى المواصفات،  { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف:96] ،بَنَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَسَاوَى بِهِ الْجِبَالَ الصُّمَّ الشَّامِخَاتِ الطِّوَالَ فَلَا يُعْرَفُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِنَاءٌ أَجَلُّ مِنْهُ وَلَا أَنْفَعُ لِلْخَلْقِ مِنْهُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. البداية والنهاية لابن كثير (2/132).

52- تقييد مقصد طلب الذرية بالصلاح: صفة مهمة للقدوة، لتحقيق مجتمع نموذجي وجيل مثالي يحمل هم الأمة وقضاياها، قال تعالى عن عباد الرحمن  { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } [الفرقان:74] ، وقال سبحانه عن إبراهيم عليه السلام لما سكن فلسطين  {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} ا [لصافات:100-101] .

53- البذل: والعطاء من مال وعلم وجهد ووقت؛ عنصرا أساسيا للقائد الفعال في حياة الأمة وما يعود عليها بالنفع، فعلى الرغم من أن الله سبحانه قد مكّن لذي القرنين في الأرض، إلا أنه لم يتوقف في السعي وبذل الأسباب للدعوة والجهاد ونفع الناس، {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . فَأَتْبَعَ سَبَبًا } [الكهف:84-85] ، قال القاسمي: وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر. تفسير القاسمي (7/67).

54- تقديم مصالح الأمة على مصلحته:من أهم أخلاق القائد المؤثر والقدوة الرباني، فيعقوب عليه السلام من مصلحته بقاء ولده بنيامين معه لشبهه من يوسف وتسليته به، لكن مصلحة القرية والمجتمع إرساله ليزدادوا كيل بعير، {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ يوسف:63] .

55- العفو: من الصفات المهمة للقدوة المتميز، التي تكسبه راحة النفس وانشراح الصدر، وتأليف القلوب وتماسك الصفوف، فيوسف عليه السلام النبي القائد مع كل ما فعله به إخوته عفا عنهم،  {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [ يوسف:92] ،وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين. تفسير السعدي ص404.

56- حُسن توزيع المهام:ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب صفة مهمة للقدوة الناجح، قال سبحانه واصفا حال نبينا عليه الصلاة والسلام  {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران:121] ،إن الحق يذكر بمسئوليات القائد، الذي يوزع المهام، فهذا جناح أيمن وذاك جناح أيسر، وهذا مقدمة وهذا مؤخرة. تفسير الشعراوي (3/1726).

57- الشورى: تسدد رأي القدوة والرمز والقائد المثالي، بحيث لا يتخذ القرارات المهمة لوحده، ولننظر التوجيه الرباني للنبي عليه الصلاة والسلام  { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران:159] ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا هُنَا هِيَ الْمُشَاورَة فِي شؤون الْأُمَّةِ وَمَصَالِحِهَا. التحرير والتنوير (4/147).

58- اتخاذ المستشار الأمين: ذا الرأي السديد والخبرة الكبيرة والكفاءة العالية؛ من أولويات القائد الناجح، لذلك لم يؤجل موسى عليه السلام هذا الأمر عندما كلمه ربُّهُ، قال سبحانه على لسانه موسى {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:29-32] .

59- اتخاذ مجلس شورى مخلص:لاتخاذ القرارات وإدارة الأزمات، وهذا ما فعلته ملكة سبأ كما قص سبحانه من شأنها  {قالت يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32] ، فقد كان لها مجلس شورى مكون من أكابر القوم، وفي استشارتهم دليل على حلمها وعلمها وحكمتها. سلسلة دروس صوتية" تفسير أحمد حطيبة " رقم 147.

60- الثبات على المبدأ: تكشف عن طهارة قلبه وحسن سريرته وعدم التفاته لمغريات الدنيا مهما عظمت، ولنتأمل موقف سليمان عليه السلام ورده القوي وثباته وإصراره، في دعوة ملكة سبأ للإسلام ورفضه هديتها، {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [ النمل:36] .

20- جمادى الأولى– 1438هـ

17/2/2017م