جزاء عباد الرحمن

أبو الهيثم محمد درويش

{أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)} [الفرقان]

  • التصنيفات: التفسير -

بعدما فصل سبحانه بعض صفات عباده الذين أضافهم إلى نفسه العلية تكريما و تشريفا , يخبرنا تعالى عن جزاء هؤلاء و ما أعد لهم من نعيم مقيم لا ينفد في دار الخلود الأبدي .

{أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)} [الفرقان]

قال السعدي في تفسيره : لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل فجازاهم بالمنازل العاليات فقال: { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا } أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا كما قال تعالى:  {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }  ولهذا قال هنا { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا}  من ربهم ومن ملائكته الكرام ومن بعض على بعض ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات.

قال الطبري في تفسيره :

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي, وذلك من ابتداء قوله: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} ... إلى قوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا } ... الآية  { يُجْزَوْنَ}  يقول: يُثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا{الْغُرْفَةَ}  وهي منـزلة من منازل الجنة رفيعة  {بِمَا صَبَرُوا } يقول: بصبرهم على هذه الأفعال, ومقاساة شدتها. وقوله:  {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} اختلفت القرّاء في قراءته, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة  {وَيُلَقَّوْنَ}  مضمومة الياء, مشدّدة القاف, بمعنى: وتتلقاهم الملائكة فيها بالتحية. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: " وَيَلْقَوْنَ" بفتح الياء, وتخفيف القاف.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن أعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها  {وَيَلْقَوْنَ فِيهَا } بفتح الياء, وتخفيف القاف. لأن العرب إذا قالت ذلك بالتشديد, قالت: فلان يُتَلَّقَّى بالسلام وبالخير ونحن نتلقاهم بالسلام, قرنته بالياء وقلما تقول: فلان يُلقَّى السلام, فكان وجه الكلام لو كان بالتشديد, أن يقال: ويُتَلَقَّوْنَ فيها بالتحية والسلام.

وإنما اخترنا القراءة بذلك, كما تجيز أخذت بالخطام, وأخذت الخطام.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن