الشيخ المجاهد عز الدين القسام (10)

لقد كانت حياة القسام نموذجاً للعالم المربي والداعية المصلح والمجاهد الصابر،

  • التصنيفات: ترجمات -

تمهيد:

إن كان الشيخ المجاهد البطل عز الدين القسام لا يُعرف الكثير عن تفاصيل حياته وسيرته فذلك لأنه لم يدونها أو يترك خلفه شيئا يشير إليها، لكنه ترك خلفه أثراً ومنهجاً حياً في الأمة لا تزال تقتدى به الأجيال.

 

والعجيب أن سيرة القسام تناولها طرفان قصرا في حقها، فغالب من درس حركة القسام هم اليساريون من أمثال الكاتب الفلسطيني اليساري عبد القادر ياسين الذي قدم الشيخ القسام في كتاباته في قالب اشتراكي ومناضل ثوري ينطلق من جذر طبقي ومتمرد على البرجوازية العفنة ويسعى لبناء دولة اشتراكية! في تغييب كامل للإسلام والدين عن منهج القسام وحركته.

 

وقابلَهم طرف آخر متأخر فدافع عن إسلامية القسام وسلفيته لكنه كان ضيق الأفق، فحصر القسام وجهاده في قالب ضيق بسبب رؤيته الخاصة للسياسة والدين، فمثلاً الأستاذ محمد محمد حسن شراب رجح أن الشيخ كامل القصاب شبه عميل للإنجليز وأن القسام تعامل معه مضطراً!! وأن مشاركته مع القسام في كتاب النقد والبيان مشاركة رمزية!! وأن العلاقة بين القسام والحاج أمين الحسيني كانت متوترة بسبب تذبذب الحسيني في وطنيته!! وهذا غير صحيح، وسبب هذه الآراء العجيبة هو تحليله للأحداث السياسية بطريقة متعسفة تميل لرؤية حزب التحرير، وإلا فإن المعاصرين للقصاب والحاج أمين مثل الشيخ علي الطنطاوي والشيخ زهير الشاويش لهم رؤية مناقضة تماماً حول وطنية القصاب والحاج أمين وهي الرؤية المنطقية والتي تدل عليها نتائج حياة القصاب والحسيني.

 

والداعي لهذا التنبيه هو شح المصادر الأصلية عن سيرة القسام، وندرة المصادر الصافية فيها!!

 

نشأته:

هو عز الدين عبد القادر مصطفى يوسف محمد القسام، وقد اختلف في سنة ولادته ولكن الأرجح أنه ولد في عام 1300هـ الموافق 1883م، في مدينة جبلة في محافظة اللاذقية في سوريا.

 

والده هو عبد القادر بن محمود القسام، أحد شيوخ الطريقة القادرية وكذلك جده، وكان جده قد قدم من العراق إلى جبلة، ولذلك كان بعض مريدي القادرية بالعراق يزورون قبر جده ووالده في جبلة.

 

ولذلك نشا القسام في بيت متدين وذي صبغة صوفية، ولذلك ذهب للكُتاب فقرأ القرآن وتعلم القراءة والكتابة والحساب على يد والده، ثم درس في جبلة على يد الشيخ سليم طيارة والشيخ أحمد الأورادي، ولما رأى أبوه حرصه على العلم أرسله للأزهر ليزداد علماً، وهو في سن الرابعة عشرة، وكان ذلك سنة 1896م. هذا هو كل ما لدينا عن القسام في صغره!!

 

في الأزهر:

اختلف المؤرخون للقسام حول المدة التي قضاها في مصر، ولكنها فترة لا تقل عن سبع سنوات ولا تزيد عن عشر سنوات، ولم يذكر أحد تفاصيل حياته في مصر أو العلماء الذين التقى بهم أو أخذ عنهم، لكنه ذهب للأزهر زمن تولي الشيخ محمد عبده لمشيخته، وقيامه ببعض الإصلاحات فيه، وكانت مصر آنذاك تعيش صراعاً بين التيار الإسلامي الذي يمثله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، والعلمانيين أتباع المحتلين من أمثال فرح أنطون ولطفي السيد.

 

كما أن الصراع السياسي مع الاحتلال البريطاني كان على أشدّه بعد فشل ثورة أحمد عرابي سنة 1882م، وتزعّم مصطفى كامل تيار المقاومة للاحتلال. 

 

والقصة اليتيمة التي رُويت عن حياة القسام في أثناء دراسته بالأزهر، هي حين انقطع المصروف عنه وعن رفيقه عز الدين التنوخي من أهلهما، فاقترح القسام أن يصنعا هريسة ويبيعاها للطلاب، فخجل التنوخي وقال: أنا أخجل أن أنادي على بضاعتنا، فقال له القسام: أنا أصيح على بضاعتنا، وهكذا تمكنا من إكمال دراستهما.

 

وفي مرة جاء والد التنوخي لزيارته بالقاهرة فوجده واقفاً بجوار القسام وهو ينادي على هريستهما، فسألهما: ما هذا؟

 

فخجل التنوخي وقال لوالده متنصلاً: عز الدين علمني، وهو صاحب الفكرة، ولكن التنوخي صدم حين أجابه والده: لقد علمك الحياة.

 

وهي قصة تكشف عن شخصية عصامية مبكرة للقسام، قادرة على مواجهة الظروف والتحديات وابتكار الحلول والعلاج للأزمات، وهو ما سيكون سبب تميز القسام في تكوين أول تنظيم عسكري جهادي في فلسطين

 

عودته من الأزهر:

هناك تنازع في السنة التي عاد فيها القسام لبلده جبلة بناء على الخلاف في عدد السنوات التي قضاها بالأزهر، فالبعض يرى أنه عاد في سنة 1903م والبعض يقول عاد في سنة 1906م، وقد ظهر أثر الأزهر على الشاب العائد، ومن هذه الآثار يمكن أن نستشف المحاضن التي عايشها القسام في مصر.

 

فبداية رفض القسام أن يقوم بزيارة قصر الأفندي المتحكم في المنطقة على طريقة الإقطاع، ويعلن أن المسافر والضيف هو المستحق للزيارة وليس المقيم، ويهوّن على أبيه بالقول من أن الأفندي لن يستطيع أذيتك بسبب قوتي بعلمي وإيماني، وهذا يشير إلى وجود وعي جديد في ذهن الشاب المتعلم تجاه أصحاب النفوذ والجاه.

 

ومن ثم يسافر القسام لتركيا فيزور مساجدها ليطلع على طرق التدريس وخطب الجمعة فيها قبل أن يعود ويتفرغ للتعليم والتدريس في المساجد والمدارس وتجمعات العمال وكل مكان، ويمكن أن نقسم جهود القسام للجوانب التالية:

 

1- التعليم والخطابة والإمامة:

فبدأ يعلم في زاوية والده ولم يقتصر في تدريسه على الأطفال بل علّم حتى الكبار والعمال والفتيات شملهم بتعليمه وإرشاده، ولم يقتصر على القرآن الكريم بل علمهم القراءة والكتابة والعلوم الأولية.

 

وعمل مدرساً في جامع السلطان، وبدأ يخطب في مسجد المنصورى بطريقة مختلفة عن الخطب التقليدية، فأصبحت القرية لا تتخلف عن صلاة الجمعة وبدأت آثار دعوته تنتشر ويلمسها الجميع، وبدأ وعي جديد ينتشر بين الناس يحرص على العلم والفضيلة وأداء الفروض الشرعية.

 

واستمر القسام في التدريس طيلة حياته، فدرّس في مدينتي بانياس واللاذقية قبل أن يفتتح مدرسة في بلده جبلة سنة 1912م.

 

ولما هاجر لفلسطين سنة 1920م عمل في التدريس أيضاً، فقد درّس في مدرسة الإناث الإسلامية وفي مدرسة البرج الإسلامية للطلاب، وهما مدرستان تتبعان الجمعية الإسلامية في حيفا، وكان يرعى طلابه علميا ويوجههم لبناء مستقبلهم بإرشادهم لما يوافق قدراتهم من مهن وأعمال.

 

وتولى القسام الإمامة والخطابة والتدريس بمسجد الاستقلال، والذي أصبح منارة لبث العلم والوعي في حيفا وما حولها، وكانت خطبه ودروسه تتناول كافة شؤون الدين والدنيا، وبث فيها ضرورة العلم والعمل والجهاد حتى يحافظ المسلم على إيمانه وحياته من مطامع المحتلين البريطانيين واليهود، ففي إحدى خطبه كان يخبئ سلاحاً تحت ثيابه فرفعه وقال: "مَن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقتني مثل هذا"،  فأُخذ مباشرة إلى السجن وتظاهر الناس لإخراجه وأضربوا إضراباً عاماً.

 

وينقل يوسف الشايب الذي استمع لآخر خطبة جمعة للقسام عنه قوله: "أيها الناس لقد علمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالما بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون".

 

وأسس في حيفا مدرسة لتعليم العمال الأميين القراءة والكتابة والدين وصنع منهم قادة للجهاد في فلسطين حملوا الراية بعده سنين طويلة.

 

ولزيادة مساحة تعليمه وتدريسه عمل القسام في وظيفة مأذون ليتجول بين الناس الذين قد لا يحضرون للمسجد لكنهم يحتاجون لشيخ عند الزواج، فكان يستغل الأعراس لبث الدعوة والتعليم والتواصل مع الناس.

 

وأيضاً حين تأسست في فلسطين فروع لجمعية الشباب المسلمين سنة 1928م التي كانت قد تأسست أصلاً في مصر سنة 1927م على يد نخبة من الشخصيات السلفية منهم العلامة محب الدين الخطيب والعلامة محمود تيمور باشا، كان القسام رئيساً لفرع حيفا، وفي سنة 1932م انتخب القسام رئيساً مؤقتا للمؤتمر العام لفروع الجمعية بفلسطين بوصفه أكبر الأعضاء سناً، وقد استفاد القسام من أنشطة الجمعية وانتشارها لنشر العلم والدعوة للجهاد في ربوع فلسطين وتهيئة الشباب بدنياً للجهاد من خلال فرق الكشافة التابعة للجمعية.

 

وهذه السيرة الطويلة من التعليم وبث الوعي والاهتمام بكافة شرائح المجتمع والانضمام للجمعيات تؤكد أن القسام كان على صلة وثيقة بالشيخ محمد رشيد رضا، سواء صلة مباشرة أو متابعة مجلته المنار والتي أصلت وأسست للأفكار والمنهج الذي التزمه القسام طيلة حياته.

 

2- سلفية القسام:

تميز القسام بعد عودته من مصر بالتزام الكتاب والسنة ومنهج الصحابة، مما يدلل على تأثره بالبيئة الإصلاحية السلفية في مصر، وذلك بعد أن كان صوفياً على الطريقة القادرية كوالده وجده، ومن أول مظاهر ذلك أنه منع زيارة قبر جده ووالده من قبل أفراد الطريقة القادرية بالعراق، وذلك لأن السفر لزيارة القبور من الأمور التي نهى عنها الشرع.

 

وحارب كثيرا من البدع والخرافات التي تنتشر بين الناس في ذلك الزمان مثل:

 

- حج النساء إلى مزار الخضر على سفوح جبل الكرمل وتقديم القرابين له. 

 

- ما يصنعه بعض الجهلة من بدع على المآذن في الأذان وفي المساجد عقب الصلوات وغيرها.

 

- أنكر قراءة المولد النبوي بالغناء والتمطيط، والمبالغة بتوقيعه على ألحان الموسيقى، ورفض ما أدخل في سيرة مولده صلى الله عليه وسلم من الأمور التي لم تثبت، ودعا إلى العناية بأحوال وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم، والتزام سنته العملية وسيرته كقدوة للمسلمين.

 

- أنكر على فرقتي البهائية والقاديانية اللتين تتواجدان في حيفا وعكا، وأنكر على من شارك في جنازة عباس البهائي.

 

- رفع الأصوات بالتهليل والتكبير أثناء تشييع الجنائز. وهي القضية التي كبرت حتى أصدر هو والشيخ كامل القصاب كتابه الوحيد "النقد والبيان في دفع أوهام خزيران، والدفاع عن سنة خير الأنام فيما يتعلق بالسنة، والبدعة، والمولد، وآداب قراءة القرآن، والصياح والنياح في الجنائز، والمآتم والمقابر".

 

وهذه بعض العبارات الواردة في الكتاب مما يدلّ على سلفيتهما:

* قالا عن كتاب الاعتصام للشاطبي: "وكنا نود أن نرشد الأستاذ الجزار وتلميذه إلى الاستفادة من هذا الكتاب الذي لا ندّ له في بابه، ولكنا خشينا أن يرميا مؤلفه بالنزعة (الوهابية) - التي هي حجة العاجز لترويج الباطل، وإضاعة الدين- التي رميانا بها، وإن تقدم زمن ذلك الإمام الشاطبي العظيم على زمن محمد بن عبدالوهاب ما يقرب من (500 سنة)!! لأنه لا يبعد أن يعللا ذلك بأنه من باب أخذ المتقدم عن المتأخر!".

 

* وقالا: "يعلم أن ذلك الدعي في العلم يعد العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم زيغاً، والعياذ بالله تعالى".

 

* وقالا عن اتباعهما للسنة النبوية: "وأكبر دليل على تمسكنا بسنة نبيِنا، وسنة الشيخين من بعده،  نهينا الناس عن مخالفة سنة الخلفاء الراشدين في تشييع الجنازة برفع الصوت".

 

ومن الدلائل على سلفية القسام تعاونه مع الشيخ كامل القصاب في الثورة السورية والثورة الفلسطينية، والشيخ كامل القصاب من رؤوس السلفيين في الشام وأحد الشخصيات التي اعتمد عليها الملك عبدالعزيز بن سعود في تأسيس إدارة المعارف بمكة.

 

ومن الدلائل أيضاً ثناء وتأييد كبار السلفيين في عصره عليه وعلى الشيخ القصاب بسبب كتابهما "النقد والبيان"، وهذا يؤشر لوجود علاقات ومعرفة بينه وبينهم سواء كانت علاقة مباشرة أو من خلال علاقته بالقصاب، فمن هؤلاء في الشام: الشيخ محمد بهجة البيطار، الشيخ عبد القادر بدران، محمد جميل الشطي.

 

ومنهم العلامة محمد بهجت الأثري بالعراق، والعلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية.

 

ومن الإشارات المهمة على ترسيخ القسام للسلفية في نفوس طلابه وتلاميذه ما نقله الأستاذ زهير الشاويش عن ملازمة أحد أبرز تلاميذ القسام والقادة القساميين وهو أبو إبراهيم الصغير عند إقامته بدمشق لدروس العلامة الألباني.

 

ومن الإشارات اللطيفة في هذا الباب أن العلامة الألباني كان يحضر دروس العلامة محمد بهجت البيطار لكتاب الحماسة لأبي تمام مع عدد من أساتذة المجمع العلمي منهم الأستاذ عز الدين التنوخي شريك القسام في بيع الهريسة بالقاهرة!!

 

3- مشاركات القسام الجهادية في ليبيا وسوريا:

كثير من الناس يظن أن جهاد القسام اقتصر على فلسطين ضد الإنجليز واليهود وهذا غير صحيح، فأول مشاركة جهادية للقسام كانت عام 1911م حين حرّض الناس على التطوع للجهاد في طرابلس الغرب بليبيا ضد الإيطاليين، فقاد مظاهرة في بلدته جبلة وهي تهتف: يا رحيم ويا رحمن... انصر مولانا السلطان... واكسر أعداءنا الطليان.

 

ومن ثم انتقى 250 متطوعا للجهاد وجمع لهم التبرعات ونسق مع السلطات العثمانية التي رحبت بتطوعهم، وطلبت منهم المجيء للأسكندرونة لتسفيرهم إلى طرابلس بليبيا، لكنهم مكثوا في الأسكندرونة 40 يوماً دون جدوى وبعدها طلب منهم العودة، وقيل إن التبرعات أرسلها القسام مع ثقات لأهل طرابلس، وقيل إن القسام سافر سراً لطرابلس والتقى بشيخ المجاهدين عمر المختار وسلمه إياها، وقيل بنى بها مدرسة في جبلة.

 

وحين احتلت فرنسا سوريا على إثر اتفاقيات سايس بيكو، كان القسام أول الرافضين لها والمجاهدين ضدها في شمال سوريا، وهو من أشعل الثورة في جبال صهيون ضد الفرنسيين، وتعاون في ذلك مع عمر البيطار، ولذلك باع بيته واشترى بثمنه سلاحاً يجاهد به، وهذا كله بعد أن عبأ الناس في المسجد والمدرسة واللقاءات للجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، ومن استجاب له قام القسام بتدريبه على استعمال السلاح بسبب خبرته العسكرية التي اكتسبها من فترة انضمامه للجيش العثماني زمن الحرب العالمية الأولى.

 

وبسبب دوره المركزي في الجهاد أرسل له الفرنسيون أحد أقاربه ليساومه على ترك الجهاد مقابل تعيينه قاضياً شرعياً، ولما رفض ذلك أوعزوا للديوان العرفي في دويلة العلويين التي أسسوها أن يصدروا عليه حكما بالإعدام، وهذه فضيحة من فضائح العلويين عبر التاريخ بوقوفهم إلى جانب المحتلّين ضد أبناء بلدهم وليس دينهم!!

 

وبسبب عجز الثورة عن مقاومة فرنسا في الشمال والحكم بالإعدام على القسام قرر ومعه عدد من رفاقه مغادرة سوريا لفلسطين، فذهب لدمشق ونزل عند صديقه القديم عز الدين التنوخي، وشارك في معركة ميسلون بدمشق، وبعدها سافر سراً إلى عكا ثم استقر في حيفا.

 

4 – جهاده في فلسطين:

وصل القسام عام 1921م إلى فلسطين مع بعض رفاقه ولم يكن الجهاد ضد اليهود والإنجليز غائبا عن تخطيطه، فهو تلميذ لرشيد رضا الذي كان أول من حذر من خطر الهجرات والصهيونية ومخططاتها، ولذلك سعى أن يكون قريباً من العمال والفقراء لأنهم دوماً المحضن المؤيد للجهاد لأنهم أنقى في الفطرة ولم يتلطخوا بالعمالة للمحتلين.

 

ولذلك حرص على مخالطتهم وتعليمهم وتوجيههم وزرع عقيدة الجهاد بينهم، فاستخلص من المجاهدين الشرفاء والذين قادوا الجهاد في فلسطين سنوات طويلة حتى بعد استشهاده رحمه الله. 

 

كانت رؤية القسام للخطر الصهيوني على فلسطين تنبع من ثقافة عميقة تدرك أبعاد المشروع الصهيوني مبكراً بفضل كتابات رشيد رضا، كما أنها تدرك عبثية الوسائل السلمية في مقاومتها وذلك بعد تجربته في جهاد ومقاومة الفرنسيين، وكان القسام حازماً وواضحاً أن الجهاد هو الحل لمقاومة الصهيونية، وأن على أهل فلسطين البدء بالجهاد وعدم الانتظار حتى يتمكن اليهود من توطين أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود في فلسطين.

 

ولذلك يتفق المؤرخون على أن طلاب القسام وتلاميذه هم الذين بدؤوا الجهاد في فلسطين، فثورة البراق سنة 1929م كانت رداً على اعتداء اليهود على حائط البراق، وبسبب هذه الثورة وقع عدد من الشهداء والمصابين وقدم عدد آخر للمحاكمة التي حكمت عليهم بالإعدام وهم الأبطال الثلاثة المشهورون: فؤاد حجازى وعطا الزير ومحمد جمجوم.

 

وفي يوم إعدامهم خطب القسام خطبة نارية وهو متجهم الوجه دامع العينين فقال: "يا أهل حيفا يا مسلمون ألا تعرفون فؤاد حجازي؟ ألم يكن فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم إخوانكم؟ ألم يجلسوا معكم في دروس جامع الاستقلال؟ إنهم الآن على أعواد المشانق".

 

وشارك في ثورة البراق من تلاميذ القسام وأعوانه: عبدالله الأصبح في منطقة صفد، والشيخ فرحان السعدي في قضاء جنين.

 

وكان لطلاب القسام عدة عمليات جهادية في المدة من 1931 – 1935م، منها الهجوم على مستعمرة الياجور قرب يافا، وعمليات الهجوم على مستعمرات بلغوريا وكفار هاسيديم وعتليت والعفولة، والهجوم على مستعمرة نهلال.

 

وقد كان نشاط القسام التحريضي على الجهاد موضع مراقبة من الإنجليز، ولذلك حين تصاعدت الهجمات في شمال فلسطين اتهم القسام بأنه المدبر لها، واستدعي للتحقيق لكن لم يثبت عليه شيء، وذلك بسبب دقته الفائقة في السرية والكتمان، ولكن مع هذا قرر القسام إيقاف الهجمات لفترة.

 

تنظيم القسام الجهادي:

لم يكن جهاد القسام عفويا، بل كان عن تخطيط دقيق وعمل مرتب استغرق وقتاً طويلاً، فهو كان ينتقي عناصره من رواد دروسه وخطبه، ولا يقبل إلا من يجد فيه الإخلاص والجدية والاستعداد للتضحية والالتزام بالسرية، فعندها يدخله في حلقة سرية مكونة من 5 أفراد يهيئهم علمياً ومعنوياً وعسكرياً للجهاد.

 

وقد تمكن القسام من تكوين حوالي 12 حلقة لا تعرف إحداها الأخرى، ثم ارتفع عدد أعضاء المجموعة لـ 9 أفراد.

 

ولم يكن يستثني القسام أي شريحة من تنظيمه بل حرص حتى على الرجال المتورطين في السرقة والمشاكل، إذ كان يرى فيهم جرأة وشجاعة لو وجهت للجهاد لكان لها تميز، وفعلاً كان هناك عدد من رفقاء القسام من هؤلاء مثل: حسن الباير الذي روى قصته فقال: "أنا من قرية برقين قضاء جنين، وكنت من قبل أسرق وأرتكب المحرمات، فجاءني المرحوم عز الدين القسام، وأخذ يهديني ويعلمني الصلاة، وينهاني عن مخالفة الشرع الشريف وأوامر الله، وقبل مدة أخذني المرحوم الشيخ عز الدين القسام إلى أحد جبال برقين، وهناك أعطاني بندقية، فسألته: لم هذه؟ فأجاب: لأجل أن تتمرن عليها، وتجاهد مع إخوانك في سبيل الله".

 

وتكونت قيادة للتنظيم من أبرز هذه المجموعات وكان الجميع يدفع اشتراكا شهريا بسيطا للتنظيم، وكان للتنظيم مجموعات في 13 مدينة ومنطقة في فلسطين، وكان له عدة لجان منها: لجنة لشراء السلاح، ولجنة للتجسس على العدو، ولجنة للتدريب العسكري، ولجنة للاتصالات السياسية، ولجنة التمويل.

 

وعُرف أتباع القسام بعد استشهاده باسم القساميين لأنه لم يضع اسما للتنظيم، واختلف في عدد أعضاء التنظيم عند استشهاده فبعضهم يحصره في أعضاء المجموعات فقط وبعضهم يتجاوزه ليصل لرقم 1000 قسامي!!

 

كان القسام يرفض دعوات بعض أنصاره للقيام بثورة شاملة وكان يصر على تأجيل ذلك لحين استكمال الاستعداد وتوفر مخزون جيد من الأسلحة وزيادة العدد لحد الكفاية، لأنه يعد لثورة جهادية شاملة وليس لعملية محدودة فهو يدرك فداحة المخطط الصهيوني الذي لا يجدي معه عمل جهادي محدود.

 

لكن مع تزايدد أعداد التنظيم وتصاعد وتيرة الهجرة اليهودية ووقوع ثورة البراق وتكاثر الشكوك حول نشاط القسام من قبل الإنجليز، واكتشاف تهريب اليهود للسلاح عبر الميناء كل هذا جعل القسام يسرع من خطته وينطلق للعلنية فخطب خطبته الأخيرة وخرج مباشرة من حيفا، حتى أن الشرطة بحثت عنه بعد الخطبة فلم تجده!!

 

وكانت نية القسام عدم البدء بالقتال مع الإنجليز واليهود، بل التجول بين الناس وحثهم على الجهاد واقتناء السلاح وتهيئتهم، لكن قدر الله غير ذلك، إذ بينما كان القسام يبث الدعوة الجهادية في نواحي جنين قام بعض الحرس بإطلاق النار على دورية شرطة لظنه أنها تبحث عنهم، فانتبه الإنجليز لوجود جماعة مسلحة جهادية وقد ربطتها بغياب القسام، وفورا أمر القسام بالرحيل فتوجهوا جهة أحراش قرية يعبد، ولكن الإنجليز أعلنوا عن مكافأة لمن يدل على (عصابة إجرامية قتلت شرطياً) – نفس الدعاية التي يقوم بها بشار الأسد اليوم بعد 75 سنة ضد الثوة السورية!! – وفعلا قام بعض الناس بإبلاغ الشرطة عن تحركات القسام ومجموعته وهم لا يعرفونهم، حتى حوصر القسام ومعه 8 من رفاقه، ومع هذا أمر القسام أن لا يطلقوا النار على الشرطة العرب الذين جعلهم الإنجليز في المقدمة، وإنما يطلقون على الإنجليز فقط!! ورفض القسام الاستسلام فاستُشهد بإذن الله هو وثلاثة من رفاقه وجرح وأسر الباقي منهم وذلك يوم 20/11/1935م.

 

أثر جهاد القسام على القضية الفلسطينية:

قلنا أن القسام لم يكن يسعى للصدام في ذلك الوقت مع الإنجليز فقد نقل عنه قوله: " ليس المهم أن نحرر فلسطين في بضعة أشهر، بل المهم أن نعطي من أنفسنا الدرس للأمة، وللأجيال القادمة"، وفعلاً حقق الله ما كان يقصده القسام باستشهاده وإحياء الجهاد في القضية الفلسطينية.

 

ومن أول مظاهر اليقظة الجهادية التي أحدثها القسام ما جرى في جنازته، إذ قرر الإنجليز الساعة العاشرة صباحاً لموعد خروج الجنازة من بيت القسام الواقع خارج بلدة جبلة للمقبرة دون الصلاة عليها في المسجد في وسط حيفا، لكن المشيعين رفضوا ذلك ويصف لنا الأستاذ أكرم زعيتر مسيرة الجنازة وهو من السياسيين القلائل الذين شاركوا في جنازة القسام ورفيقيه، إذ خرج الآلاف يشيعونها من كافة أنحاء فلسطين وقد تحولت لمظاهرة ضد المحتلين حيث ساروا بالجنازة لوسط حيفا وصلّوا عليها في جامع الجرينة، وهم يكبرون ويهتفون بالانتقام له، وهاجم المشيعون دائرة البوليس واصطدموا بالقوات الإضافية التي جاءت لمنع مسيرة الجنازة وأجبروها على الانسحاب، ورفض المشيعون نقل الجنازة بالسيارة وحملوها على أكتافهم للمقبرة التي تبعد خمسة كيلومترات عن البلدة.

 

وكتب أكرم زعيتر عن أثر استشهاد القسام فقال: "ليس من سبيل إلى الخلاص إلا الجهاد الدامي، وقد فتح القسام الباب فلنلجنه، وإنا لفاعلون إنها دعوة جديدة أخذت تظهر على ألسنة الناس، ويجهر بها الكتاب، ولم نكن نعرفها من قبل نفخت في الأمة روحاً لم تكن تفطن لها.. "، وقال أيضاً: "لقد سمعتك قبل اليوم خطيباً تتكئ على السيف، وتهدر من على المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حياً".   

 

وقال عجاج نويهض: "سافر القسام وكان جواز سفره الأكبر مصحفاً في جيبه وقلبه"، وقال حمدي الحسيني: "إن القسام عدل من هذه القضية ما إعوج"، وقال الشيخ سليمان التاجي: "القسام نقل القضية من دور الكلام إلى دور العمل".

 

ورثاه الشاعر فؤاد الخطيب بقوله:

 

أولت عمامتك العمائم *** شرفا تقصر عنده التيجان

إن الزعامة والطريق مخوفة *** غير الزعامة والطريق أمان

 

لقد اختط القسام في حياته وموته منهجاً جهادياً أعطى القضية الفلسطينية بعداً جديداً لا تزال ثماره الزكية تؤتى أكلها لليوم والحمد لله.

 

القساميون على نهج شيخهم :

ذكرنا أن القسام لم يكن معه إلا 8 من رفاقه يوم استشهاده لأن خطته كانت بث رفاقه بين الناس لتهيئتهم للجهاد، وفعلاً كان رفاق القسام على قدر المسئولية والأمانة.

 

وصفهم أحمد الشقيري وهو أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية فقال: "لم تجر على ألسنتهم تعابير الكفاح المسلح والحركة الوطنية والاستعمار والصهيونية، فقد كانت تعابيرهم على بساطته تنبع من ينبوع أروع وأرفع، هو «الإيمان والجهاد في سبيل اللّه»، لقد كانوا قوماً مؤمنين، صنعهم الإيمان، فصفت نفوسهم، وتآلفت إراداتهم، وتعاظمت عزائمهم، وأحسوا أن حبلهم مع اللّه قد أصبح موصولاً، وأن الباب بينهم وبينه قد بات مفتوحاً".

 

وكان زعيم القساميين الذي حمل الراية بعد القسام هو الشيخ المجاهد فرحان السعدي والذي فجر الثورة الشهيرة (ثورة 1936م) بعد 5 شهور من استشهاد القسام، والتي استمرت حتى 1939، وما لبث أن أُعدم سنة 1937 وهو في الثمانين من عمره بسب جهاده ضد الإنجليز واليهود.

 

وبعد إعدامه واصل القساميون المسيرة وكانوا القادة في المسيرة الجهادية في كل فلسطين وخاصة مناطق الشمال، فقاموا باغتيال حاكم منطقة الخليل لويس أندروز سنة 1937، ويعتبر أبو إبراهيم الكبير من أبرز القادة القساميين.

 

ولأن القساميين لم يكن لهم اسم أو حزب خاص فقد كان المؤرخون للقضية الفلسطينية يشيرون لهم باسم الشيوخ، مثل المؤرخ الفلسطيني المعروف محمد عزة دروزة في قوله: "وكل ما أمكن هو توحيد القيادة العليا في عدة مناطق تحت إدارة عصبة من طبقة المشايخ التي كان يتزعمها أبو إبراهيم الكبير خليل العيسى"، وذكر منهم:

 

الشيخ أبو إبراهيم الصغير، توفيق الإبراهيم تلميذ العلامة الألبانى لاحقاً، وأبو علي سليمان العبد القادر، والشيخ عطية أحمد، والشيخ يوسف أبو درة، الشيخ عبدالفتاح العبد.

 

الخاتمة:

لقد كانت حياة القسام نموذجاً للعالم المربي والداعية المصلح والمجاهد الصابر، ويكاد أن يكون قدّم تجربة متكاملة للعلاقة بين العلم والعمل، وأعاد للناس تجسيد المفهوم النبوي لدور العالم وهو وراثة النبوة وتجسيدها في واقع الناس بالتعليم والقدوة وقرن العلم بالعمل والجهاد، فرحمة الله على الشيخ عز الدين القسام ورفاقه بالأمس واليوم والمستقبل.

 

بقلم/ أسامة شحادة.