القزم العلماني على كتف العملاق الإسلامي

ملفات متنوعة

هناك مثل شهير عند الألمان يقول : من أطول من العملاق ؟ الجواب :
القزم إذا وقف على كتفيه . <br />
وهذا المثل هو أصدق وصف لواقع الأحداث المتوترة في مصر الآن !

  • التصنيفات: مذاهب باطلة -


هناك مثل شهير عند الألمان يقول : من أطول من العملاق ؟ الجواب : القزم إذا وقف على كتفيه .

وهذا المثل هو أصدق وصف لواقع الأحداث المتوترة في مصر الآن !

العلمانية نبت غريب على البلاد الإسلامية ، والشعوب العربية ، فهي منتج ثقافي ولد في بيئة غربية ، وفي أوضاع ثقافية وحضارية واجتماعية خاصة ، لا ينفك عن تلك البيئة وتلك الظروف ، لذلك دائما ما كان أتباع العلمانية في بلاد الإسلام شرذمة قليلين ، ليس لهم شعبية ولا قيمة إلا بالسير في ركاب الكبار ، فساروا في ركاب الاحتلال الأوروبي أولا ، ثم في ركاب الحكومات المستبدة ثانيا ، فالعلمانيون في كل بلاد الإسلام عبارة عن مجموعة الأقزام ، لم يكن ليرى مكانهم ويسمع صوتهم إلا بالركوب على أكتاف العمالقة ، لذلك فهم يحاولون اليوم الركوب على كتف العملاق الجديد ـ التيارات الإسلامية ـ .


الثورة المصرية وورطة ال CIA

ـ في نظر كثير من المحللين والمراقبين تعتبر الثورة المصرية هي الأهم والأخطر والأكثر تأثيرا على الصعيدين الإقليمي والدولي ، بل نستطيع أن نقول بكل حيادية وأمانة تقييم أن الثورة المصرية بصدد تغير خريطة التوازنات السياسية العالمية ، وان المجتمع الدولي بدوائره العربية والإسلامية والغربية ، يترقب ما تسفر عنه التجربة المصرية بعد الثورة ، هذه الأهمية هي التي جعلت مصر اليوم في بؤرة الاهتمام العالمي .

ـ مصر رغم النكسات العنيفة التي تعرضت لها خلال فترة حكم مبارك الطاغية ، والتي أفقدتها معظم زخمها الإقليمي و الدولي ، وحولتها من قيادة تاريخية ودينية وسياسية وجغرافية ، إلى قزم مذعور حبيس حدوده ، ورهين إملاءات أمريكا وإسرائيل ، مصر رغم هذه النكسات السابقة إلا إنها قد استطاعت أن تستعيد عافيتها بسرعة كبيرة ، بعد أن تخلصت من دائها ونفت خبثها ـ مبارك ونظامه الفاسد .


ـ أمريكا والمعسكر الغربي صدمتهم ما آلت إليه الأمور في مصر ، وما وصلت إليه أحداث التطورات السياسية والميدانية فيها ، فأمريكا والغرب قد ضغطا على نظام مبارك بشدة من أجل الرحيل ظنا منهم أن البديل سيكون علمانيا محضا ، وذلك بعد أن قرأت الأحداث خطئا ، وطاشت تقديرات وحسابات كبار المحللين السياسيين والمخططين الاستراتيجيين في البنتاجون والCIA، وهي الحسابات والتي جزمت باستيلاء العلمانيين والليبراليين على دفة الأمور في مصر ، لذلك كان الضغط العنيف على نظام مبارك من أجل الرحيل بعد أن انتهت مهمته وأصبحت تكلفة بقائه باهظة ، ولكن دوائر صنع القرار في المعسكر الغربي فوجئت بالحجم الكبير للتيارات الإسلامية ، والتأثير القوي لهذه التيارات والثقل الشعبي والسياسي والتنظيمي لهذه التيارات على الرغم من عهود القهر والكبت والتنكيل منذ ثورة 52 حتى سقوط نظام مبارك .

ـ هذا التأثير الكبير بان حجمه على الحقيقة في نتيجة الاستفتاءات على التعديلات الدستورية ، والاكتساح الكبير لمعسكر ( نعم ) المؤيد من قبل الإسلاميين ، في مقابل النسبة الهزيلة لمعسكر ( لا ) والمؤيد من قبل التيارات العلمانية والليبرالية ، ومنذ ظهور هذه النتائج الصادمة والمعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا في حالة ذهول واستنفار من أجل تدارك الأوضاع في مصر ووقف مالآت الأمور في مصر إذا عقدت الانتخابات في وقتها ، والتي كانت لاشك ستقود إلي مجالس نيابية وتشريعية وتنفيذية يغلب عليها التيار الإسلامي ، وهو ما سيؤدي حتما لتغيير كبير في منظومة التوازنات السياسية ، وسيفرض استراتيجيات جديدة في التعامل والتعاطي مع مستجدات الواقع العربي والإقليمي ، ومن ثم كان التحرك والدعم المالي واللوجستي للقوى العلمانية والليبرالية من أجل تصعيد الأوضاع داخل مصر قدر المستطاع لضمان استمرار الحكم العلماني .


القزم العلماني والمدد الأمريكاني

ـ العلمانيون تلقوا مساعدات مادية ومعنوية ضخمة من المعسكر الغربي بشقيه الأمريكي والأوروبي ، كما كشفت عن ذلك مصادر مطلعة وموثوق فيها داخل المخابرات العسكرية والأمن الوطني ، ولا يظن البعض أنه من قبيل تلفيق أمن الدولة البائد ، ولكنها تحريات ومصادر دقيقة ، وقد بلغت قيمة المساعدات الأمريكية لدعم الديمقراطية في مصر كما صرحت بذلك السفيرة الأمريكية في مصر أربعين مليون دولار ، ناهيك عن السفريات المكوكية لأفراد حركة 6أبريل وكفاية وجبهة التغيير وشباب عشرات الائتلافات المريبة التي تم تشكيلها بصورة سريعة وغريبة حتى بلغت 730 ائتلاف حتى الآن ، إلى أمريكا وأوروبا ، ولقاءات دورية مع الخبراء والمتخصصين والساسة الأمريكان ، من أجل تدريبهم على اختراق

المجتمعات ونشر المفاهيم والانقلاب الدستوري أو الميداني إن لزم الأمر ، ومن ثم بدأت حالة من التجاذب والاستقطاب السياسي في الشارع المصري بين المعسكرين الإسلامي و العلماني ، تمثل في محاولات تأجيل الانتخابات ، ثم دعوى الدستور أولا ، ثم الوثيقة الدستورية ، ثم المبادئ الحاكمة أو فوق دستورية ، وغيرها من مفردات وأبجديات الالتفاف على الإرادة الشعبية والردة الدستورية أو ما يعرف بالانقلاب الدستوري ، وهكذا من اجل تحجيم أو تأجيل النصر الإسلامي المتوقع .


ـ وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على نجاح الثورة المصرية ، ومرور أربعة أشهر على نتيجة الاستفتاءات ، لم يستطع المعسكر العلماني أن يحقق نجاحات تذكر في وقف النفوذ الإسلامي و اتساع دائرة تأثيره ، وقد بدا أولي ثمار ذلك في انتخابات نقابة الصيادلة التي اكتسحها التيار الإسلامي اكتساحا شاملا ، ومن ثم قررت التيارات العلمانية الوصول لمرحلة الانقلاب الميداني ، وذلك باستخدام بعض المطالب المشروعة مثل القصاص من القتلة ومحاكمة آل مبارك ، وتطهير أجهزة الدولة من بقايا أتباع النظام البائد ، في القيام بالانقلاب على المجلس العسكري وتصعيد الهجوم عليه بلا داعي ، وتوتير الأوضاع داخل مصر ، تصعيد حالة التهديد بقطع الطرق والموانئ وحتى قناة السويس ، والعصيان المدني الواسع لتدخل البلاد دوامة العنف من جديد ، ليس من أجل استلال المزيد من المكاسب والتنازلات من المجلس العسكري ، مثل تأجيل الانتخابات أو إقرار المبادئ فوق الدستورية ، ولكن من أجل التمهيد لأوضاع استثنائية عرفية تصادر معها التجربة الديمقراطية الوليدة التي كانت ستقود حتما لتيار إسلامي حاكم أو مسيطر على السلطات التشريعية والنيابية و التنفيذية .

ـ ولكن كل هذه الخطوات التصعيدية قد ذهبت أدراج الرياح بسبب الموقف الشعبي الرافض لهذا العبث العلماني والليبرالي الذي يقوم به شباب 6 أبريل وحركة كفاية ، خاصة بعد أن انكشفت حقيقة تمويلهم وتدريبهم والدور الخارجي لنشأتهم ، والهجوم الشرس الذي شنه اللواء الرويني على الحركة مدعوما بالوثائق والأدلة المخابراتية ، ولكن بقي موقف المبادئ فوق الدستورية والذي انتبه له الإسلاميون فقرروا أن ينزلوا الميدان ليعبروا بصمت وأدب وحضارة ورقي عن موقفهم الرافض لهذه المبادئ التي تمثل التفافا على اختيار الشعب ، ودفاعا عن الإرادة الشعبية والهوية الحقيقية للشعب المصري الذي اختار الإسلام ويرفض دستورا غيره .


مخططات الأقزام

ـ العلمانيون وقعوا في مأزق كبير ، فهم الذين قد اختاروا التحرير ليعبروا عن آرائهم وأفكارهم ويحشدوا الجماهير حولهم ، فإذا بالتحرير يفضحهم ويكشف عوارهم وحجمهم الحقيقي ، وإذا بمليونيتهم بمثابة "الميني مليونية" لا يتجاوز شهودها العشرة أو العشرين ألفا ، وإذ بمليونية الإسلاميين يقدر العدد المتوقع للمشاركين فيها من خمسة إلى سبعة مليون في نكسة وضربة قاصمة لجهود العلمانيين والليبراليين الرامية لفرض القيم والمناهج والدساتير العلمانية على البلاد ، ومن ثم كانت فكرة القزم الواثب على كتف العملاق ، بالاشتراك في جمعة الهوية يوم 29 يوليو ، حتى لا يتركوا الساحة خالية للتيار الإسلامي يستحوذ أكثر مما هو مستحوذ بالفعل على المشهد السياسي ، ومن أجل ركوب المليونية والحيد بأهدافها الحقيقية وهي رفض المبادئ فوق دستورية ، لمطالب أخرى كثيرة معروفة ومجمع عليها ولا حاجة لعقد مليونية أصلا من أجلها لإجماع القوى الشعبية عليها ، فهذا أحد أقطاب ومنظري العلمانية والليبرالية في مصر الآن دكتور عمرو حمزاوي يقول يوم الأربعاء في عموده اليومي بجريدة الشروق معروفة الميول والتمويل : " أستطيع أن أؤكد اليوم أن المشاركة في الجمعة القادمة ستكون مشاركة جماعية تنطلق من مطالب توافقية لا اختلاف عليها، تبدأ من حقوق أسر الشهداء والتوقف عن إحالة مدنيين إلى القضاء العسكري والتحقيق الفوري والعلني في أحداث العنف التي شهدتها مصر خلال الأيام الماضية وتتضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتطهير أجهزة الدولة من أركان نظام الاستبداد السابق ومحاكمة من أفسد الحياة السياسية ومارس القمع والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان. المطالب هذه هي التعبير الصريح والواضح عن الإرادة الشعبية التي تريد بناء دولة الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة " وانظر إلى هذا الإغفال الواضح لمطالب الإسلاميين في رفض المبادئ فوق دستورية والتي دعي للمليونية في الأساس من أجلها .

ـ وقد انتبه بعض قادة التيار الإسلامي لمخطط القزم العلماني بركوب كتف العملاق الإسلامي ، فقام بالتأكيد على أهداف المليونية والتحذير من تجاهلها ، فقد أكد الدكتور محمد يسرى الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح أن ائتلاف القوى الإسلامية الذي دعا لمليونية الجمعة القادمة متمسك بإعلان رفضه لوثيقة المبادئ "الحاكمة" للدستور كمطلب رئيسي للمليونية. وقال في أول تعليق له على المطالب التوافقية التي أعلنتها جبهة الإرادة الشعبية، أحد التجمعات الشبابية السلفية- مع ائتلاف شباب الثورة: الذي دعانا للنزول هو رفض محاولة فرض مبادئ فوق دستورية، ومن يريد أن يتوحد معنا نرحب به "و أكد يسرى رفضه لما وصفه بمحاولات تضييع هوية المليونية والالتفاف عليها وقال: "القوى الإسلامية هي التي دعت إلى هذه المليونية وبالتالي نرفض أي محاولة لتضييع هويتها".


ـ ورغم هذا الانتباه الإسلامي لهذه المخططات العلمانية للوثوب على المليونية ، فثمة دجل إعلامي متعمد في القضية بإظهار أن الإسلاميين قد تخلوا عن مطلب رفض المبادئ فوق الدستورية ، من باب التوافق على المطالب الوطنية ، مع الترويج لحملة مخاوف من صدامات وأعمال شغب ومعارك جانبية ، لتمهيد الأجواء لعمل ما كبير يقع حال إصرار التيارات الإسلامية على تنفيذ مطالبهم ، خاصة بعد التهديد بالاعتصام إذا ما رفضت الاستجابة لمطالبهم المشروعة ، وهو ما سيكون له أثر كبير سيدفع المجلس العسكري للقبول والتأجيل لهذه البدعة الدستورية ، وعندما ستنفد كل حيل العلمانيين والليبراليين وألاعيبهم من أجل وقف التيارات الإسلامية ، وهذا ما سيقود من وجهة نظر الكثيرين لصدام لا يدرى عواقبه ، لذلك كان الحذر واجبا واليقظة حتمية حتى لا تنجر البلاد لمزيد من سفك الدماء .

وأخيرا أقول للقزم العلماني في بلاد مصر: أنكم مهما فعلتم ليعلو شأنهم ، وتروج بضاعتكم فإن الشعوب ترفضكم ، ولو أجلت الانتخابات لعشرات السنين ، لن يكون لكم موطأ قدم إلا بمواطأة الأسودين : الاحتلال الخارجي أو الديكتاتور الداخلي ، ولكن القزم مهما ركب على أكتاب الكبار سيظل أبد الدهر قزم.



الخميس 28 يوليو 2011 م

بقلم: شريف عبد العزيز الزهيري

[email protected]

 

المصدر: شريف عبد العزيز الزهيري - موقع مفكرة الإسلام