فضل طلب العلم

مجالس العلم من أعظم المجالس في الأرض، بل إن الملائكة تحفها والسكينة تنزل على أهلها، والرحمة تغشاهم، ويذكرهم الله عز وجل فيمن عنده، والطريق إلى العلم يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة

  • التصنيفات: الإسلام والعلم -

الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريكٌ في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إلهَ غيره ولا ربَّ سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله إلهُ الأولين والآخرين وقيومُ السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسوله، وصفيُّه وخليلُه أمينُه على وَحْيِه وخِيرتُه من خلقِه، أرسله اللهُ تعالى رحمة للعالمين، وحُجة على الخلق أجمعين، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمة وجاهدَ في الله حقَّ الجهاد، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ثم أما بعد:

 

أسأل الله عز وجل أن يرزُقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وقلبًا خاشعًا، ذكرنا في الدرس الماضي أن الله تعالى خلقنا لعبادته ولا طريق لعبادة الله عز وجل على الوجه الذي يرضيه إلا بالعلم، وإذا حُرِمَ العبدُ العلمَ وبقيَ في ظلمة الجهل تَخَطَّفَتْه شياطين الإنس والجن؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ"[1].

 

والله عز وجل قدَّم العلم على العمل، فقال سبحانه في كتابه:  {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].

 

اعلم أولًا ثم استغفر، إذًا العلم مقدم على العمل؛ لأن الإنسان ربما يعمل كثيرًا ويكون عمله مردودًا غير مقبول؛ لأنه يعبد الله عز وجل على البدع، فلا بد أن يتعلم الإنسان أولًا، ثم يعبد الله عز وجل على بصيرة.

 

وفضائل طلب العلم عظيمة وثماره قويمة:

1- يكفي شرفًا لأهل العلم أن الله عز وجل استشْهَدهم على ما شَهِدَ به هو تبارك وتعالى؛ قال عز وجل:  {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ } [آل عمران: 18].

 

الملائكة شهدوا وأولوا العلم أيضًا شهدوا أن لا إله إلا الله.

 

2- العلماء هم ورثة الأنبياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إن الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ» [2]، الأنبياء لم يتركوا لنا مالًا أو جواهرَ، أو ذهبًا أو فضة، وإنما تركوا لنا العلم، الذي عنده العلم قد أخذ أوفر الحظوظ، فلا شيء في الدنيا أشرف من العلم؛ لذلك أمر الله عز وجل نبيَّه أن يستزيدَه من العلم؛ قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، قال العلماء: لو كان شيء أشرف من العلم، لأمرَ اللهُ نبيَّه أن يستزيده منه كما أمره أن يستزيده من العلم.

 

3- العلم نور يهدي الله به من يشاء في هذه الدنيا؛ قال تعالى:  {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى}   [الرعد: 19].

 

"الناس في الدنيا صنفان؛ إما شخص لديه علم ونور يهتدي به، وإما أعمى لا يرى.

 

4- رفع الله عز وجل قدر أهل العلم لا لحسبٍ ولا لجاه ولا لمال، وإنما بسبب العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}  [المجادلة: 11]، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ»[3].

 

وسلوك الطريق المقصود به الطريق الحسي الطريق الذي يسير عليه الإنسان، الطريق الحسي الذي تقرعه الأقدام، ويسير فيه الإنسان؛ لكي يتعلم، ويذهب إلى مكان العلم، ومنه أيضًا الرحلة لطلب العلم، فجابر بن عبدالله رضي الله عنه أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار سافر شهرًا كاملًا في طلب حديث واحد، قطع مسيرة شهر ليل ونهار، وليل ونهار، وليل ونهار على الدواب، ليس يركب سيارة، أو يركب قطارًا، إنما يركب دابة يسير فترة ويستريح فترة، حتى وصل إلى مكان يأخذ منه حديثًا واحدًا، علينا أن نستشعر النعمة الآن لما نجلس هذا المجلس، كم حديثًا نسمع، وكم آية نسمع؟

 

ويدخل في ذلك أيضًا أن يلتمس الإنسان العلم من أفواه العلماء، أو من بطون الكتب، يقرأ ويتعلم، يبحث في المسائل، يستخرج الأحكام، يتعلم دينه، أو يجلس إلى أستاذ يتعلم منه، هذا أيضًا يقال عنه: سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا حتى وإن كان جالسًا في مكانه يستمع إلى محاضرات أو دروس يزداد بها علمًا، يستمع إلى الأحاديث والآيات والفقه والتوحيد والعقيدة، وغيرها من المواد الشرعية حتى لو كان جالسًا في مكانه، من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يدخل فيه الطريق الحسي الذي تسير عليه بأقدامك والطريق المعنوي وأنت تطلب العلم وتذاكر، وتبحث في المسائل، هذا أيضًا طريق يلتمس فيه علمًا.

 

5- أجر العلم لا ينقطع حتى بعد موت الإنسان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» [4]؛ الإنسان يعيش في هذه الحياة فترة، ثم بعد ذلك يموت وتنقطع حياته، ويتوقف عمله، إلا ثلاثة أمور لا تتوقف ولا تنقطع حتى بالموت؛ صدقة جارية: يكون قد تصدَّق في حياته صدقة يجري عليه ثوابها حتى بعد موته، علم ينتفع به يكون هو تعلَّم وعلَّم غيره، وما زال غيره يعلِّم غيرَه، فالناس تنتفع بهذا العلم، فيكون له الأجر والثواب حتى يوم القيامة، حتي لو علَّم أحدًا مسألة واحدة، ثم بعد ذلك هو نقلها لغيره، وغيرُه نقلها لغيره، وهكذا حتى يوم القيامة تكون في ميزان حسنات مَن؟ في ميزان حسنات الذي بدأ، أو يكون له ولد صالح يدعو له بالمغفرة والرحمة، ويستغفر له، فالله عز وجل يقبل هذا الدعاء ولكن من ولدٍ صالح ليس أي ولد، ليس ولد فاجر أو عاصٍ، وإنما ولدٌ صالح.

 

6- يكفي في فضل العلم أنه علامة على إرادة الله عز وجل الخير؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يُفقِّهْه في الدِّينِ» [5]؛ يعني كما أن الله عز وجل يشرح صدر الإنسان لطلب العلم ويصبره على الطلب، ويأتي ويبذل ويذاكر ويجتهد، هذا من علامة إرادة الله عز وجل الخير بهذا العبد، لا يمر عليه يوم في حياته إلا ويتعلم مسألة ويفهم مسألة، ويزداد علمًا، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يسلِّمُ: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمًا نافعًا، ورزقًا طيِّبًا، وعملًا متقبَّلًا» [6]، وقوله: "من يرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين"، هذا يدخل فيه جانبان؛ فقه العقائد: العقيدة التوحيد، أصول الإيمان، وفقه الأحكام والشرائع: تعلُّم الحلال والحرام، وأمور الدين، يتعلم ذلك من الكتاب والسنة.

 

لماذا نتعلم أمور الإيمان؟

لأن الإيمان شرط في قبول العمل، العمل لا يكون مقبولًا إلا عندما يكون الإنسان مؤمنًا بالله عز وجل: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}  [المائدة: 5]، العمل لن يكون مرضيًّا عند الله عز وجل، إلا إذا كان الإنسان على عقيدة سليمة، لا يقع في الشركيات، حتى تكون أعماله مقبولة عند الله عز وجل، إذًا العقيدة والتوحيد وأصول الإيمان هذا يدخل في الفقه في الدين، وكذلك معرفة الشرائع والأحكام والعبادات كيف نُصلي؟ ما أركان الصلاة، الوضوء الطهارة، أمور المعاملات، البيع والشراء والمعاملات بين الناس؟ كل هذه الأحكام والشرائع أيضًا تدخل في الفقه في الدين.

 

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن أراد بهم الخير ممن يتعلمون ويعلِّمون الناس، وينشرون الخير بين الناس، لذلك في بدايات الطلب انتبه إلى نشاط البدايات، الإنسان في البداية يكون عنده نشاط وهمَّة، وبعد ذلك قد يصاب بالكسل، أو يشعر بالفتور أو التراخي، وتبدأ مداخل الشيطان، الشيطان لن يتركك تتعلم؛ لأن العلم هو سلاح تواجه به البدع والمنكرات والمحرمات والفتن التي في الدنيا، وتزيين الشياطين والعقائد المنحرفة، وتستطيع من خلال التسلح بالعلم أن ترد على أهل البدع والأهواء، الشيطان لن يتركك تتعلَّم، سيضع لك العراقيلَ في كل وقت وحين، أنتَ مشغول بالعمل والإنفاق على الزوجة والأولاد، أنتِ مشغولة الأولاد والبيت والزوج ومشاكل الأولاد ودروسهم، التعب الإرهاق المسؤوليات، سيضع لك العراقيل حتى يُثبطك:  «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ»  [فاطر: 6].

 

سلاح العلم هو ما تستطيع به نشر هذا الدين والدعوة إلى الله، ولو كان الإنسان على غير علم، فلن يستطيع أن ينشر العلم، أو أن يدعو إلى الله عز وجل، كما يقولون: (فاقد الشيء لا يعطيه)، أريد أن أدعو إلى الله، كيف سأدعو إلى الله وأنا فقيرة في باب العلم ليس عندي ما أدعو إليه: «بلِّغوا عني ولو آيةً» [7]، فمن لم يكن على علم بالكتاب والسُّنة، فلن يستطيع أن يدعو إلى الله عز وجل.

 

الفقه في الدين المراد به الفقه المستلزم بالعمل:

ليس فقط المراد أن الإنسان يتعلم ويفهم، ويدرس ويمتحن ويذاكر، ثم لا يعمل، العلم ليس غاية في حد ذاته، وإنما العلم وسيلة للعمل الصالح، هذه نقطة مهمة يجب أن نكون منها على بيِّنة، لماذا أريد أن أتفقه في الدين؟

حتى أعمل عملًا صالحًا، حتى أصلح قلبي، وأصلح أعمالي، وأزكِّي نفسي، وأصلح أحوالي مع الله عزو جل، ليس فقط أقول: أنا درست كتاب كذا، وأخذت شهادة كذا، ونجحت في كذا، ليس هو غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة؛ لكي تكون أعمالي صالحة مقبولة عند الله عز وجل، فطلب العلم المراد به العمل أن تتجه نية الطالب للعمل بالعلم، وهذا من مراتب الكمال، والنبي صلي الله عليه وسلم يبيِّن لنا هذا الأمر، فيقول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتَّى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن علمه ما عمِل فيه، وعن ماله من أين كسبه وفيم أنفقه"[8].

 

السؤال الأول: عن عمره فيم أفناه؟ هذا العمر الذي عشته في الدنيا أنفقته في ماذا؟ هذه الأيام والليالي والشهور والساعات والأعوام التي تمر عليك أنفقتها في ماذا؟ أنفقتها في طلب العلم، في الدعوة إلى الله، في العمل لهذا الدين، في إصلاح نفسك، في مجاهدة نفسك على الطاعة، في معرفة ما يحبه الله ويرضاه، في الدعوة إلى الخير، في إصلاح الناس، في خدمة المسلمين في أداء عملك كما ينبغي، أنفقت هذا العمر في ماذا؟ أم أنفقته أمام التلفاز والمسلسلات، أو في مجالس الغيبة والنميمة، وفي قيل وقال؟ أم أنفقته في الأسواق والمتنزهات وعلى الشواطئ؟

 

"عن عمره فيما أفناه": السؤال صعب ليس سهلًا يتخيل البعض؛ لأنه سؤال عن عمرك كله، كل حياتك كل أوقاتك وساعاتك، لو ضيَّعنا أي وقت في غير طاعة أو ضيعنا وقت في معصية، أو ضيعنا وقت حتى انشغلنا بالمباح، بماذا سنجيب وكيف سنجيب.

 

السؤال الثاني: عن جسده فيم أبلاه؟

الجسم، البدن، الأعضاء، هذا البصر الذي عندك الذي أعطاك الله عز وجل إياه، العقل الإدراك، الفهم، السمع، هذه اليد التي تتحرك وتحمل وتكتب، هذه الرجل التي تمشي، هذه الصحة، هذه القوة فيم أبليت ذلك؟ فيم أنفقت ذلك؟ فيم أنفقت تلك القوة واستهلكت تلك الأعضاء؟

 

أما السؤال عن المال، فليس سؤالًا واحدًا، وإنما يُسأل العبدُ عن ماله سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ هل أنفق ماله على طاعة الله عز وجل؟ على خدمة هذا الدين؟ أنفقته في سبيل الله أم أنفقته على المتع والملذات والشهوات؟

 

السؤال الثالث: وهو موضع الشاهد وعن علمه؟ ماذا عمِل فيه؟ إذًا المقصود بالعلم العمل، ولذلك قيل: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل؛ يعني هذا العلم الذي تعلَّمه الإنسان ينادي على العمل: أقبِل أيها العمل تعالَ، إذًا الإنسان عليه أن يعمل بعدما تعلَّم، فإن أجابه العمل، يعني أن العمل أجاب العلم، وأتى فعلًا، عمِل عملًا صالحًا، وإلا ارتحل، ارتحل العلم: ذهب بلا فائدة، ضاع ونُسِي، لم يصبح له فائدة؛ لأن الفائدة من العلم هي العمل، لذلك فمصيبة أن الإنسان يستكثر من العلوم ويتعلم ويدرس، ثم بعد ذلك لا يعمل، فيكون غرضه فقط التحصيل.

 

الآن أنت تصحح النية، لماذا أتعلم؟ هل فقط أريد أن أدرس حتى يقال أني درست، وفي حديث الثلاثة الذين تُسعر بهم النار: "إنما تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، وقد قيل: "فيُلقى في النار - عياذًا بالله - قد قيل يعني قيل عنه أنه عالم، وقيل عنه أنه قارئ وحافظ، (وقد قيل)؛ أي: أخذ أجره في الدنيا، وليس له عند الله ثواب، أول ثلاثة تُسعر بهم النار يوم القيامة؛ منهم عالم أو قارئ، وإنسان كان ينفق فيما يراه الناس في سبيل الله، وكان يتصدق ويعطي الفقراء، ولكن كان يتصدق ليُقال كريم، كان يتعلم ويعلِّم ليُقال عالم، كان يجاهد وقُتل في المعركة ليقال جريء وشجاع، فيُلقى بهم في النار، ولذلك نريد أن نحقق الإخلاص، لماذا أتعلم؟ لله عز وجل؛ لكي أصلح نفسي أصلح أحوالي مع الله، أصلح عباداتي، أصلح عقيدتي وأصلح غيري، وأدعو الناس، ولكي أعمل لهذا الدين الذي يُحارَب في كل مكان، نحن نريد أن نعمل لهذا الدين حتى ينصرنا الله عز وجل، لذلك هذه النيات يجب أن تصحَّح، العلم المستلزم للعمل، الفقه في الدين المستلزم للعمل.

 

أمثلة من حرص السلف رضوان الله عليهم على العمل بالعلم:

1- "عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "قلتُ لفاطمةَ: لو أتيتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فسألتهِ خادمًا، فقد أجْهَدكِ الطَّحنُ والعملُ، قال حسين: إنه قدْ جهَدَكِ الطَّحنُ والعملُ، وكذلكَ قال أبو أحمدَ قالتْ: فانطلِقْ معي، قال: فانطلقتُ معها، فسألناهُ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ألا أدلُّكما على ما هو خيرٌ لكما مِنْ ذلكَ إذا أويْتُما إلى فراشِكُما، فسبِّحا اللهَ ثلاثًا وثلاثين، واحمداهُ ثلاثًا وثلاثينَ، وكبِّراهُ أربعًا وثلاثينَ، فتلكَ مائةٌ على اللسانِ وألفٌ في الميزانِ»، فقال عليٌّ رضي الله عنه: ما تركتُها بعدَ ما سمعتُها مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال رجلٌ: ولا ليلةَ صِفِّينَ قال: ولا ليلةَ صِفِّينَ"[9].

 

التعليق على الحديث:

ذهبت فاطمة تشتكي الخدمة والأعمال المنزلية، تخيَّل سيدة نساء أهل الجنة كانت تعمل في المنزل وأنتِ الآن أيتها الأخت قد تشتكين من أعمال المنزل وتتسخطين أحيانًا من كثرة الأعمال والمسؤوليات، ووالله لو تأملتِ وجدتِ هذه الأعمال نعمة أن يكون عندك بيت وأنتِ تقومين بأعمال البيت، بعض الناس لا يملكون بيوتًا أصلًا، يعيشون في الشوارع أو في مخيمات الإيواء، أنتِ عندك بيت الحمد لله هذه النعمة تستحق الشكر، وهذا المطبخ الذي تشتكين مِنْهُ هذه نعمة، وكون أن الإنسان يذهب إلى الأسواق ويشتري ما يحتاج إليه من الطعام، ويرجع مرة أخرى هذه أيضًا نعمة، نعمة الأمن الحمد لله أنك تستطيعين الذهاب والإياب، نسأل الله عز وجل أن يرفع البلاء عن بلاد المسلمين، وأن يصلح أحوال الأمة يا رب العالمين، فكل هذه نعم والله، ففاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة تشتكي من أعمال المنزل وتقول: يا رسول الله، أريد خادمًا، فأرشدها صلى الله عليه وسلم إلى ما هو أحسن من الخادم، أن تسبِّح عندما تأوي إلى الفراش ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر أربعًا وثلاثين، ربما أحيانًا ننسى هذا الذكر، وبعد ذلك نشتكي من التعب والإعياء والأعمال الكثيرة؛ لأننا ما طبَّقنا السُّنة، وما فعلنا السُّنة، فهذا الذكر عند النوم يكون سببًا في الإعانة على الأعمال المنزلية وعلى الأعمال اليومية.

 

الشاهد من الحديث: قول علي رضي الله عنه: "ما تركتُها بعدَ ما سمعتُها مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"، فقه مستلزم للعمل إذا تعلَّم مباشرة يعمل، وليس يعمل مرة ويترك، كما يفعل البعض، وإنما يداوم، فظل علي رضي الله عنه طول حياته يقول هذا الذكر عند النوم، وأحيانًا الإنسان إذا انشغل ببعض الأعمال أو حصلت له مشكلة، يغفل عن الأوراد والأذكار اليومية، وبعض الناس قد يضيع ليس فقط الأذكار والأوراد، بل ربما يضيِّع الصلوات المفروضة بسبب دعوة بعض أقاربه لتناول الغداء، أو بسبب رحلة أو حفلة أو عُرس، علي رضي الله عنه لم يترك ذلك حتى في أحلك الظروف.

 

مثال آخر:

2- القرطبي المُفسر رحمه الله لما أورد حديث: «مَن نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قالَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شيءٌ حتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذلكَ» [10]، قال القرطبي في المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم (36/7): ﻭﻗﻮﻟﻪ: «فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ»؛ هذا خبر صحيح، وقول صادق، علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلًا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات، فقلت لنفسي - ذامًّا لها وموبخًا - ما قاله صلى الله عليه وسلم، فقد جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما لَقِيتُ مِن عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قالَ: «أَما لو قُلْتَ، حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ»[11].

 

الفرق بيننا وبين السلف كبير، الصحابة والتابعين وأئمة السلف، الفرق بيننا وبينهم أن همَّتَهم كانت متجهة للعمل، أما نحن فهِمم كثير منا متجهة للحفظ والدراسة والتحصيل، لكن العمل عندنا فيه مشكلة، وفيه تقصير كبير إلا من رحم الله، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها، لا يتعلمون عشر آيات حفظًا إلا وتعلموا معانيها وما فيها، وكيف يكون تطبيقها؟ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، القرآن يعني لفظه، والعلم يعني تعلم معانيه، والعمل يعني التطبيق، يتعلمون ما فيها من العلم والعمل، أما نحن الآن فعندنا مشكلة في التطبيق وفي العمل بالعلم، لذلك يجب أن نوجه نيَّتَنَا للعمل وليس فقط للعلم كمعلومات ذهنية، إنما للعمل بما تعلَّمنا، ولذلك الإنسان عليه أن يتعلم وأن يعمل بما تعلم.

 

نسأل الله عز وجل أن يفتح لنا أبواب العلم والدعوة، وأن يثبتنا جميعا في الدنيا والآخرة.

 

مجالس العلم من أعظم المجالس في الأرض، بل إن الملائكة تحفها والسكينة تنزل على أهلها، والرحمة تغشاهم، ويذكرهم الله عز وجل فيمن عنده، والطريق إلى العلم يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة، ولو خرجت من بيتك تبحث عن مجالس أهل العلم والعلماء، فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، فهل تظن أن الجاهل والعالم يستوون عند الله عز وجل:  {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}  [الزمر: 9].

 

قال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لَتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ، وإنَّ العالمَ لَيستغفرُ له مَن في السماواتِ ومن في الأرضِ، حتى الحيتانُ في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ» [12].

 


[1] ميزان الاعتدال (15/3)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[2] الترغيب و الترهيب (73/1)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.

[3] الترغيب والترهيب (73/1)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.

[4] صحيح مسلم (1631)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] صحيح مسلم (1073)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

[6] صحيح ابن ماجه (762)، من حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها.

[7] صحيح البخاري (3461)، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه.

[8] الأحكام الصغرى (871)، من حديث أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه، [أشار في المقدمة أنه صحيح الإسناد].

[9] مسند أحمد (2 /305)، إسناده صحيح.

[10] صحيح مسلم (2708)، من حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها.

[11] صحيح مسلم (2709).

[12] صحيح الترغيب (70) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.