حاسب

محمد عزت السعيد

وجه مرة بعد مرة ... وأعد التوجيه مرة بعد مرة ... أظهر لهم حبك وودك في توجيهاتك ... ومرر لهم وجود عقوبة تترتب على عدم الالتزام .... تجاهل أحيانًا

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة -

من أبجدية السعادة الزوجية .... حاسب

     من جميل ما تجد في هذا الدين العظيم أنه يراعي الفطرة البشرية والنزعة الإنسانية، يراعي حب الذات ورغبتها في الثناء والتقدير والمدح، وهو في ذات الوقت يعلم أن النفس البشرية قد جبلت على التفلت والتمرد والفتور فيدفعها أحيانًا بالزجر والردع ... ولعلك إذا تأملت القرآن الكريم فإنك قلما تجد ترغيبًا إلا وتلاه ترهيب، ذكرًا للجنة إلا ويليه ذكر للنار .... يتحدث عن الفجار وما لهم تارة ... ويعطف عليهم بالحديث عن الأبرار وما لهم تارة أخرى.. والأمثلة عديدة وكثيرة ...

     هذه بعض آيات من سورة المطففين يقول الله تعالى:" { كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ  رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ(21)} " [المطففين: 7-21]

    وهذا مبدأ عظيم يتبعه القرآن الكريم على طول الطريق، والذي هو امتداد لنهج الوسطية الذي يلتزمه في أسلوبه، ومنه وسطية الخطاب، فالنفس تحتاج إلى التعزيز والتقدير والثناء، وهذا ما يطلق عليه علماء النفس والتربية بالتعزيز الإيجابي، كما أنها قد تمل أو تفتر أحيانًا وربما تتمرد أو تخرج عن المألوف أحيانًا أخرى، ولذا فإنها بحاجة ماسة إلى ما يسمى بالتعزيز السلبي، وهو ما تجده كثيرًا في ذكر الجنة والنار والثواب والعقاب، والحديث عن المتقين والفاسقين، وأهل التقوى والصلاح، وأهل الشر والفسوق ....

    والإنسان بطبيعته يحتاج إلى رعاية ومتابعة فهو كالبذرة تحتاج إلى تعهد ورعاية منذ أن توضع في التراب....وحتى تمام حصادها، وهكذا الإنسان ... ولذا فإن البيت الناجح والأسرة السعيدة ليست هي من يترك فيها رب الأسرة- رجلاً كان أو امرأة- الحبل على الغارب ... فلا توجيه ولا متابعة ولا حساب يتبعه تعزيز بالإيجاب أو بالسلب ... لا وإنما النجاح يكمن في التوجيه والتربية الرشيدة التي تقوم على تقديم كل ما يكفل لها سعادتها واستقرارها ... فالأب يقوم بالتربية والأم كذلك من منطلق كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... وهذه المسؤولية تكفل له المتابعة، والمتابعة هي الأخرى لا بد لها من سلطة تتمثل في قرارات يتم اتخاذها من خلال تعزيز الفعل الإيجابي بثواب وجزاء، وكذلك تعزيز الفعل السلبي بعقاب ونحوه ... ولا ينصرف الذهن إلى أن المقصود هو العقاب البدني والضرب والتوبيخ ونحوه ... وإن كانت هذه هي أحدى صوره .... ولله در الشاعر حين يقول:

فقسا لتزدجروا ومنْ يكُ حازمًا       فَليَقْسُ أحيانًا وحينًا يَرْحَمُ

    والقرآن الكريم والسنة النبوية يجعلان للرجل الولاية على بيته ... بل وتحمله المسؤولية الكاملة في رعايته وبنائه على أسس من الصلاح والتقوى، وخولته بأن يستعمل هذا الحق الكامل في تربية بنيه وتعليمهم، بل أعطاه الدين الإسلامي ذلك الحق مع زوجته حال نشوزها .... قال الله تعالى: " {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ} "َ ..... تعالج الآية الكريمة واحدة من الخلافات الزوجية، وهي ظهور أمارات نشوز المرأة على الرجل، وقد تدرجت الآية في علاج تلك المشكلة بالخطوات الآتية، واتخذت التدابير الواقية من انهيار كيان الأسرة وتماسكها،{ {فَعِظُوهُنَّ} } بالتخويف من الله، والوعظ بالقول، { {وَاهْجُرُوهُنَّ} } يعني: إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن في المضاجع، قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر،{ {وَاضْرِبُوهُنَّ} } يعني: إن لم ينزعن من الهجران فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح ولا شائِن، يعني: ضربًا غير مؤثر، وقال عطاء: ضربًا بالسواك. وهو ما يمكن التعبير عنه بالضرب الصوري أو الرمزي.

     الثواب والعقاب وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها القرآن لصيانة المجتمع من غوائل الانحراف والشذوذ، لتأديب الجاني وللترهيب من الجناية، ولحث المؤمن على أن يتمسك بدينه ودفعه إلى الاستزادة من العمل الصالح رغبة فيما عند ربه ورجاء عفوه ومغفرته.

     فالإسلام يضع من التشريعات والقوانين والإجراءات الاحترازية والزاجرة ما يضمن سلامة المجتمع وسلامة الأفراد من شتى المخالفات والجرائم. كما أن القرآن ذكر جملة من الحوافز والمكافآت لمن التزم شرع خالقه وابتعد عن الأخطاء والمخالفات وذلك بما يناسب طبائع الناس كافة ويعتبر الترغيب والترهيب حافزًا يدفع إلى التعلم الصحيح والفعل الحسن وتجنب الأخطاء، وترك القبائح، وتتنوع رغبات الناس في الأشياء المادية والمعنوية، وكلها ترجع إلى ما يحفظ عليهم صحتهم ويشبع غرائزهم ويلبي دوافعهم. وصراع الحياة واختلاف الطباع يوجب أن يكون للخير ثواب وللشر عقاب فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ....

     ولذا ... ومن أجل استقرار البيت ونجاحه، وسعادته وهنائه فلابد من التوجيه والتربية والنصح والإرشاد ... وذلك يعقبه متابعة حكيمة وجادة دونما تهاون أو تفريط وكذلك دونما تشدد أو تضييق، ومن ثم تعزيز الجوانب الإيجابية في سلوكات أفراد الأسرة بمكافأة أو تقدير وثناء ونحو ذلك ... وتعزيز الجوانب السلبية في سلوكات أفرادها بلوم أو عقاب مناسب أو حرمان من مفضل لديهم أو نحو ذلك ...

     حاسب أبناءك وأهل بيتك ... وعزز لديهم السلوك الحسن، وأطفئ- بمفردات علماء النفس والتربية- السلوك السيء، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﻣﺎﻣﺔ - ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ- ﻗﺎﻝ :ﺇﻥ ﻓﺘﻰ ﺷﺎﺑًﺎ ﺃﺗﻰ ﺍﻟﻨﺒﻲ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ- ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ : ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﺋﺬﻥ ﻟﻲ ﺑﺎﻟﺰﻧﺎ. ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺰﺟﺰﺭﻭﻩ، ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ : ﻣﻪ ﻣﻪ !!ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﺃﺩﻧﻪ). ﻓﺪﻧﺎ ﻣﻨﻪ ﻗﺮﻳﺒًﺎ ﻓﺠﻠﺲ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﺃﺗﺤﺒﻪ ﻷﻣﻚ) ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ... ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻷﻣﻬﺎﺗﻬﻢ ﺃﺗﺤﺒﻪ لاﺑﻨﺘﻚ)؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ...ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻟﺒﻨﺎﺗﻬﻢ ﺃﻓﺘﺤﺒﻪ ﻷﺧﺘﻚ)؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ... ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ.ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻷﺧﻮﺍﺗﻬﻢ ﺃﻓﺘﺤﺒﻪ ﻟﻌﻤﺘﻚ) ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ.ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻟﺨﺎﻻﺗهم .(ﻓﻮﺿﻊ ﻳﺪﻩ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺎﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺍﻏﻔﺮ ﺫﻧﺒﻪ ﻭﻃﻬﺮ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺣﺼﻦ ﻓﺮﺟﻪ).ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﺘﻲ ﻳﻠﺘﻔﺖ ﺇﻟﻰ ﺷﻲﺀ.

     حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... ضع مع زوجتك وأولادك قانونًا أسريًا تتفقون عليه وضوابط محددة للتعامل بين أفراد الأسرة .... اجعلهم يشاركونكم في اتخاذ القرارات التي تكفل للبيت السعادة والاستقرار، اتفقوا على مجموعة من وسائل التأديب والتربية حال لم يلتزموا بها .... وكن أنت وزوجتك الأكثر انضباطًا والتزامًا ... فإن أكثر الخطط فشلاً وأسوأ صور التربية هي ما يكون بالقدوة السيئة .... تعليمات وضوابط وقوانين ... لكن أكثر من يفشلونها هم من وضعوها ... فلا التزام بها، ولا انضباطًا بتعليماتها ...

     حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... وجه مرة بعد مرة ... وأعد التوجيه مرة بعد مرة ... أظهر لهم حبك وودك في توجيهاتك ... ومرر لهم وجود عقوبة تترتب على عدم الالتزام .... تجاهل أحيانًا، وتغافل عن بعض ما لا يؤثر .... هدد بالحرمان ... بالعقوبة ... لُم أحيانًا ...وبِّخ أحيانًا ... لكن اجعل الهدف هو الفعل لا الشخص ... اجلس معهم ... تحاور معهم ... ناقش معهم الأفعال غير الجيدة .... لا يكن أول همك العقاب ... بل اجعل أكبر همك هو الإصلاح ....

     حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... ضع معهم قوانين ثابتة ... واستخدم التحذيرات مبكرًا .... وبيِّن الآثار السلبية المترتبة على الفعل الخطأ .... كن قدوة صالحة ... كن إيجابيًا في حسابك لهم ... تبحث معهم عن الحلول لا المشكلات ... ساعتها يطيب غرسك ويفلح سعيك .... " {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} ..." الأعراف: 58