تكريم الإسلام للمرأة وإعطاؤها حقوقها

الإسلام رفع مكانةَ المرأة، وأعلى منزلتها، وأكرمها بما لم يكرمها به دينٌ سواه، واليكم بعض صور وعادات وأحكام الجاهلية التي فيها ظلمٌ وهضم لحقوقها

  • التصنيفات: قضايا المرأة المسلمة - أحكام النساء -
تكريم الإسلام للمرأة وإعطاؤها حقوقها

من منهج ابن كثير في دعوة المرأة (2)


ثانيًا: تكريم الإسلام للمرأة وإعطاؤها حقوقها:

أوضح الإمام ابن كثير أن الإسلام رفع مكانةَ المرأة، وأعلى منزلتها، وأكرمها بما لم يكرمها به دينٌ سواه، وأشار ابن كثير إلى بعض صور وعادات وأحكام الجاهلية التي فيها ظلمٌ وهضم لحقوقها؛ كالحرمان من الميراث والصداق، أو الإضرار بها كعَضْلِها[1]، وتطويل عِدَّتِها، والبغي عليها، ونحو ذلك من صور الظلم والإهانة للمرأة واحتقارها، وأن الإسلام ضمن لها حقوقها المشروعة؛ كحق الصداق والنفقة والسُّكنى، وحق العشرة، وحق التصرف المالي، وحماها من الممارسات الظالمة، والأساليب الجائرة؛ كعضلها، وتطويل عِدتها، وحرمانها من الميراث، والإمساك بها وعدم طلاقها بقصد إضرارها، ونحو ذلك من صور البغي والظلم والعدوان.

 

فقال رحمه الله عند تفسير الآية: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]: "قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء والأطفال شيئًا، فأنزل الله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]؛ أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تَفاوَتوا بحسب ما فرَض الله لكل منهم"[2].

 

ويقول عند تفسير الآية: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]: "هذه الآية الكريمة دالَّةٌ على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه تعالى ينهى عن قتل الأولاد، كما أوصى بالأولاد في الميراث، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتَل ابنته؛ لئلا تكثُر عَيْلَتُه"[3].

 

وقال عند تفسير الآية: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]: "عن ابن عباس... قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحَقَّ بامرأته؛ إن شاء بعضهم تزوَّجَها، وإن شاؤوا زوَّجوها، وإن شاؤوا لم يُزوِّجوها، فهم أحَقُّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك، وقوله: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ}؛ أي: لا تضاروهن في العشرة؛ لتترك لك ما أَصْدَقْتَها أو بعضه، أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد"[4].

 

وعند تفسير الآية: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، قال: "إن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحْلة طيِّبًا بها، كذلك يجب أن يُعطي المرأة صداقها طيِّبًا بذلك"[5].

 

وقال رحمه الله عند تفسير الآية: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]: "هذا أمر من الله عز وجل للرجال إذا طلَّق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة: أن يُحسِن في أمرها إذا قضت عِدَّتها، ولم يبقَ منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رَجْعتُها، فإما أن يُمسكها؛ أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يُشهِدَ على رجْعتِها، وينوي عِشرتها بالمعروف، أو يُسرِّحها؛ أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويُخرِجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة، ولا تقابح.... قال ابن عباس.... وغير واحد: كان الرجل يطلِّق المرأة، فإذا قارب انقضاء العدة راجَعَها ضرارًا؛ لئلا تذهب إلى غيره، ثم يُطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلَّق؛ لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتَوعَّدَهم عليه، فقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}  ﴾ [البقرة: 231]؛ أي بمخالفته أمر الله"[6].

 

وقال رحمه الله عند تفسير الآية: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231]: "وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريِّين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبتَ على الأشعريين؟! فقال: «يقول أحدكم: قد طلقتُ، قد راجعتُ، ليس هذا طلاق المسلمين؛ طلِّقوا المرأة في قُبُل عدتها»..... وقال مسروق: هو الذي يطلق في كنهه[7]، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها؛ لتطول عليها العدة"[8].

 

وقال عند تفسير الآية: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1]: "أي احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج، {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} أي في ذلك، وقوله: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} في مدة العدة، لها حقُّ السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يُخرِجَها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج؛ لأنها مُعْتَقَلة لحق الزوج أيضًا"[9].

وغير ذلك من الحقوق الكثيرة التي كفَلَها الإسلام للمرأة.

كما أنصفها من صور الظلم والبغي والعدوان عليها، يقول رحمه الله عند تفسير الآية: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] "تهديد للرجال إذا بغَوْا على النساء في غير سببٍ، فإن الله العليَّ الكبير وليُّهنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن"[10].

 

ولذا يؤكِّد ابن كثير على أهمية احترام المرأة، ومعاملتها بالتي هي أحسن، والتلطف معها ومؤانستها، كما هو هَدْيُ الرسول صلى الله عليه وسلم مع نسائه، فيقول رحمه الله عند تفسير الآية: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]: "طَيِّبوا أقوالكم لهن، وحَسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تُحِبُّ ذلك منها فافعل بها أنت مثله، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» [11]، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، يتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يُسابِقُ عائشة أمَّ المؤمنين يتودَّد إليها بذلك، قالت: "سابَقَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبَقتُه، وذلك قبل أن أَحمِلَ اللحم، ثم سابَقتُه بعدما حمَلتُ اللحم فسبَقَني، فقال: «هذه بتلك» [12]، ويجتمع نساؤه كلَّ ليلة في بيت التي يَبِيتُ عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل معهن العَشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كلُّ واحدة إلى منزلها، فكان ينام مع المرأة من نسائه في شِعار واحد، ويضع عن كتفيه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العِشاء فدخل منزله، يسمُرُ مع أهله قليلًا قبل أن ينام؛ يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم"[13].

 

وأخيرًا نختم هذا الموضوع بكلمة لابن كثير رحمه الله من كتابه البداية والنهاية، تدل على اهتمامه بالمرأة، ومنعِ ظلمها، حتى ولو كانت غير مسلمة، فيقول رحمه الله عند كلامه حول حادثة أخذ نائب السلطان ربع أموال النصارى بدمشق لعمارة ما خرَّبه إخوانهم الفرنج في الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزوهم بسبب ذلك: "وفي أوائل هذا الشهر - شهر ربيع الآخر سنة 767هـ - ورد المرسوم الشريف السلطاني بالردِّ على نساء النصارى ما كان أُخذ منهن من الجباية التي كان تَقدَّمَ أخذُها منهن، وإن كان الجميع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحَشُ وأبلغ في الظلم"[14].

 


[1] العضل: هو منع المرأة التزوج ظلمًا، المعجم الوسيط ص 607.

[2] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 556.

[3] انظر تفسير القرآن العظيم 3/ 51.

[4] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 569 -570.

[5] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 553.

[6] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 348، 349.

[7] كنهه: أي وقته، المعجم الوسيط ص 802.

[8] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 349 والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه 10/ 82 حديث رقم (4265) انظر الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان؛ لابن بلبان علاء الدين علي الفارسي طبعة مؤسسة الرسالة، ط2، 1414هـ.

[9] انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 446.

[10] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 63.

[11] الحديث أخرجه الترمذي كتاب المناقب، باب فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم (3891)، وابن ماجه كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء رقم (1979).

[12] الحديث أخرجه ابن ماجه كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء رقم (1979).

[13] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 570، 571.

[14] البداية والنهاية 18/ 710.

_______________________________________
المؤلف: مبارك بن حمد الحامد الشريف