حكم التعزير

إن التعزير إن كان لحقوق الآدميين وجبت إقامته، لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة فلا يجوز العفو عنها إلا من قبل صاحبها فهو الذي يملك العفو أو المطالبة...

  • التصنيفات: الفقه وأصوله -

بعد أن ذكرنا في المواد المنشورة سابقاً الأدلة على مشروعية التعزير تبين لنا أن التعزير مجمع عليه إلا أنه اختلف في تحديد حكم التعزير هل هو واجب أو مندوب إليه على ثلاثة أقوال:

القول الأول:

وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه إن كان حقاً لآدمي وجب كالقصاص إلا أن يعفو صاحب الحق وإن كان حقاً لله تعالى فالأمر فيه إلى الإمام أو نائبه، فإن رأى أن فيه المصلحة ولا يرتدع العاصي عن معصيته إلا بها وجب التعزير، وإن كان غير ذلك فهو مخير إن شاء عزر وإن شاء ترك، خصوصاً إذا جاء القاضي تائباً ونادماً وشواهد هذا من الحديث النبوي كثيرة، مر بعضها معنا في ثنايا البحث نذكر منها على سيل المثال ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت يا رسول الله، قال «وما أهلكك» ؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان" متفق عليه[2].

فلم يعزره رغم أنه انتهك حرمة رمضان.

 

القول الثاني:

أن التعزير يجب مطلقاً، لأنه إن كان لحق آدمي فلا يجوز للإمام أو نائبه العفو عنه، لأنهم لا يملكون حقوق الغير، وإن كان حقاً لله تعالى فكما أن الحدود لا يجوز له العفو عنها، فالتعزير كذلك إذاً.

وأجيب عنه: بأن قياس التعزير على الحدود مطلقاً قياس مع الفارق، فإن الحدود لا تصح الشفاعة فيها إذا رفعت إلى الإمام مطلقاً، وذلك كما في حديث المخزومية التي سرقت فقطع الرسول صلى الله عليه وسلم يدها، وقال: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها[3]، رغم تشفع الشافعين فيها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تشفع فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه.

 

أما التعزير فيجوز التشفع فيه ولو بعد وصوله إلى الإمام كما مر معنا عند الحديث عن الفرق بين الحد والتعزير ومن الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود"[4].

وقوله صلى الله عليه وسلم: " «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء» " (متفق عليه) [5].

 

القول الثالث:

أنه إذا كان حقاً لآدمي وجب التعزير إذا طلبه الآدمي كالقصاص فلا يجوز للإمام أو نائبه العفو عنه، وإن كان من حقوق الله جل وعلا فالتعزير مندوب وللإمام أن يتركه، وهذا القول للشافعية كما يظهر من كتبهم[6].

 

واحتجوا بما يلي:

1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعرض عن الرجل الذي جاءه فقال إني لقيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها، فقال صلى الله عليه وسلم: "أصليت معنا، قال: نعم، فتلا عليه: ﴿  «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»  ﴾[7]" الآية ولم يعزره صلى الله عليه وسلم.

 

وأجيب: بأن إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم يحتمل أمرين:

أحدهما: أنه ترك التعزير لأن الرجل جاء معلناً توبته وندمه على ما بدر منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قد أراد تأليف الناس وترغيبهم في الإسلام، فكأنه لمصلحة يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدها.

 

2- احتجوا: بقصة الأعرابي الذي تكلم في قسمة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" وقول الأعرابي الآخر الذي تكلم في حكم حَكَمَ به النبي صلى الله عليه وسلم للزبير "إن كان ابن عمتك".

فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزرهما في الحالتين.

وأجيب: بأن هذا يعتبر تعد على شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعتبر من حقوق العباد، وحقوق العباد لا يقام التعزير فيها إذا عفا صاحب الحق.

 

الرأي الراجح:

والذي يظهر لي – والله أعلم- أن القول الأول هو الأرجح فإن التعزير إن كان لحقوق الآدميين وجبت إقامته، لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة فلا يجوز العفو عنها إلا من قبل صاحبها فهو الذي يملك العفو أو المطالبة.

 

أما إذا كان الحق لله تعالى وظهرت المصلحة في إقامة التعزير وجبت أيضاً إقامته، لأن جلب المصالح، ودفع المفاسد واجب في الشريعة الإسلامية، فإذا كان العاصي لا يرتدع ولا ينزجر إلا بتعزيره وجب ذلك لينقطع دابر الفساد وتخف الجرائم، أما إذا لم يكن هناك مصلحة في تعزير العاصي، ولم يظهر شيء من ذلك فإن الإمام مخير إن شاء أقام وإن شاء ترك، والترك مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود"[8].

 


[1] حاشية ابن عابدين 3/ 197-198، وتبصرة الحكام 2/ 217، ومغني المحتاج 4/ 194-195، وكشاف القناع 6/ 121، والفقه على المذاهب الأربعة 5/ 398، والأحكام السلطانية للماوردي ص:237-238، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص: 281.

[2] نيل الأوطار 4/ 240.

[3] صحيح البخاري 2/ 304.

[4] سبق تخريجه ص:14.

[5] سبل السلام 4/ 52.

[6] مغني المحتاج 4/ 192، والأحكام السلطانية للماوردي. ص: 237.

[7] سورة هود آية: 114.

[8] سبق تخريجه.

_____________________________________________________

الكاتب: عبدالعزيز بن زيد بن عبدالله العميقان