صراع وحرب القيم

صراع القيم وتفكيك وتدمير المجتمعات وتحويلها إلى مجتمعات القطيع في ظل قوانين الصراع الإنساني، حيث تسعى كل ثقافة وهوية ودولة لتحقيق أكبر قدر من المصالح على حساب الآخرين...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

صراع القيم وتفكيك وتدمير المجتمعات وتحويلها إلى مجتمعات القطيع في ظل قوانين الصراع الإنساني؛ هو ما تشير إليه الآية: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين} [البقرة: 251]، حيث تسعى كل ثقافة وهوية ودولة إلى إثبات وتأكيد ذاتها والعمل على الانتشار والتمدد، وتحقيق أكبر قدر من المصالح على حساب الآخرين، في ظل معركة فرض الإرادات بالقوتين الناعمة والصلبة.

ومن أهم وأول أدوات الصراع بين الدول؛ هو صراع القوة الناعمة، أو صراع القيم والهوية، حيث تسعى كل ثقافة وهوية إلى:
- تبيان وإعلاء وتمكين قيمها وثقافتها وهويتها.
- إضعاف وتفكيك وتغييب ثقافة الآخر، تمهيدا وفتحا لطريق تمددها.
- إحلال وتمكين قيمها وهويتها، محل قيم وهوية الثقافات الأخرى، بما يضمن تبعية المجتمعات الأخرى لها والدوران في فلكها وخدمة مصالحها.

وقد تعرضت منظومة القيم الكلية الحاكمة للمجتمعات الإسلامية والعربية، منذ سقوط الخلافة العثمانية وتفكك الوحدة السياسية للمسلمين عام 1924، لحرب ضروس نالت منها بشكل كبير، فأنتجت أجيالا هشة مفرغة من قيمها وثقافتها وهويتها الإسلامية الحقيقية.

وبفعل الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، والضعف المتتالي في بنية المجتمع والدولة الإسلامية، وتوالي الضعف والتفكك والتخلف، وتنسيق المستعمر الخارجي مع المستبد الداخلي، فقد مورست العديد من الخطط والاستراتيجيات التي ساهمت في تفكيك البنية القيمية للمجتمعات العربية والإسلامية.

 

المسارات الأربعة للحرب على القيم العربية والإسلامية:
أولا: استراتيجيات الصراع القيمي في تفكيك قيم وهويات المجتمعات العربية والإسلامية، لتحويلها إلى مجتمعات القطيع بالغة التخلف والضعف، والقابلة للاستبداد والعبودية والتبعية، وأداء الأدوار الوظيفية المتنوعة لخدمة الدول الكبرى.
اعتمد المستعمر الغربي خمس استراتيجيات أساسية لغزو المجتمعات المحلية وفرض قيمه وثقافته:
- استراتيجية تفكيك القيم المحليـة.
- استراتيجية تشويه القيم المحليـة.
- استراتيجية تفريغ القيم المحليــة.
- استراتيجية تغييب القيم الحاكمة.
- استراتيجية إحلال قيم بديلة للقيم المحلية، وتعمل على تنفيذ هذه الاستراتيجيات كافة المؤسسات المعنية ببناء الإنسان، من تعليم وتربية وثقافة وإعلام وفن ورياضة وتوجيه وإرشاد.

ثانيا:المسار السياسي
عملت الدول الاستعمارية على
- تفكيك قيم الوحدة الوطنية وصناعة هويات متعددة ومتنوعة؛ متمثلة في الأقليات والطوائف، لضمان التدخل وتفكيك الهوية الخاصة للمجتمعات المحلية وتفكيكها وإضعافها، وربطها بها وتوظيفها في فلكها الخاص.
- صناعة الخوف لدى الأقليات، واستخدامه في إقامة تحالفات خارجية للتدخل في الشأن الداخلي للدول لتحقيق الأهداف الاستعمارية.
- توظيف الحكام الطغاة المستبدين، وكلاء المستعمر الخارجي، في تأجيج الطائفية داخل المجتمعات التي يحكمونها، بهدف تفكيك المجتمع إلى فرق ضعيفة متناقضة، تظل في حاجة ماسة لرضى ودعم الحاكم، لضمان تحقيق مصالحها الطائفية، وتأمين ذاتها من مخاطر تمدد وجور بقية الطوائف الأخرى، ومن ثم يمكن توظيفها داخل الاستراتيجية العامة لتأمين واستقرار نظام الحكم الاستبدادي القائم.

 

ثالثا: تخريب التعليم وتجميد العقل:
ومن أهم المسارات التي أثرت بشكل كبير على تجميد العقل المسلم، وحجبه عن التفكير الإبداعي والابتكار واستمراره في تأدية دوره في حركة التجديد الفكري الإسلامي والحضاري الإنساني، هي سياسات التعليم التي وضعها المستعمر البريطاني، واختزال عملية التعليم في عمليات الحفظ والاسترجاع، بدلا من تعليم وتنمية كافة المهارات والقدرات العقلية ومناهج التفكير التي تعزز قدرة الطلاب على اكتساب العلوم والمعارف والمهارات والخبرات والتقنيات الحديثة.

في نفس الوقت الذي كانت تطبَق فيه في بريطانيا أحدث نظم التعليم في العالم، تسببت هذه السياسة في تجهيل وتخلف نظم التعليم في مصر والعالم العربي بأسره، وأنتجت مخرجا تعليميا متقادما ومتخلفا عن ركب الحياة، يستهلك الأفكار والمنتجات ولا ينتجها.

رابعا: سياسات الإبهار والإغواء
وأكثر من يمثل هذا هو النموذج الأمريكي، وقد قام بذلك من خلال:


- التسويق المبهر للذات؛ الذي يستحوذ على إعجاب وإبهار المجتمعات الأخرى الضعيفة، بما يدعوها تلقائيا إلى التقليد والتبعية.


- الجاذبية والإغراء، خاصة لمجتمعات الدول النامية التي تعيش الفقر والحرمان، وتنظر بشغف كبير للحياة الأمريكية على أنها جنة الأرض الموعودة، وأنها حلم، ورسم صورة دعاية لأمريكا بأنها تمتلك مفاتيح الحل والعقد في كل الشؤون الدولية، بل والمحلية، الخلاص الأوحد.


- رسم هالة كبيرة على الشخصية الأمريكية، باعتبارها الأكثر ذكاء وقوة وحضارة، والتي لا تخطئ ولا تقهر أبدا.


- تقديم أمريكا على أنها الدول المعيارية/ المرجعية التي تمتلك القدرة والحق في تصميم المعايير الخاصة بكل شيء مادي ومعنوي.


- تقديم القيم والثقافة الأمريكية على أنها قيم عالمية كونية مطلقة، عابرة للزمان والمكان، ولصيقة بالنمو والتقدم، ومن ثم يجب على كل من أراد النمو والتطور أن يتمسك بها.


- نشر الأفكار والمعلومات والافلام والمسلسلات والبرامج الأمريكية المخطط لها بعناية فائقة، ومن مجامع لخبراء متنوعين؛ في علم نفس المجتمعات والإعلام والتأثير.

____________________________________________________

  • اسم الكاتب: الأستاذ/ إبراهيم الديب