حتى يكون العمل للإسلام صواباً

إبراهيم الأزرق

إذا أردت علوَّ الدين حقاً فأظهر أهلَه، وإذا أردت تعظيمه في النفوس فعظم ذويه، وإن كنت صادقاً في دعوة الناس لاحترام الشريعة فاحترم حملتها

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة - - آفاق الشريعة -

بعض الأمور قد تكون مقررة من الناحية النظرية، بيد أنها تُغفَل في العمل لأسباب كثيرة، والذي يعنيني هنا هو: أن بعض ما يُغفَل في التطبيق قد يحدث بسبب إغفاله خللٌ ليس باليسير، ولعل من تلك الأمور - التي ربما أغفلها بعض الأفاضل في التطبيق، فحدث بسبب إغفالهم لها أثر سيء - مكانةُ أهل العلم. أما إغفالها العملي فبتأخيرهم - مع علمهم بثبوت فضلهم، وتقدمهم على غيرهم - أو تسويتِهم بغيرهم عند إصدار القرارات، أو حتى عند تقييم أعمالهم ووظائفهم مقارنة بآخرين.

ويبدو أن احتلال العالم الإسلامي أفلح في غرس هذه الإشكالية في الأمة، فخرج المحتل ونالت الدول استقلالها، ولا تزال (مرتبات) حَمَلةِ الشريعة العُدُول ووظائفُهم هي الدنيا في كثير من بلاد المسلمين، هذا إن قُدِّرَ لشهاداتهم اعتبارٌ؛ فقد حدثنا بعض الفضلاء من دولة شقيقة مجاورة: أن من معه شهادةٌ عليا في الشريعة، وكان مبناها على ثانوية شرعية؛ فهي ملغاة غير معتبرة في بلاده!

ولذا زهد كثير من المبرزين، ومن حباهم الله جَودةَ أذهان وذكاءً، في التخصصات الشرعية، بل حتى غدا جل من يدخلها ممن لم يتيسر له غيرها.


والعجيب أن هذا الأثر الاستعماري - إن جاز التعبير - انعكس على بعض القائمين على أعمال إسلامية، فقد تجد في برامج بعضهم: كفالة داعية، أو طالب علم، أو عالم، في بعض بلاد الله، فإذا قارنت القيمة المادية المبذولة في الكفالة مع بعض المصاريف على مشاريع أخرى، أو على رواتب بعض موظفيهم الإداريين أو الفنيين، في نفس تلك البلاد؛ وجدت البون شاسعاً، وقد تجد لهذا - في بعض الأحيان - مسوِّغات، ولكن في بعضها قد لا يبدو.

والأمر لا يقف عند حدود الكفالات، بل يتعداها إلى ميادين أخرى؛ تجد أعمال أهل العلم مغموطة غير مقدرة.

ومِن أَضْرُبِ الغَمْطِ الأخرى، التي قد تكون أشد من سابقتها: تأخير رأيهم ونظرهم؛ إذا تعارض مع رأي غيرهم في ميادينَ؛ حَرِيٌّ أن يقدم رأي أهل العلم ونظرهم فيها، بل في مجالات لا يُسوَّغ أن يُستَنطَق فيها غيرُهم، أو يُتخَذ فيها رأيُ جاهلٍ بالشريعة فيصلاً.

والحق أنه من العسير أن تتأتى دعوة الناس إلى التزام الشريعة في حياتهم، وغرس الإيمان بها في نفوسهم، وترسيخ القناعة بضرورة الرد إليها والاهتداء بهديها، وجعل القرآن لهم قائداً وإماماً؛ مع غمط من ينبغي أن نجعلهم القادة حقَّهم.


وللأسف؛ بعض الإسلاميين يريد من علماء الشريعة ومنظري الإسلام أن يكونوا تبعاً! لا يَقدِرُهم قَدْرَهم، ولا ينزِلهم منزلتَهم التي أنزلهم الله، بل يضع أقواماً فوقهم ينازعونهم أمرهم الذي عقده الله لهم؛ إذ أمر بطاعتهم والرد إليهم فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59]، وقال: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]، ثم يزعم أنه يعمل لأجل بسط سلطان الشريعة في البلاد وبين العباد!

ربما لم تجد إسلامياً في حكم شرعي على قضية طبية، يخالف ما قرره العلماء العالمون بالشريعة، البصيرون بالواقعة الطبية، والعالم إن كان عالماً عاملاً بمقتضى علمه؛ فلن يقرر حكماً دون أن يفقه النازلةَ، وتفاصيلَها التي يحتاجها لأجل إصدار حكمه، وبعد ذلك يردُّ حكمَها إلى ما تقرر عنده، من نصوص الشريعة وأصولها وقواعدها.

وبحمد الله لا نجد في واقعنا نفراً من الإسلاميين، ينازعون علماء الشريعة في الحكم على مسائل اقتصادية، تتعلق بالتجارات مثلاً؛ فيحكمون بِحِلِّ ما قرر العلماء تحريمه أو العكس، بحجة أن العلماء ليسوا تجاراً! وإنما يترك أمر التجارة لأهلها.

والسبب هو أن أمر الحل والحرمة مستقر - عند العامة - رده إلى نصوص الشريعة، وإلى أهلها العالمين بها، فالتجارة والبيوع - مثلاً - وإن لم يكن أهل العلم من أصحابها، إلاّ أن الحكم على صورها ونوازلها مردود إليهم، يصدر عن رأيهم فيها، إذ بعد تصورهم لمسائلها يكون إيقاع الحكم الشرعي عليها.

غير أن هذه الأمر الظاهر قد يحصل فيه اضطراب على بعض الأصعدة، ولعلي أمثِّل ههنا بمثال، اضطرب فيه بعض الحادبين العاملين للإسلام، على تباين في درجة الاضطراب.

والمثال المضروب متعلق بالصعيد السياسي؛ فبعد أن أفلح المستغربون وأهل العلمنة في الفصل بين السياسة والدين، في نفوس بعض المثقفين، حتى غدا عند بعضهم أن محل حديث أهل الشريعة منحصر في أحكام الطهارة!!

ولعل من أسباب هذا الفصل: جهل بعض طلاب العلم بقضايا السياسة، وربما كانت لذلك دوافع مختلفة، بعضها نابع من تنحيتهم القسرية، وبعضها ناتج عن نحو رغبة بعضهم عن هذا المجال، وإيثارهم ترك الخوض فيه لبعض العلماء المختصين، كما أن أفرعاً من العلم قد يتركها بعض أهل العلم لأسباب خاصة تتعلق بهم. 

وهؤلاء كمن ترك الخوض في علم المواريث - مثلاً - لضعفه في الحساب، ومثل هذا يعذر ولا ينبغي أن يكلف ما لا يطيق، غير أن جهل عالم ما بالمواريث لا يقتضي أن يجهل غيره من العلماء قسمتها، بل واجب على أهل العلم أن يُلِمَّ بعضهم بها، وكذلك السياسة، بيد أن أصحاب الأهواء اتخذوا جهل بعض طلاب العلم ذريعة لمآربهم في الفصل بين الشريعة والحياة، أو عدم الرد إليهم في الشؤون السياسية.


والإشكال الكبير يكمن في متابعة بعض الإسلاميين لهم، فتجد بعضهم يبني خططه ويوجه تصرفاته تبعاً لتحليلات سياسية مجردة عن حكم الشريعة، صدرت ممن ليس له إلمام بالشريعة، وإن كان سياسياً إسلامياً في الجملة، فلا يبالي أن يدعم أو يؤيد أو يصوت أو ينصر مَن حذر علماء الشريعة من تأييده؛ لظنه أن المختصَّ الجاهلَ بالشريعة أبصر بالمصلحة السياسية، ولا يُقَدِّرُ أن المصلحة المعتبرة هي الشرعيةُ الكلية التي تراعي المصلحةَ السياسية، وتوازن بينها وبين المفاسد الأخرى الناجمة عن مخالفة الشرعية، لا المصلحة السياسية أو الاقتصادية أو الطبية الضيقة، ولئن كانت الجدوى الاقتصادية وحدها ليست مسوغاً للإقدام على مشروع، وكذلك الطبية؛ فينبغي أن نعي أن المصلحة السياسية كذلك لابد فيها من الرد إلى أهل العلم المعتبرين، فحدُّ السياسي أن يقرر المصلحة السياسية المرجوة خلف عمل، وما سوف ينجم عنه من آثار وفقاً للقوانين، أما أن يقول للناس: يندب لكم كذا، ويحرُم عليكم كذا، ويجب عليكم كذا!! فهذا ما ليس له طالما كان سياسياً مجرداً.

بل في كل عمل يتعلق به حكم من الأحكام التكليفية؛ يتعين الرد إلى الشريعة وأهلها، من أجل استنباط الصواب فيه.

ومن المفارقات المضحكة أن نرجع لأهل العلم في قضايا يسيرة - أدلتها واضحة لكثير من طلاب العلم - متعلقة ببعض العبادات مثلاً، ونقر بالحاجة إليهم في ذلك الأمر اليسير، ونعلن الافتقار إليهم... ثم نستبد بالرأي دونهم في قضايا أمة.


إن من علامات اضطراب العامل للدين: خللُ ميزانِ التقييم لديه فإن وجدته يحرص على التحليل السياسي؛ إن كان مصدره غربياً، أو مِن جاهلٍ بالشريعةِ موغلٍ في السياسة، ولا يعبأ به؛ إن صدر عن عالم أو طالب علم، نظر في القضية ثم أصدر فيها رأياً، مُعْتَمِداً فيه على حاصل سنوات من مكابدة العلم والنظر في نصوص الشريعة؛ إن وجدته كذلك فاعلم أنه قد جانب الصواب.

فمثل هذا - من حيث لا يشعر - يدعو إلى إقصاء الرؤية الشرعية عن التطبيق في أرض الواقع، والاستعاضة عنها برؤيةٍ لمثقفين؛ سياسيين في مجال السياسة، واقتصاديين في مجال الاقتصاد، أطباءَ في مجال الطب... إلخ، والنتيجة: دولة علمانية، أو منحرفة نحوها! فهل يعي العاملون للإسلام هذه الحقيقة.


أخي العامل للدين:

إذا أردت علوَّ الدين حقاً فأظهر أهلَه، وإذا أردت تعظيمه في النفوس فعظم ذويه، وإن كنت صادقاً في دعوة الناس لاحترام الشريعة فاحترم حملتها.. قدر منزلتهم، واعرف مقامهم، وأعلن فضلهم على من سواهم، وتمثل دائماً في فعالك قول ربك: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَْلْبَابِ} [الزمر:9]، واجعل ديدنَك الردَّ إلى من أمر الله بالرد إليهم؛ لتكون على صواب.

وإلاّ فأعد النظر في دعوتك، وتأمل إلامَ تدعو؟

فإن المشكلة الكبرى ليست في بعض الحكومات، وتنحيتها لأهل العلم، أو عدم تقديرهم لمحلهم، بل الأدهى أن يكون هذا الإشكال لدى مؤسسات ومجموعات وجماعات وناشطين إسلاميين!