غزة ودرجات التغيير

إننا نعيش وإياكم مأساةَ غزةَ وتفاصيلها التي تُدمي القلب والعين معًا، قتل وتهجير وتشريد، وهدم البيوت فوق ساكنيها، ودمار للبنى التحتية، حتى دور العبادة والمدارس والمستشفيات لم تَسْلَم من الدمار والخراب، مخالفة لكل الشرائع السماوية، والقوانين والأنظمة الوضعية الدولية المتعارَف عليها.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -
غزة ودرجات التغيير

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وصحابته أجمعين؛ أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أيها المسلمون في شتى بقاع العالم، يا أحرارَ العالم كله.

 

باختصار شديد وقول وجيز جدًّا: إننا نعيش وإياكم مأساةَ غزةَ وتفاصيلها التي تُدمي القلب والعين معًا.

 

قتل وتهجير وتشريد، وهدم البيوت فوق ساكنيها، ودمار للبنى التحتية، حتى دور العبادة والمدارس والمستشفيات لم تَسْلَم من الدمار والخراب، مخالفة لكل الشرائع السماوية، والقوانين والأنظمة الوضعية الدولية المتعارَف عليها.

 

فاليهود معروفون بأنهم لا عهد لهم ولا ميثاق؛ قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [البقرة: 100]، فهم أصحابُ غدرٍ ومكيدة وحسد؛ كما وصفهم الله تعالى، ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

وما ذلك إلا بسبب الخِذلان والتيه من العالم كله تجاه إخوانهم المستضعفين في غزة وكل فلسطين؛ وعليه فلا حلَّ إلا بالتغيير على درجاتٍ قرَّرتها الشريعة بِناءً على القدرة والطاقة، من خلالها يعرف الإنسان درجته المعنيَّ بها؛ ففي الصحيح: «من رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده»، وهذا يشمل الحكومات والدول ونحوهم في المقام الأول.

 

وهنا نشير إلى مواقف أحرار العالم في بعض الدول الغربية الذين كان لهم موقف مشرِّف مع فلسطين سابقًا ولاحقًا.

 

ولا شكَّ أن التغيير باليد متفاوت من حيث التفصيل؛ فالدول فيها درجات بحسب قوتها وتأثيرها، لكن المهم هو إحداث تغيير.

 

- «فإن لم يستطع فبلسانه»، وهنا دور العلماء والدعاة، والمنظمات الإنسانية والحقوقية، والإعلاميين والصحفيين، والنخب السياسية، ونحوهم.

 

- «فإن لم يستطع فبقلبه»، وهذا يشمل عامة الناس المستضعفين الذين لا يقدرون على قول كلمة الحق، ولا على نصرة إخوانهم المسلمين بالكلمة، فيسعهم حينئذٍ الإنكار بالقلب، ولا أقل من هذا أبدًا، فإن لم يحصل الإنكار بالقلب، دخل الإنسان في الإثم.

 

وكذلك أصحاب الإنكار باليد واللسان إن لم ينكروا، دخلوا تحت الإثم؛ لأنهم تركوا ما بوسعهم أن يعملوه.

 

والمأمور به إذا لم يتيسَّر فعلُه على الوجه الأكمل الذي أمَر به الشرع لعدم القدرة عليه، وإنما يمكن فعل بعضه مما يمكن تجزُّؤه، فيجب فعل المقدور عليه، ولا يُترك الكلُّ بسبب البعض الذي يشُقُّ فعله، وهذا معنى القاعدة الفقهية المشهورة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، ومن تطبيقاتها في واقعنا المعاصر لا يجوز للإنسان ترك نصرة المظلومين بالقول، بحجة عدم القدرة على نصرتهم بالفعل، ونحو ذلك.

 

وفي هذا الصدد إني لأتعجب من بعض الهيئات العلمية الساكتين عما يجري؛ والله يقول: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 187]، ويقول: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]، وقد أمرك الله بقول الحق، ومنه نصرة المظلوم كما في الصحيح.

 

ويسعنا الإشادة هنا بموقف الأزهر كمؤسسة علمية تأريخية شامخة ومؤثرة، كان لها دور بارز في قضايا الأمة من حيث الجملة ومنها غزة، وكذلك موقف بقية المؤسسات العلمية ممن تكلموا وبينوا موقفهم الإيجابي من إخوانهم في غزة.

 

ختامًا: أوجه رسالة لكل الهيئات والمؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، وكذلك النخب السياسية أن قوموا بواجبكم أمام ربكم، ولا تقللوا من أيِّ عمل تقومون به تجاه إخوانكم، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من احتقار المعروف أيًّا كان في مواضع متنوعة من أعمال البر والخير؛ كالتواضع والإنفاق وكل معروف؛ فقال كما في صحيح مسلم: «لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»، وقال في إسداء المعروف: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسِنَ شاة».

 

وعند ابن حبان في صحيحه: ((قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح حتى رأينا أنه يراها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة».

 

فما بالكم بكلمة الحق، ونصرة المظلومين والمستضعفين؛ فإن جهاد الكلمة من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله؟

ستقابلون الله تعالى فأعِدُّوا للسؤال جوابًا.

 

والتاريخ يسجل لكم أو عليكم، فَلْتَكُنْ لكم بصمة خير لأنفسكم قبل غيركم.

 

نسأل الله النصر والتمكين لإخواننا في فلسطين، وأن يتقبل شهيدهم ويعافي جريحهم، ويهلك اليهود المعتدين، يا قوي، يا متين.

_________________________________________________
الكاتب: د. عبدالله محمد البكاري الخديري