ظاهرة الغش في الامتحانات

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: النهي عن البدع والمنكرات - الطريق إلى الله -
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شابٌّ نشأتُ في أسرةٍ فقيرة جدًّا، واستعنتُ بالله وصبرتُ على دراستي حتى أصبحتُ أستاذًا جامعيًّا، لكن المشكلة أني لا أتحمَّل أخطاء الآخرين؛ فالطلابُ يغشون، والزملاءُ يَتَسَتَّرون عليهم، والآخرون لا يهتمون!

المشكلة أني لا أفعل مثلهم، وأُحارب الغشَّ بكل ما أوتيتُ مِن قوةٍ، حتى أصبحتُ مكروهًا مِن الزملاء والطلاب!

أنا أدرك تمامًا خطورةَ الغش على مستقبل البلاد، وأثره في إعاقة مسيرة التقدم، بالإضافة إلى حساب الله تعالى لي!

أخبروني ماذا أفعل؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فشَكَر الله لك غيرتك على تعدِّي حُدود الله، وعلى صَدْعك بالحق، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وهذا بفضل الله تعالى دليلٌ على قوة إيمانك، ومُراقَبة الله تعالى والخوف منه، وقوة الوازِع الدِّيني، واستشعار المسؤولية تجاه المجتمع، إلى غير ذلك من الصفات النبيلة.

ومع الأسف الشديد، لا يكاد أحدٌ يجهل أن الغش في الجامعات مِن البلايا العظيمةِ التي لها أكبرُ الأثر في تخلُّفنا العلمي، وفي الفساد الإداري المستشري في بلادنا؛ فالطالبُ الذي يحصُل على شهادته بالغش يُصبح في المستقبل مُوَظفًا في الدولة أو غير ذلك من الأعمال، ولا يتصور أن يكون مؤتَمَنًا على عمله، وقد حصل على رخصة عمله بالغشِّ.

ولو عَلِم مَن يُيَسِّر الغشَّ للطلاب حجمَ الجناية والخيانة التي يجرُّونها على عموم الأمة لرَحِم نفسه أولًا؛ فالغشُّ الدراسيُّ أعظم خطَرًا وجُرمًا من الغش في المُعَامَلات؛ من بيعٍ وشراءٍ وزواجٍ وغير ذلك؛ فإنه يؤدِّي إلى فساد العنصر البشري الذي هو أهم عامل في نهضة الشعوب والأمم، ولذلك كان مِن واجب ‏المصلحين في كل زمان ومكانٍ إنكار الغش الدراسي، واحتساب ما يلحق مِن أذى عند الله تعالى؛ {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: {مَن رأى منكم مُنْكَرًا فلْيُغَيِّره بيدِه، فإن لم يستطعْ فبِلسانه، فإن لم يستطعْ فبقَلْبِه، ‏وذلك أضعفُ الإيمان}؛ رواه مسلم.

وعلى الرغم مِن أنَّ خُلُق الغش مما يُدْرَك قُبحه ببداهة العقل والفِطَر السليمة، إلا أن الشرائع السماوية جاءتْ بما يُوافق الفِطَر والعقل الصريح فحرَّمَتْه، وبيَّنَتْ أنَّ المؤمن الحق لا يتَّصِف به؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن غشَّنا ‏فليس منَّا»؛ رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.

فإذا كان كذلك، فالواجبُ على كل مسؤولي الطلاب أن يمنعوا منه، وأن يقوموا بمُراقَبة الطلاب على أحسنِ وَجْه، وألا يُسْمَح به، ولا يُتغاضى عنه، ولا يسهله أو يعاون مَن فعل هذا؛ قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وأنت أيها الأخ الكريم قد استرعاك اللهُ في جامعتك على تلامذتك، فيجب عليك القيامُ بما كُلِّفْت به وفقًا لما يحبه الله ويرْضاه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته»؛ رواه البخاري. وروى النسائيُّ والترمذيُّ عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟!».

ولْتَحْمَد الله أنْ جَبَلك على الكراهية الشديدة للغشِّ، وهذا دليلٌ على حياة قلبك، فاستمرَّ على ما أنت عليه، وستكون إن شاء الله قدوةً حسنة للآخرين، ويكون لك أجرُ السبق، فـ«مَن سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فعمل بها بعده، كتب له مِثْلُ أجْرِ مَن عمل بها، ولا ينقص مِن أُجورِهم شيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلام سنةً سيئةً، فعمل بها بعده كتب عليه مِثْل وِزْر مَن عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم عن جرير، وروى أيضًا عن أبي هريرة: «مَن دعا إلى هدى، كان له مِن الأجْر مثل أُجُور مَن تبِعَه، لا ينقص ذلك مِن أُجُورِهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه مِن الإثم مثْل آثام مَن تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا».

ولا يخفى على مِثْلك أن دعاة الحق المصلحين غالبًا ما يكونون قلة مُضطهدةً، أثرُهم ضعيفٌ في حياة الكثرة السادرة في غيِّها، وحسبُهم أنهم قد اتخذوا لهم في الحياة مسلكًا يُعرفون به أنهم رجالٌ صالحون مُصلحون، لا يحبُّون الفساد لأمتهم، ولا يخالفون مبادئهم وما عرف عنهم، ولا يُوافقون غير المصلحين، مهما تعرَّضوا لضغوطٍ وإرهابٍ نفسيٍّ وأذى، ولا يستوحشون في طريق الإصلاح من قلة السالكين، ولا يغترون بكثرة الهالكين.

هذا هو الحلُّ الذي تبحث عنه، أن تثبتَ على ما أنت عليه، وتستمدَّ العونَ مِن الله تعالى، وتتطلع إلى ما عنده، وأن تثقَ في عدْلِه سبحانه، وتتزوَّد لمعركة الإصلاح بالزاد الأصيل؛ أعني: زاد العبادة لله، والتوجه إليه بالصلاة، والصبر على ما يُصيب المصلحين من عنادٍ وإعراضٍ وانحراف القلوب، ومِن الابتلاء والأذى في النفس في المال، وذلك الزاد الصالح أدْعى لقطْعِ الطريق على التردُّد بعد العزْم والتصميم؛ كما قال سبحانه تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].

وادعُ غيرك مِن زملائك إلى التمسُّك بتلك القِيَم بالحكمة والموعظة الحسَنة والرِّفق واللين، وذكِّرْهم بضرَر الغشِّ الدِّراسي على البلاد والعباد، واصبرْ عليهم حتى يصلحَ الله حالهم.

وفَّقك الله لكلِّ خيرٍ، وثبَّتك على الخير والحقِّ والعدْل.