هروب الزوجة إلى بيت أهلها

خالد عبد المنعم الرفاعي

رجل بينه وبين زوجتِه مشكلاتٌ بسبب رفض العلاقة الحميمة، ومؤخراً ذهبت إلى أهلها بسبب هذه المشكلة، ويسأل: ماذا أفعل معها؟

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صديقي متزوِّجٌ مِن فتاةٍ أحبها، في بداية الزواج وجَد رسائلَ قديمةً بينها وبين شابٍّ، وبينهما كلامُ حبٍّ، فذُهل وأخبر زوجتَه بالأمر فاعتذرتْ له، وأخبرتْه بأنَّ ذلك قديم جدًّا، وهذه رسائلُ لا أهمية لها، وقامتْ بإحراقها، وأُغلق الموضوع.

ظلَّت الحياةُ بينهما سنوات طويلة - نحو 18 عامًا - فيها مشكلات كثيرة؛ والسببُ الرئيسُ أنها لا تريد الجِماع، وعصبيَّة جدًّا، وعند أدنى مشكلة تهرُب لبيت أهلها وتَمْكُث لأيام، يَشْكُو مِن عَصَبِيتها، وعدم احترامه، وعدم تقبُّلها توجيهاته، وكان يصبر عليها كثيرًا لأنَّ بينهما أولادًا، وتعوَّد منها على نُفُورها واختلاقِها للمشكلات.

منذ شهرين غَضِبَ الزوجُ غَضَبًا شديدًا، فحاولتْ أن تُرضيه الزوجةُ، وهنا فوجئ بصدمةٍ، ولاحَظ عليها أنها تُجيد ما يَطلبه منها في الفراش، ولاحظ لُيونةً منها لَم يرها منذ سنوات، فاحتدَّ النِّقاش بينهما، ولامها أنها لم تكن تُظهر ذلك لسنوات، وعندما بدأ يستفسر عن كلِّ ما كان منها خلال السنوات الماضية هربتْ إلى بيت أهلِها، وجلستْ هناك بضعة أشهر، وعندما ذهب ليُعيدها لبيت الزوجية طردتْه أمام إخوتِها.

فما رأيُكم وتوجيهكم لهذه المشكلة؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فجزاك الله خيرًا أيها الأخ الكريم لشدة حِرصك على مصلحة صديقك، وصلاح بيته.

وإنَّ مِن نافلة القول ومَكرور الكلام أن نذكرَ أن أكثر النِّساء لا تستقيم لزوجِها إلا بعد مدةٍ من الزواج، طالتْ أو قَصُرَتْ بحسب استعدادِها النفسيِّ، وحكمة الزوج وثقافته الأُسريَّة، ومدى معرفته بطبيعة المرأة ومَفاتيح شخصيتها، فالْتِواءاتُ نفسِ المرأة تكْمُن وترتكز في فِكْرِها وعقْلِها، وكلُّ مَن نشَد الاستقامةَ التامَّة لخُلُق زوجته مُنِي بالخسارة، فهناك مراكزُ في شخصية المرأة لا تقبَل التقويم، ولا يطمع في استقامتها، تمامًا كما لا يقبل الضِّلْع الاستقامة، وهذا هو قولُ المعصوم صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنِّساء؛ فإنَّ المرأة خُلقتْ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضلَع أعْلاهُ، فإنْ ذَهَبْتَ تُقيمُه كسَرْته، وإنْ تركْتَهُ لَم يزلْ أعْوَج، فاستوصوا بالنِّساء»؛ متَّفق عليه، عن أبي هريرة.

وفي رواية لمسلمٍ: «إنَّ المرأةَ خُلِقتْ مِنْ ضلعٍ، لن تستقيمَ لك على طريقةٍ، فإنْ استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوَج، وإن ذهبتَ تُقيمها كسرتَها، وكسرُها طلاقُها».

ومَن رام مِن زوجته ترْك اعوجاجها أفضى الأمرُ إلى طلاقِها، والرجلُ لا بدَّ له من زوجةٍ يَسْكُن إليها، وتعمل جاذبية الفطرةِ بينهما عملَها، فلْيُلاطفها ويصبر على ما لا يستقيم مِن أخلاقها، وذلك لأنَّ المرأة خُلِقَتْ على صفةٍ لا يُفيد معها تأديبٌ ولا تأنيبٌ أو نُصح، فلم يبقَ إلا الصبر والملاطفة وترك المخاشنة والاحتِساب.

أمرٌ آخر: لَمَّا كانتْ علاقةُ الجنسين - الذَّكَر والأنثى - صلةَ نفس بنفس، وسكنٍ وقرارٍ، ومودَّةٍ ورحمة، تَطَلَّبَ هذا وقتًا حتى تتماهى النفسان، طال هذا الوقت أو قَصُر، والعجَبُ لا ينقضي مِن صاحبك؛ فإنَّ زوجته لما تحسَّنَتْ في العلاقة الخاصَّة بعد كلِّ هذه الأعوام الطويلة على إثر غضبٍ منه عليها، فبدلاً مِن أن يحمد الله أنه عَلِم نوعًا من الدواء لعلاج شخصيتها، ظلَّ يُؤَنِّبها على ما مضى في سالف الدهْرِ، حتى انقلبتْ عليه ثانيةً، وذهبتْ غاضبةً إلى أهلِها!

وأنا أدْعُوه إلى تأمُّل ما ورَد في كتاب الله الكريم مِن آيات بشأن الأسرة، وأن يتأمَّل ألفاظها الحانية الرفيقة النَّدِيَّة، وهي تُعَبِّر عن الصِّلة التي يفترضها الإسلامُ لذلك الرباط الوثيق، والميثاق الغليظ، وكيف يُصَوِّر العلاقة الأُسَرية تصويرًا رفافًا يُشعُّ منه التعاطُف، ويفوح منه العبير؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وقال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

وعلى الرغم مما ذكرناه من طبيعة شخصية المرأة، إلا أنَّ الخيرَ فيها غالب، والشر فيها مَرجوحٌ؛ بدليل أنه عاش معها كل هذا العمر، فالمرأةُ كالرجل تشتمل على المحبوب والمكروه، فلا يقع ذبابُ حِرص الزوج على مقتضى الكراهة ويترك موجبات المحبَّة، وليغمض الطرف عما يكرهه في خُلُق زوجته لما يحبُّه منها، وهذا من العدل الذي قامتْ به السمواتُ والأرضُ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كَرِه منها خُلُقًا رضِي منها غيره»؛ رواه مسلم.

وقد بوَّب البخاريُّ في صحيحه: باب المُداراة مع النِّساء، والمُداراة: هي المجامَلة والمُلايَنة لاستمالة النفُوس وتألُّف القُلُوب.

فعلى هذا الزوج الكريم أن يَعلمَ أن الرجل هو قيِّمُ الأسرة ورئيسها، وعليه أن يتحمَّلَ ويُضَحِّي أكثر مِن الآخرين، وهذا هو معنى سياسة النِّساء، أخذ العفو والصبر على عوجهنَّ، وإلا فلن ينتفعَ بها، وهو لا غِنى له عن امرأةٍ يسكُن إليها، ولا يتم هذا إلا بالصبر عليها.

أما مسألةُ هُروبها لبيت أهلها، فالتعبيرُ فيه مبالَغةٌ غير محمودة، ففي ثقافتنا الأسريَّة الخاطئة أنَّ الزوجة إذا غضبتْ مِن زوجها خرَجتْ لبيت أسرتها، ولا يُسمى هذا هُروبًا من الزوج.

فلْيبدأِ الزوجُ الكريمُ صفحةً جديدةً وفْقَ ما ذكرناه له ومن طبيعة شخصية المرأة، وليترُك المراء واللَّوم والعتابَ، واجترار مرارة الماضي؛ فإنه يُجَفِّف نبض الحبِّ في القلب، ويزيد الشُّقَّة بينهما، وليبذلْ ما في وُسعها لتعودَ لبيتها ولترعى أبناءَها، ولْيَسْتَعِنْ ببعض أهل الخير ليصلحَ بينهما.

وأخيرًا أدعوه أن يَتَذَكَّرَ تلك الشخصية اللَّيِّنة التي كانتْ عليها زوجتُه بعد 18 عامًا من الزواج، ولْيَعْملْ على استرجاع تلك الشخصية، فهي كامنةٌ فيها، تراكمَتْ من تجاربَ زوجية طويلةٍ.

والله أسأل أن يُصْلِحَ أحوالهما وأحوال المسلمين.