كيف يحكم العلماء - بجرح أو تعديل - على رواه لم يعاصروهم؟

فلا شك أن هذا المحصول العلمي الضخم في هذا الفن، قد أفاد الحافظَ في إمكانية الخروج بترجيح لحال بعض الرواة، الذين اختَلف فيهمُ الأئمةُ، أو كثيرٌ منهم، وذلك من خلال طول الممارسة والدُّربة في جَمْع طُرُق الأحاديث،

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله، إخواني الفضلاء، طلبة العلم، ومشايخي المكرمين:

أود أن أسال فضيلتكم سؤالاً: كيف للمُجَرِّح والمُعَدِّل أن يُجَرِّح أو يُعَدِّل الرواة، وهو لم يعاصرهم؟! هل ذلك يكون بِسَبْرِ مروياتهم، ومن ثم الحُكْم عليهم بما يستحقون من خلال مروياتهم فقط؟

أو أن هؤلاء النقاد يتكلمون فى الرواة جَرْحًا وتَعدِيلاً عن طريق أخبار، وصلت إليهم عن طريق الذين عاصروا هؤلاء الرواة؟

وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لا يُنسب الكلام في الرواة لمَن أخبر النقادَ بهذا؟! فدائمًا ما نسمع مثلاً: وثَّقَه يحيى بن معين، أو ضَعَّفَه يحيى بن معين، فإذا كان يحيى بن معين قد أخذ حال الراوي عن رجال، لماذا يُنسب إليه النقد؟

هل لأنه هو الذي جمع الأقوال في هذا الراوي ممن عاصروه، ومن ثَمَّ أصدر الحُكْم؛ مثلما يفعل الحافظ ابن حجر - رحمه الله - يجمع الأقوال ويَحْكُم على الراوي في "التقريب"؟؟

هل هذه فقط هي الطُّرُق للحُكْم على الرجال، أم أن هناك طُرُقًا أخرى يَحْكُم بها الناقدُ على الراوي، الذي لم يعاصره؟

وجزاكم الله عني كل خير.

الإجابة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وبعد:

اعتمد الأئمة – غالبًا - في حُكْمهم على الرواة جَرْحًا وتَعدِيلاً على سَبْر مَرْوِيَّات هؤلاء الرواة.

ومن معاني السَّبْر: الاختبار والامتحان، ومعرفة القَدْر والتجريب.

 

قال ابن منظور في "اللسان" (مادة: سَبَر): "السَّبْرُ: التَّجْرِبَةُ، وسَبَر الشيءَ سَبْرًا، حَزَره وخَبَرهُ، واسْبُرْ لي ما عنده، أَي اعْلَمْه، والسَّبْر اسْتِخْراجُ كُنْهِ الأَمر، والسَّبْرُ: مَصْدَرُ سَبَرَ الجُرْحَ يَسْبُرُه ويَسْبِرُه سَبْرًا: نَظَر مِقْدارَه، وقاسَه لِيَعْرِفَ غَوْرَه.

و السَّبْرُ اصطلاحًا: استقصاء روايات الحديث الواحد، وتَتَبُّعُ طرقه، ثم اختبارها، وموازنتها بروايات الثقات.

وقد يُعبِّر عنه الأئمة بتعبيرات أخرى؛ كالمعارضة، والمقابلة، والاعتبار.

 

يقول الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - في مقدمة صحيحه (1/ 56،57): ''وعلامة المُنكَر في حديث المُحَدِّث: إذا ما عُرِضَتْ روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجورَ الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله''.

وقال - رحمه الله تعالى - في كتاب "التمييز" (ص: 162): "بجَمْع هذه الروايات، ومقابلَةِ بعضها ببعض، يتميَّز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضِعَاف الأخبار من أضدادهم من الحُفَّاظ. ولذلك أَضْعَفُ أهلِ المعرفة بالحديث عمرُ بن عبد الله بن أبي خَثْعَمَ، وأشباهُهُ من نَقَلَةِ الأخبار؛ لروايتهم الأحاديث المستنكرة، التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحُفَّاظ''.

 

وقال الإمام ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - في "المقدمة" (ص: 220): "يُعرَف كونُ الراوي ضابطًا: بأن تُعتَبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافِقَةً - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثَبْتًا، وإن وجدناه كثيرَ المخالَفة لهم، عَرَفنا اختلال ضبطه، ولم نَحْتَجَّ بحديثه، والله أعلم".

 

وقال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في "الموقظة" (ص: 52): "اعلم أنَّ أكثَرَ المُتَكَلَّمِ فيهم، ما ضَعَّفَهُم الحُفَّاظُ إلا لمخالفتهم للأَثْبَات".

 

وقال العلامة المُعَلِّمِي - رحمه الله تعالى - في "التنكيل" (1/ 67): "مِن الأئمة مَن لا يُوَثِّق مَن تَقَدَّمَه؛ حتى يَطَّلِع على عدة أحاديث له، تكون مستقيمةً، وتَكثُر حتى يَغلب على ظنِّه أن الاستقامة كانت مَلَكَةً لذاك الراوي، وهذا كلُّه يَدلُّ على أن جُلَّ اعتمادهم في التوثيق والجَرْح إنما هو على سَبْر حديث الراوي".

ولم يكن حُكْم الأئمة على الرواة عن طريق السَّبْر مقصورًا على مَن لم يدركوه منهم، فقد يتعدى ذلك إلى مَن عاصروه.

 

قال المعلمي - رحمه الله -: "وربما يَبْنِي بعضهم على هذا حتى في أهل عصره، وكان ابن معين إذا لَقِيَ في رحلته شيخًا فسمع منه مَجلِسًا، أو وَرَدَ بغدادَ شيخٌ فسمع منه مَجلِسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئِلَ عن الشيخ، وَثَّقَهُ. وقد يَتَّفِق أن يكون الشيخ دجالاً، استقبل ابنَ معين بأحاديثَ صحيحةٍ، ويكون قد خَلَّط قبل ذلك، أو يُخَلِّطُ بعد ذلك.

 

ذَكَر ابنُ الجنيد أنه سأل ابنَ مَعِين عن محمد بن كثيرٍ القُرَشِيِّ الكوفيِّ فقال: "ما كان به بأس". فحكى له عنه أحاديث تُستَنْكر، فقال ابن معين: "فإن كان الشيخ روى هذا، فهو كذَّاب، وإلا فإني رأيتُ الشيخ مستقيمًا".

 

وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثِقَة، وقد كتبتُ عنه". وقد كَذَّبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة"، وقال أبو داود: "غير ثقة، ولا مأمون، أحاديثه موضوعة".

وهكذا يقع في التضعيف، ربما يُجَرِّح أحدُهم الراويَ لحديث واحد استنَكَرَه، وقد يكون له عذر.

 

وَرَدَ ابنُ معين مصرَ، فدخل على عبدالله بن الحَكَم، فسَمِعَه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان، وعَدَّ جماعة روى عنهم قصة، فقال ابن معين: "حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه، وبعضُهم ببعضه؟". فقال: "لا، حدثني جميعُهم بجميعه". فَرَاجَعَه، فأصرَّ، فقام يحيى، وقال للناس: "يكذب".

 

ويظهر لي - المعلمي - أن عبدالله إنما أراد أن كُلاًّ منهم حدَّثه ببعض القصة، فجَمَع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبدالعزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كُلاًّ منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها في ذلك.

وقد أساء الساجي؛ إذِ اقتصر في ترجمة عبدالله على قوله: "كذبه ابن معين".

 

وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوريَّ يُحَدِّث عن عبدالرزاق بحديث استنَكَرَه يحيى فقال: "مَن هذا الكذَّاب النيسابوري، الذي يُحَدِّث عن عبدالرزاق بهذا الحديث؟!". وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا، فقام، فقال: "هو ذا أنا"، فتبسم يحيى، وقال: "أما إنك لست بكذاب".

 

وقال ابن عمار في إبراهيم بن طَهْمَانَ: "ضعيف، مضطرب الحديث". فَبَلَغَ ذلك صالحَ بن محمد الحافظَ الملقبَ جَزَرةَ، فقال: "ابن عمار.. مَن أين يعرف إبراهيم؟! إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجُمُعة، والغلطُ فيه من غير إبراهيم". انتهى كلام المعلمي، رحمه الله تعالى.

بل كان الأئمة - رحمهم الله تعالى - يُكثِرون من سماع الحديث الواحد من الرواي الذي أدركوه عدة مرات؛ حرصًا على معرفة ضبط الراوي.

 

روى ابن عدي - رحمه الله تعالى - في "الكامل" (1/ 88) عن شُعْبَة بن الحجاج - رحمه الله تعالى - قال: "ما رَوَيْتُ عن رجل حديثًا واحدًا، إلا أتَيْتُه أكثرَ من مرة، والذي رَوَيْتُ عنه عشرةَ أحاديث، أَتَيْتُه أكثر من عشر مِرارٍ، والذي رَوَيْتُ عنه خمسين حديثًا، أتيته أكثر من خمسين مرة، والذي رَوَيْتُ عنه مائة حديث، أتيته أكثر من مائة مرة، إلا حيانَ البارِقِيَّ؛ فإني سمعت منه هذه الأحاديث، ثم عُدْتُ إليه، فوجدته قد مات".

 

وقال الحافظ ابن رجب في "شرح عِلَلِ الترمذي" (1/ 176): "قال يعقوب بن شَيْبَةَ: إن شُعْبَة كان إذا لم يَسمَع الحديثَ مرتين، لم يَعْتَدَّ به".

وليس معنى هذا أن الأئمة لم يكونوا يستعينون في حُكْمهم على الرواة بما قاله مَن تَقَدَّمَهم؛ فإنَّا نراهم يُكثِرُون في كلامهم على الرواة من قولهم: تَرَكَ فلانٌ (أي مِن أئمة الجَرْح والتَّعدِيل) الروايةَ عنه، أو لم يروِ عنه فلانٌ. وأمثلة هذا كثيرة جدًّا في كلامهم، رحمهم الله تعالى.

 

وخذ هذه الأمثلة لمزيد من الإيضاح:

قال البخاري - رحمه الله تعالى - في ترجمة إسماعيلَ بنِ إبَّان من "التاريخ الكبير" (1/ 347): "إسماعيل بن إبان، أبو إسحاق، الحَنَّاط، الكوفى، أُرَاه الغَنَوِيَّ، عن هشام بن عروة، متروك، تَرَكَه أحمد".

وروى ابن أبي حاتم في ترجمة جابر الجعفي من "الجرح والتعديل" (2/ 497) عن أبيه قال: "سألتُ أحمد بن حنبل عن جابر الجعفي؟ فقال: تَرَكَه عبد الرحمن، ويحيى".

وقال ابن حبان في ترجمة جعفر بن الزبير من "المجروحين" (1/ 206): "تَرَكَه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين".

وقال الإمام الدارَقُطْنِيُّ في "الإلزامات والتتبُّع" (ص: 171) عن عمر بن عامر: "وعمر ليس بالقوي؛ تَرَكَه يحيى القطان".

وقال الدارقطني أيضا في سُنَنَه (2/ 122) عن حكيم بن جُبَيْرٍ: "ضَعِيفٌ، تَرَكَهُ شُعْبَةُ، وَغَيْرُهُ".

وأمثلة هذا كثيرة جدًّا، يطول استقصاؤها.

 

لكنهم ما كانوا ليكتفوا بذلك المنقول، ويستغنوا به عن البحث والتفتيش في مرويات الرواة، بل كانوا يُنَقِّبون عن ذلك، ويُعْمِلُونَ في كل راو اجتهادهم، فيوافقون الأئمة، أو يخالفونهم.

وقد لا يتيسر لكل واحد منهم بحثٌ مستقل في حال كل راوٍ، فيقتصر على النقل عمَّن تَقَدَّمَه من الأئمة النقاد.

 

وهذا سبيل عامٌّ لكل أهل العلم في كل فرع من فروعه، لا في الحُكْم على الرجال وحدهم؛ فإنه لا يستغني أحدٌ من العلماء - مهما علا كعْبُه - في علم من العلوم عن أقوال مَن تَقَدَّمَه مِنَ العلماء، فإن تَيَسَّر له التفتيشُ عمَّا أَتَوْا به من أحكام، فَعَلَ، فيوافق، أو يخالف، أو يُقَوِّم.

 

وقد حاز أئمة الجَرْح والتعديل القَدَحَ المُعلَّى في توقير مَن تقدم مِن أئمة السلف، ووضْع أقوالهم المنقولة عنهم فوق الرؤوس، وبين الأحداق، بَيْدَ أن الحق كان أحبَّ إليهم مِن كل أحد إذا تبين لهم.

 

وقد عَلِمَ الناظر في سِيَرِهم، والمُعتني بأحوالهم ما اتسموا به من همة عالية، تَبَزُّ الجبالَ مطاولتُها في البحث والتنقيب. ومِن ثَمَّ، فقد بذلوا أقصى ما يستطيعون لتقويم المرويات وسبر غورها لتمييز الصحيح من السقيم، ولم يَرضَوْا بالتقليد، والتبعية، مع توقيرهم لمَن تَقَدَّمَهم من الأئمة، ومعرفتهم لفضلهم.

 

وإذا تأمل الأخ الكريم في الأمثلة التي ضربناها آنفًا، تبيَّن له أنهم كانوا يقتصرون أحيانًا في حُكْمهم على الراوي، على النَّقْل عمن تَقَدَّمَهم من أئمة الشأن، وهذا يكون منهم غالبًا فيما إذا تبيَّن لهم - بَعْدَ البحث والتفتيش - صحةُ اجتهاد الأئمة في الحُكْم عليه، وقد يكون لعدم استقصائهم حالَ الراوي كما ذكرنا آنفًا.

 

وكونهم ينقُلون عنهم لا يفيد بالقطع أنهم ليس لهم بحث مستقل حول الراوي؛ بل يؤخذ منه توقيرُهم لمَن تَقَدَّم من الأئمة، وإيثارُهم النقلَ عنهم ما أمكنَ، شريطة أن يوافق ما نقلوه عنهم ما وصلوا إليه في شأن الراوي المُتَكَلَّم فيه.

أما إذا خالف اجتهادُهم اجتهادَ مَن تَقَدَّمهم من الأئمة، فإنهم يبيِّنون ذلك أفصحَ بيان.

وفي هذا من الإشارة إلى حرصهم على الإخلاص، وبُعدِهم عن الرياء، والبَطَر بالعلم ما فيه عِبرة لكل طالب.

 

وإذا وافق نقدُ متأخِّر نقدَ مُتقدِّم دون عزو القول إليه، فلا يلزم من هذا تقليدُ المتأخر للمتقدم دون الإحالة والعزو؛ بل يُفهَم منه توافقُ اجتهادهما، فإن مِن بَرَكَةِ العِلم أن يُنسبَ إلى أهله، وقد كانوا - رحمهم الله تعالى - أحرصَ الناس على ذلك، وكان هذا خُلُقًا عامًّا في علماء السلف، لا في أئمة الجَرْح وحدهم.

 

قال الذهبي في "سِيَر أعلام النبلاء" (7/431): "قال أيوب بن المتوكل: كان الخليل - أي الخليل بن أحمد الفراهيدي، الإمام اللُّغوي المشهور - إذا أفاد إنسانًا شيئًا، لم يُرِهِ بأنه أفاده، وإن استفاد مِن أحد شيئًا، أراه بأنه استفاد منه".

 

وروى السِّلَفِيُّ، عن العباس الدُّورِيِّ، قال: سمعتُ أبا عُبَيْدٍ يقول: مِن شُكْرِ العِلم: أن تستفيد الشيء، فإذا ذُكِرَ لك، قلتَ: خَفِيَ عليَّ كذا وكذا، ولم يكن لي به عِلم، حتى أفادني فلانٌ فيه كذا وكذا، فهذا شُكر العِلم. انتهى. ذَكَرَه السيوطي في "المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها" (2/273). وفي "الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (2/152،153) أمثلة أخرى لذلك.

 

ثم إن المُرَجِّح لقَوْل أحد الأئمة في أي مسألة من المسائل المُختلَف فيها، يُعَدُّ قائلاً لذلك القول، ويُدرَج في قائمة القائلين به؛ لأنه ما قال به إلا بَعْدَ بحث وتفتيش.

وأما كون الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - يَحكُم على الراوي بمجرد جَمْع أقوال الأئمة فيه، والخروج بمُحَصَّل ذلك الجَمْع، فهذا يحتاج إلى نَظَرٍ؛ فقد بَيَّن - رحمه الله تعالى - في مقدمة "التقريب" أنه يَحكُم على كل شخص منهم بِحُكْم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدلَ ما وُصِف به، بألخصِ عبارة، وأخلصِ إشارة، بحيث لا تزيد كلُّ ترجمة على سطر واحد غالبًا.

 

وهذا لا يلزم منه أنه كان يقتصر على الخروج بنتيجة إجمالية عن الراوي عن طريق الجَمْع بين أقوال الأئمة فيه فقط، فقد يكون استعان بحصيلته العِلميَّة، التي كانت قد نَمَتْ مع مر السنين، والتي جعلتْه أحدَ أشهر أئمة العِلَل والجرح والتعديل في المتأخرين رحمهم الله تعالى.

 

فلا شك أن هذا المحصول العلمي الضخم في هذا الفن، قد أفاد الحافظَ في إمكانية الخروج بترجيح لحال بعض الرواة، الذين اختَلف فيهمُ الأئمةُ، أو كثيرٌ منهم، وذلك من خلال طول الممارسة والدُّربة في جَمْع طُرُق الأحاديث، وتمييز الموافق للثقات عنِ المخالف لهم. فهذا الأمر يحتاج إلى تحرير.

 

نعم، قد يفعل ذلك أحيانًا، مثلما ردَّ الضعف عن مصعب بن شَيْبَةَ في "فتح الباري" (10/337) بقوله: "وَثَّقَهُ ابن مَعِين وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهمَا، وَلَيَّنَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِم وَغَيْرُهمَا؛ فَحَدِيثُه حَسَن". انتهى.

 

لكن هل يؤخذ من هذا فهْمٌ لمنهجه في الترجيح في الراوي المختلَف فيه؟ يحتاج الأمر إلى دراسة واستقراء.