قدراتي عالية.. وفشلي متكرر!!

ينتابني شعور دائما بأن الحياة لا نفع منها بالرغم من أني إنسان أمتلك قدر هائل من الأفكار وأحب تحليل الأشياء من حولي حتى خطواتي على الأرض أحللها فأنا أحب نظام التحليل وأي شيء أحلله أجد له الإجابة والحل المفيد إلا شيء واحد هو تحليل حياتي العملية التي لم أجد لها حل بالرغم من كل ما أمتلكه من قدرات وأفكار.

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

اخوتي تكمن مشكلتي في أني دائما إنسان غير موفق في حياته العلمية وسوف أسرد اليكم قصتي بالتفصيل المختصر.

فأنا شاب عمري 37 سنة خريج جامعي قسم هندسة الحاسوب ومتحصل على تمهيدي في الماجستير، عملت بشركة بعد التخرج مباشرة لمدة خمس سنوات ومن بعدها أسست شركة خاصة بي عمل بها 9 موظفين وبدأت أضع أفكار وحلول في مجال تخصصي ولله الحمد كان النجاح غير متوقع وكل ما كان يعمل معي أو يتعامل معي ينبهر دوما من أعمالي وأفكاري

ولكن لم تدم السعادة حيث بعد مرور حوالي 4 سنوات أقفلت الشركة مع العلم بأنه كان لي تعامل مع شركات فاق عددها الخمس وعشرون مؤسسة من القطاع الحكومي والخاص والسبب بدأ العمل يتضاءل نسبة للأزمة المالية والاقتصادية فمكثت سنة كاملة أتخبط بين الشركات من أجل النهوض بالشركة من جديد

ولكن دون جدوى واضطررت أن أعمل بموظف بإحدى الشركات فلم أستطع المواصلة فتركتها بعد مرور شهر وبدأت أفكر في خلق فرص لي بالسوق ولكن دون جدوى ففكرت في الهجرة خارج البلاد ورتبت اجراءات السفر وأوضاعي المادية وقررت السفر الى الصين حيث أني كنت أخطط أن أسفر لها منذ سنين عدة وفعلا سافرت وأنا الآن متواجد بها،

عملت على فتح مكتب تجاري (وسيط) وبدأت بعمل استبيان للشركات والمكاتب العاملة بالصين وبدأت أبحث عن أفضل شيء أعمل به وما هو شيء الذي يفقده العرب ووجدت الجواب بعد فترة من الزمن وقررت العمل بفكرة جديدة تختلف عن أفكار المكاتب الموجودة هنا وبالفعل بدأت واتخذت وسيلة الإعلانات الإلكترونية التجارية هي حلقت التواصل بيني وبين العلماء العرب

ومنذ أول يوم بدأت الاتصالات تنهال على لدرجة أني كنت لا أنام بالليل إلا ساعة أو ساعتين فقط حيث كنت أتلقى أكثر من 25 اتصال هاتفي واستقبال العشرات من الإيميلات لدرجة أني كنت لا أستطيع الرد عليها جميعا فأصبح الكل يمدح أفكاري وتخطيطي وإبداعي وتعاملي وأصبح لدي قاعدة بينات قوية عن المنتجات والمصانع الصينية وبدأت أتعامل مع العملاء بشكل مستمر ومتواصل و أضع لهم الخطط وأفيدهم في الاستشارات التي يطلبونها

ولكن اكتشفت بعد فترة من الزمن أن الحصيلة المادية صفر و أن ما لدي من أموال بدأ ينفد، رجعت إلى الوراء فاكتشفت أن التعامل مع العرب غير مجدي وما أنا بالنسبة إليهم إلا مجرد أداة تدر عليهم المعلومات من دون مقابل وبعدها يعرضون عني لأني كنت أقدم المعلومة بالمجان من أجل استمرار التعامل في المستقبل هذا لأني سوف آخذ عمولة عند تنفيذ أي عمل في المستقبل،

فأصابني الإعياء والكسل والإرهاق وبدأت أكره الحياة لهذا التصرف. فبدأت مرة ثانية في ايجاد فكرة وخطة بديلة من أجل الربح والفائدة دون هدر الجهد والوقت وكان يحيطني الخوف من أن تعاد الكرة وأن تكون التجربة مريرة ومرة أكثر من الأول مع العلم بقناعتي بأن الفكرة جميلة وواقعية لأنها سوف تفيد كل الأطراف وسوف أحقق منها أرباح تعوضني عما سبق ولكني كما ذكرت لكم فالمرة الأولى وجدت أن الكل منبهر من أفكاري ومن كيفية تخطيطي وتنظيمي وتنفيذي للفكرة وأخاف أن أجد نفس شيء وهو أن لا يكون هناك نفع أو جدوى من الفكرة،

مع العلم بأن كثير من الإخوة ورجال الأعمال دائما يطلبون مني أن أكون مدير مكتبهم بالصين ولكني أرفض هذا المبدئ لأني أريد أن أكون ناجح في أعمالي الخاصة وأن أحقق ما أطمح إليه من نجاحات ولكن هناك شيء غريب يحدث لا أستطيع أن أحدده او أن أعرفه وهو الشيء الذي أفتقد إليه و أظن أنه هو مفتاح لكل هذه العراقيل في حياتي العملية بالرغم من إني انسان ملتزم أخلاقيا ودينياً وأنا متزوج و لي بنت وولد وزوجتي إنسانة خلوقة ونحن نحب بعضنا البعض.

 

ملخص: ينتابني شعور دائما بأن الحياة لا نفع منها بالرغم من أني إنسان أمتلك قدر هائل من الأفكار وأحب  تحليل الأشياء من حولي حتى خطواتي على الأرض أحللها فأنا أحب نظام التحليل وأي شيء أحلله أجد له الإجابة والحل المفيد إلا شيء واحد هو تحليل حياتي العملية التي لم أجد لها حل بالرغم من كل ما أمتلكه من قدرات وأفكار.

هدفي في الحياة: النجاح في حياتي العملية من أجل كسب العيش الحلال لتربية ابنائي.

الإجابة:

أخي الكريم.

دعني أقول لك ابتداءا أني عندما قرأت استشارتك تخيلت وكأني أقرأ سيرة ذاتية لشخص مكافح، وفقه الله للكثير من المواهب، وانتقل بحياته من نجاح إلى نجاح.. وليس إنسان عبر عن نفسه بأنه إنسان غير موفق!!

 

أخي الكريم.. يقول سيد قطب رحمة الله (ومن رحمة الله أن تشعر برحمة الله):

وأنا أرى رحمة الله تحوطك من كل مكان.. فمن رحمته أن أعطاك الله العقل المحلل، والقدرة على الإبداع، والقوة والهمة في تحقيق أهدافك، والشهادة الأكاديمية المرموقة، والتجارب العديدة والمتنوعة.. والقدرة على القيام بعد السقوط، والعزيمة على النجاح بعد الفشل.. بل من رحمته سبحانه وتعالى بك أن رزقك بالفشل في بعض مشاريعك!!

فهذا الفشل هو من فتح لك التفكير في آفاق أخرى للنجاح.. وهذا الفشل هو ما جعلك تشعر بضعف حيلتك وأن كل ما لديك من قدرات مرهون بتوفيق الله.. فهو الذي بيده ملكوت كل شيء..

 

أخي..

دعني ألمح لك ببعض الومضات السريعة:

1. من خلال ما ذكرته من تجارب. أشعر أنك تجيد البدايات، وتسيء النهايات، وأظنك تحتاج أن ترسم صورة كاملة لما أنت مقبل عليه، فالبداية الصحيحة لا تعني بالضرورة النهاية الصحيحة، والطريق الذي يكون طوله ألف ميل.. لن تستطيع الوصول إلى نهايته بمجرد أنك قطعت منه تسعمائة ميل.. وكما يقولون: في معركة الحياة ليس من المهم النتيجة في منتصف المبارة!

 

2. الحياة ليست كلها عمل ومشاريع فحسب. الحياة فيها جوانب اجتماعية من تكوين أسرة، ورعاية أبناء وصلة رحم... وجوانب نفسية من إعطاء النفس حقها من الهدوء وراحة البال وصحة الجسم، وجوانب روحية أو إيمانية لتغذي الروح بكمال التعبد لله سبحانه وتعالى.. وسعادتنا في حياتنا لن يتحقق بتحقيق جانب دون آخر، وإنما تتحقق بتوازن هذه الجوانب وتكاملها.. فالحاجات النفسية متعددة ولا بد من تلبية كل واحد منها.. ختي الفاضلة وفقك الله، أسأل الله أن يرزقك الصبر وطول النفس والمجاهدة، واحتساب الأجر في ذلك.

 

3. عندما نبذل غاية جهدنا ثم لا يكتب لنا التوفيق، فإن ذلك ينبغي أن يؤدي بنا إلى سلوكين اثنين ظاهرهما التناقض وحقيقتهما التوافق.. السلوك الأول هو التسليم والرضا بما تم وكان، وأنه لعل في الأمر خيرة فهي اختيار الله لنا، ولن يختار لنا إلا ما كان خيراً، وإن كان ظاهره غير ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقول الله تعالى: إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر فإذا أغنيته أفسدته، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدته) (جامع العلوم والحكم: 2/333)..

 

السلوك الثاني: استمرار البذل؛ وعدم اليأس، ودوام العمل، فلعل الجهد الذي يرتبط به النتائج المرجوة لم يبذل بعد، وهكذا يعيش الإنسان بين الرضا بقضاء الله، وبين الأخذ بالأسباب.. فيعيش حالة رضا داخلية.. وحالة عمل خارجية.. يعمل باجتهاد.. ويرضا عما يكتبه الله له حتى وإن كان أقل من جهده وطاقته.. فالعمل علينا والنتائج على الله سبحانه وتعالى..

 

4. قد تحتاج أخي الكريم إلى أن تقف وقفة مراجعة لترى وتفكر أين مكمن الخلل في مسيرتك وتجاربك الماضية، هل هي عدم معرفتك بأخلاق السوق وألاعيبه فتحتاج إلى أن تكون أكثر وعياً وحذرا من منطلق قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لست بالحب ولا الخب يخدعني) والحب هو المخادع. أم أنها الفردية المطلقة وعدم استعانتك بآخرين يكملون جوانب نقصك.. أم غير ذلك.. فمن أراد النجاح لا بد له من أن يستفيد من دروس الفشل..

 

وأخيراً.. أخي الكريم..

كان من دعاء المصطفى عليه الصلاة والسلام (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) (مجمع الزوائد: 10/183) .. فنحن نفقد كل ما رزقنا به الله من قوة عقل وكمال تدبير، وجودة إبداع، عندما نستغني بذلك كله عن الله، فلا شيء يغني عن الله، والله يغني عن كل شيء.. فكن مع الله ولا تبالي.. فمن وجد الله ماذا فقد!!

ومن فقد الله ماذا وجد!!

وإياك أن تجعل نقطة قوتك من العقل والتحليل والإبداع، هي نقطة ضعفك من الاستغناء عن طلب التوفيق من الله، ومن الإغترار والكبر بها.. واستعن بالله ولا تعجز، فما زال الطريق أمامك طويلاً، ودعني أصدقك القول بأني أشعر أن الأيام تحمل لك في طياتها خيراً كثيراً، فتفائل بالخير تجده، واتق الله يجعل لك من أمرك يسراً ويرزقك من حيث لا تحتسب، واسعد فيما أعطاك الله، ولا تنشغل بما منعك الله عما منحك به سبحانه وتعالى.. وعش الرضا تسعد بالقليل، ولا تعش السخط فلا يرضيك الكثير..

وفقك الله لكل خير وفتح لك من أبواب فضله ورزقه وتوفيقه..

 

المستشار: أ. وليد الرفاعي