نبذ الغلو والتطرف

محمد الحسن الددو الشنقيطي

  • التصنيفات: الدعوة إلى الله -
السؤال: جماعة من الشباب تنتشر في بعض الحواضر الداخلية، تدَّعي الدعوة إلى الله تعالى، وتدعو إلى نبذ المتون الفقهية المتداولة وإلى عدم الصلاة وراء بعض الأئمة المشهود لهم بالخير في هذه الحواضر، فما ذلك؟
الإجابة: هذا نظير ما سبق، فلا بد أن ننظر إلى الأمور كلها بنظرة توازن واعتدال، وأن نعلم أن المتون الفقهية فيها الخطأ والصواب، ولا ينبغي نبذها بالكلية والاستغناء عنها لأن الناس يحتاجون إليها في أحكامهم وأمورهم، كما لا يمكن أخذ كل ما فيها والتسليم به، بل قد قال مالك رحمه الله: "ما منا أحد إلا رادٌ ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".

والنظرة المعتدلة فيها تقتضي إنصاف أهلها، وأن يُعلم أنهم اجتهدوا في طلب الحق جزاهم الله خيراً، فمن أصاب منهم له أجران ومن أخطأ له أجر، وخطؤهم لا ينقص منزلتهم ولا يضر مكانتهم في الشرع، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: "زلات العلماء أقذار وهم بحار، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، فيكفيهم أنهم دوَّنوا لنا العلم وكتبوه، وألفوا فيه، وبذلوا فيه جهودهم، وجهودهم غير معصومة، فما بذلوه منه صواب لا غبار عليه وهو الموافق للدليل، ومنه خطأ لا غبار عليه وهو المخالف للدليل، ومنه اجتهادات أخرى لا يتبين فيها الصواب والخطأ، فيؤخذ الصواب ويترك الخطأ، كما قال الله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

والذين يرون أن هذه الكتب الفقهية ينبغي أن تترك مطلقاً، ما البديل لديهم؟ كلامهم هم، ما هو إلا بمثابة ما كتب في الكتب، بل ما كتب في الكتب أقوم من كلامهم هم، هم يجعلون كلامهم بديلاً عن تلك الكتب، وكلامهم هم أيضاً فيه الصواب وفيه الخطأ وهو نظير الكتب تماماً، لكن الكتب على الأقل لغتها سليمة ومؤلفوها مشهود لهم بالصلاح والاستقامة فهذا الفرق.

ومعروف في كثير من أنحاء العالم أن كثيراً من الناس يظنون أن كتب الفقه هي مما أدى إلى الخلاف بين الأمة، وحتى إن رئيساً من رؤساء الدول العربية قال ذلك عياناً في وسائل الإعلام، وذكر أن أئمة الاجتهاد هم سبب التفرقة بين المسلمين، وأن كتب الفقه لا بد من نبذها ورميها في البحر، وهذا النوع هو من الغلو وتجاوز الحد ولا خير في من يراه لأنه لا يريد بديلاً إلا التجهيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.