الإشارة بين السجدتين

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الصلاة -
السؤال:

عند اطلاعي على كتاب أو مذكرة فقه للعلامة العثيمين، وجدت في باب الصلاة أنه عند جلوس المصلي بين السجدتين يضع يديه على فخذيه، ويشير بسبابة اليد اليمنى، ويحركها كلما دعا؛ فما حكم العمل بهذا القول؟ وهل العمل به من السنة؟

الإجابة:

الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن ما قاله السائل ذكره العلامة العثيمين في كتابه "الشرح الممتع، على زاد المستقنع" (3/128)، وهو اختيار الإمام ابن القيم في "زاد المعاد" (1/167 - 168)، واحتج له بحديث وائل بن حُجْر؛ في رواية عند أحمد، والطبراني في "المعجم الكبير"، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كلهم رووه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: "رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فرفع يديه في الصلاة حين كبر ... وسجد فوضع يديه حَذْوَ أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ثم سجد فكانت يداه حَذْوَ أذنيه"، وقد احتج الشيخ العثيمين رحمه الله بتصحيح صاحب "الفتح الرباني"، ومحقِّق "زاد المعاد".

وهذه الرواية التي احتجوا بها –من هذا الحديث– شاذة؛ لمخالفتها رواية أكثر الثقات؛ فأصل الحديث رواه أصحاب السنن، مطلقاً غير مقيد، وليس فيه تحديد الموضع الذي أشار فيه النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه؛ هل هو التشهد، أو الجلسة بين السجدتين -كما في رواية أبي داود، والنَّسائي- فعن وائل بن حُجْر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جلس في الصلاة؛ ففرش رجله اليسرى، ووضع ذراعيه على فخذيه، وأشار بالسبابة يدعو"؛ لكنْ ثبت تقييد هذه الرواية المطلقة برواية أخرى صحيحة ثابتة -رواها العدول الثقات- قيَّدت الإشارة بالتشهد؛ كما في رواية الترمذي، وابن ماجه؛ أن وائل بن حُجْر قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد حلَّق الإبهام والوسطى، ورفع التي تليهما؛ يدعو بها في التشهد؛ وهو ما رجحه الشيخ الألباني رحمه الله في "تمام المنة" (ص215)؛ حيث قال: "اعلم: أن هذا الحديث يرويه عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل، ويرويه عن عاصم جمعٌ من الثقات، وقد اتفقوا جميعاً على ذكر رفع السبابة فيه، لكنهم انقسموا إلى ثلاث فئات؛ من حيث تعيينُ مكان الرفع:

الأولى: أطلَقُوا ولم يحدِّدوا المكان، منهم: زائدة بن قُدَامة، وبِشْر بن المفضَّل، وسُفْيان الثوري، وسفيان بن عُيينة، وإن كان ظاهر سياقهم يدل على أنه في التشهد.

الثانية: صرَّحوا بأنه في جلسة التشهد، منهم: ابن عُيينة في رواية للنسائي (1/173)، وشعبة عند ابن خزيمة في "صحيحه" (رقم 697)، وأحمد (4/ 319)، وأبو الأحوص عند الطحاوي (1/152)، والطبراني في"المعجم الكبير" (22/34،80)، وخالد عند الطحاوي، وزهير بن معاوية، وموسى بن أبي كثير، وأبو عوانة، ثلاثتهم عند الطبراني (رقم 84 و89 و90).

والثالثة: خالف هؤلاء جميعاً عبدُالرزاق في روايته عن الثوري؛ فقال في "المصنف" (2/68، رقم 2522)، وعنه أحمد (4/ 317)، والطبراني في "المعجم الكبير" (22/ 34، 81)، عن الثوري، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه قال: "رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فرفع يديه ني الصلاة حين كبر.. [وسجد فوضع يديه حذو أذنيه].

ثم جلس فافترش رجله اليسرى ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ثم أشار بسبابته.. ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". قلت: والسياق للمصنف والزيادة لأحمد.

فذكره السجدة الثانية بعد الإشارة بالسبابة خطأ واضح؛ لمخالفته رواية كل من سبق ذكره من الثقات؛ فإنهم -جميعاً- لم يذكروا السجدة بعد الإشارة، وبعضهم ذكرها قبلها -وهو الصواب يقيناً- وإنما لم يذكروا معها السجدة الثانية اختصاراً.اهـ، ثم رجح الشيخ أن الخطأ مِنْ عبدالرزاق وليس من الثوريِّ لسببين:

الأول: أن عبدالرزاق -وإن كان ثقة حافظاً- فقد تكلم فيه بعضهم!

والآخر: أنه خالفه عبدالله بن الوليد، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي؛ فروياه عن الثوري - سماعاً منه – به، دون ذكر السجدة بعد الإشارة.

وعليه: فمَنِ اعتبَرَ العلةَ -التي ذكرها الشيخ الألباني- قادحةً، عدَّ الحديث معلولاً، وقال: إن التحريك بين السجدتين خلافُ السُّنَّة، وهذا هو الراجح، ومن لم يعتبر تلك العلة قادحةً، صحَّح الحديث، واحتجَّ به، كما هو صنيع العلامة ابن القيم في "زاد المعاد"، وتابعه العلامة العثيمين، ومحققو "الزاد"، والله أعلم.