الغيرة المحمودة

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: أحكام النساء -
السؤال:

أنا شاب أخاف على أختي وخطيبتي من الحرام، ولا أنكر أنني أغار عليهما كثيراً؛ لأن هذا شيءٌ موجودٌ بالفطرة، وكلما ذهبت إحداهما إلى طبيب لإجراء فحوصات طبية؛ واحتاج الطبيب إلى الكشف عن أجسادهنَّ - اشتعلت غَيْرَتي، وأحسستُ أن هذا حرامٌ، خاصةً وأن أغلب هؤلاء الأطباء رجال؛ فضلاً عن كونهم شباباً لا كهولاً!

ومما زاد من هذه المشكلة: أن خطيبتي مريضة باضطراب ضغط الدم، تُعالج من هذا المرض علاجاً كميائياً؛ بالحقن في منطقة (العضل)، وكثيراً ما يضطرب ضغطها، وقد يكون هذا في منتصف الليل –مثلاً- فتتجه عند هذا إلى أقرب (صيدلية) مع أمها؛ فلا تجد من يحقنها سوى صيدلي شاب -وقد لا يكون صيدلانياً أصلاً- فتضطر عندئذ إلى الكشف عن جسدها لديه؛ ليحقنها بالجرعة العلاجية!!

فما حكم كشف المرأة عن جسدها للطبيب والصيدلي الذكر؛ بغرض الكشف والعلاج؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

فالغَيْرَة من الغرائز البشرية التي أودعها الله في الإنسان، وتَبْرُز كلما أحسَّ شركة الغَيْر في حقِّه بلا اختيارٍ منه، والغَيْرة صفةٌ محمودةُ، ولا خير فيمن لا يَغَار؛ بل إن قلبه مَنْكُوسٌ؛ فعن المغيرة بن شعبة قال: "قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من غَيْرَة سعد! فوالله لأنا أغْيَرُ منه، والله أغَيْرُ منِّي!! من أجل غَيْرَة الله حرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بَطَن" (متفق عليه).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا يُذَم من لا غَيْرَة لَهُ على الفواحش؛ كالدَّيُّوث، ويُذَم من لا حَمِيَّة له؛ يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويُمْدَح الذي له غَيْرَة يَدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم؛ ويعلم أن هذا أكمل من ذلك؛ ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الربَّ بالأكمليَّة في ذلك؛ فقال في الحديث الصحيح: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".

وعن علي رضي الله عنه قال: "بلغني أن نساءكم ليزاحِمْن العُلُوجَ في الأسواق، أما تَغَارون؟! إنه لا خير في مَنْ لا يَغَار!!".

والغَيْرَة لها آدابٌ ينبغي مراعاتها؛ وإلا انقلبت إلى غَيْرَة مذمومة:

من هذه الآداب ألا تكون دون رِيبَةٌ؛ روى أبو داود والنَّسائي وابن حبَّان قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الغَيْرَة ما يحبه الله، ومنها ما يُبْغِضُه الله، فأما الغَيْرَة التي يحبها الله؛ فالغَيْرَة من الرِّيبَة، والغَيْرَة التي يُبْغِضُها الله؛ فالغَيْرَة من غير رِيبَة".

ومنها عدم إكثار الإنكار على المرأة ومراقبتها؛ لأن ذلك كالتهمة لها؛ قال (السَّفَاريني) في "غذاء الألباب": "ولا تُكثِر الإنكار عليها؛ فإنك تقوِّي العين عليها، فإن فعلتَ؛ تَرْمِ زوجتَك -بسبب كثرة إنكارك عليها- بتهمةٍ في نفسها! فيقول الفسَّاق وأهل الفجور: لولا أنه يعلم منها المكروه لما أكثر من إنكاره عليها"!!

أما علاج الرجل للمرأة؛ فقد قرَّر (مجمع الفقه الإسلامي): "الأصل أنه إذا توافرت طبيبةٌ متخصصةٌ؛ يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك؛ فتقوم بذلك طبيبةٌ غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك؛ يقوم به طبيبٌ مسلمٌ، وإن لم يتوافر طبيبٌ مسلمٌ؛ يمكن أن يقوم مقامه طبيبٌ غير مسلم، على أن يطَّلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغُضَّ الطَّرْفَ قدر استطاعته، وأن تكون معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور مَحْرَمٍ أو زوج أو امرأة ثقة؛ خشية الخُلْوَة"،، والله أعلم.