حكم الهدايا والإكراميات والمكافآت للموظفين

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه المعاملات -
السؤال:

إنه موظف في شركة، وحيث إن شركته تُسهم في شركةٍ أخرى، فإن شركته انتدبته ليمثلها في مجلس إدارة الشركة الأخرى، وأنه يتقاضى مبلغاً من المال كمكافأة من الشركة الأخرى على عضويته في مجلس إدارتها، فهل هذه المكافأة من حقه أم من حق الشركة التي يمثلها؟

الإجابة:

الأصل المقرر عند الفقهاء أن من تولى مسؤوليةً أو وظيفةً عامةً أو خاصةً، أنه يحرم عليه قبول هديةٍ أو مكافأةٍ أو إكراميةٍ جاءته بحكم مسؤوليته تلك أو وظيفته، إلا إذا أذنت له جهة العمل المشغلة له بقبولها.

والهدية للموظف والمكافأة والإكرامية ما جاءت للموظف إلا باعتبار أنه موظفٌ وليس باعتبار شخصيته العادية، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: "استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيءٍ إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رُغاء أو بقرة لها خُوار أو شاة تيعر…" (رواه البخاري ومسلم). والرُغاء: صوت البعير، والخُوار: صوت البقرة، واليُعار: صوت الشاة.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "... بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيءٌ، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له" فتح الباري12/349.

وقال الإمام النووي: "في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمْله ما أُهدي إليه يوم القيامة، وقد بين صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبَبَ في تحريم الهدية عليه وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة، وحكم ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية أنه يرده إلى مُهْديه، فإن تعذر: فإلى بيت المال" شرح النووي عل صحيح مسلم 6/462.

وقال الكمال بن الهمام: "وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم دليلٌ على تحريم الهدية التي سببها الولاية" فتح القدير 7/272.

ومما يدل على منع الموظف من قبول الهدايا والإكراميات والمكافآت ما ورد في الحديث عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هدايا العمال غُلُول" (رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 8/246). وقوله (غُلُول) أي خيانة، قال المناوي: "فالمراد أنه إذا أهدى العامل للإمام أو نائبه فقبله فهو خيانة منه للمسلمين فلا يختص به دونهم" فيض القدير شرح الجامع الصغير 6/353.

وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل هدايا العمال غُلُولاً والغُلول كبيرةٌ من كبائر الذنوب، فكذلك الهدية للموظف تعتبر كبيرةً من كبائر الذنوب.

قال الإمام النووي: "أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغُلول، وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن عليه ردَّ ما غلَّه" شرح النووي على صحيح مسلم 12/217.

وورد في الحديث عن عدي بن عميرة الكندي رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استعملناه منكم على عملٍ فكتمنا مخيطاً -إبرة- فما فوقه كان غُلُولاً يأتي به يوم القيامة، قال فقام إليه رجلٌ أسودٌ من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال يا رسول الله اقبل عني عملك. قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عملٍ فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى" (رواه مسلم).

قال الإمام أبو حامد الغزالي: "وإذا ثبتت هذه التشديدات، فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه، فما كان يُعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه إنما يُعطاه لولايته فحرام أخذه، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولاً فهو شبهةٌ، فليجتنبه" إحياء علوم الدين 2/156.

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غُلُول" (رواه أبو داود وغيره وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/191).

قال الإمام الشوكاني: "وفيه دليلٌ على أنه لا يحل للعامل زيادة على ما فَرضَ له من استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغُلول" نيل الأوطار 6/459.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على الصدقة فقال: "يا أبا الوليد اتق الله لا تأت يوم القيامة ببعيرٍ تحمله له رُغاء أو بقرة لها خُوار أو شاة لها ثغاء، قال يا رسول الله إن ذلك لكذلك. قال إي والذي نفسي بيده. قال فوالذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيءٍ أبداً" (رواه البيهقي والطبراني في الكبير وإسناده صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/191).

وورد في الأثر عن حذيفة رضي الله عنه قال: "هدايا العمال حرامٌ كلُها" رواه أبو يعلى. وغير ذلك من النصوص.

إذا تقرر هذا فإن المكافأة أو الإكرامية التي يتقاضها الموظف على عضويته في مجلس إدارة الشركة الأخرى هي من حق شركته الأولى التي يعمل فيها، وليست من حقه الشخصي، لأنه ما أعطيت له هذه المكافأة أو الإكرامية إلا بصفته الوظيفية وليس بصفته الشخصية، وبناءاً على ذلك فالمكافأة من حق الشركة، ويأخذ الموظف المصاريف الفعلية التي يتحملها للقيام بمهمة تمثيل شركته التي يعمل بها في مجلس إدارة الشركة الأخرى، هذا هو الأصل المعتبر عند أهل العلم ولكن يجب أخذ القضايا التالية بعين الاعتبار:
1- إذا عمل الموظف خارج وقت دوامه المقرر فإنه يستحق أجراً على ذلك.
2- إذا عمل الموظف أيام عطلته فإنه يستحق أجراً على ذلك.
3- إذا سافر الموظف لمصلحة العمل فتتحمل جهة العمل كل مصاريف سفره.
4- إذا تحمل الموظف أية مصاريف خلال مهمته فتدفع له مثل: مصاريف المواصلات والاتصالات والإقامة في الفنادق والأكل والضيافة والتنظيف والملابس.
5- أية مصاريف أخرى بسبب المهمة التي قام بها الموظف تتحملها جهة العمل.

ويستثنى من الأصل المذكور، أن تأذن له الشركة الأولى بأخذ المكافأة أو الإكرامية.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عند حديثه عن هدايا العمال: "ومنع العمال من قبول الهدية... ومحل ذلك إذا لم يأذن له الإمام في ذلك لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: لا تصيبن شيئاً بغير إذني، فإنه غُلول" وقال المهلب فيه إنها إذا أُخذت تجعل في بيت المال ولا يختص العامل منها إلا بما أذن له فيه الإمام، وهو مبنيٌ على أن ابن اللتبية أخذ منه ما ذكر أنه أهدي له، وهو ظاهر السياق... ونحوه قول ابن قدامة في المغني لما ذكر الرشوة: وعليه ردُّها لصاحبها ويحتمل أن تُجعل في بيت المال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردِّ الهدية التي أُهديت له لمن أهداها" فتح الباري 13/167.

وينبغي التنبيه على أن الهدية المحرمة للموظف هي ما كانت باعتبار وظيفته كما سبق بيانه، أما لو جاءته هديةٌ باعتباراتٍ أخرى، كأن يهديه شخصٌ بينهما تهادٍ بحكم الصداقة أو القرابة أو كان بينهما تهادٍ سابق على الوظيفة أو نحو ذلك، فلا حرج في قبول الهدية.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وقال ابن المنير يؤخذ من قوله "هلا جلس في بيت أبيه وأمه" جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة" فتح الباري 13/167.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند الكلام على الهدية للقاضي: "ولا يقبل هديةَ منْ لم يكن يهدي إليه قبل ولايته، وذلك لأن الهدية يُقصد بها في الغالب استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة" المغني 10/68.
وقال الكمال ابن الهمام: [وكلُ من عمل للمسلمين عملاً حكمُه في الهدية كالقاضي] فتح القدير 7/272.

وبهذا يظهر الفرق بين الهدية المحرمة، والهدية الجائزة، فما كان لأجل عمل الإنسان ووظيفته، بحيث لو لم يكن في هذه الوظيفة لم يُهْدَ إليه، فهو محرمٌ عليه، ويجب عليه إما رده إلى المهدي، وإما إعطاؤه لجهة العمل.

وخلاصة الأمر أن من تولى مسؤوليةً أو وظيفةً عامةً أو خاصةً، أنه يحرم عليه قبول هديةٍ أو مكافأةٍ أو إكراميةٍ جاءته بحكم مسؤوليته تلك أو وظيفته، وأن ذلك يعتبر من باب أكل أموال الناس بالباطل، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]. والواجب على الموظف الذي يمثل شركته في مجلس إدارة شركة أخرى تسهم فيها شركته، أن يجعل ما يحصل عليه من مكافأة أو إكرامية لجهة العمل أي لشركته التي يعمل فيها، ولا يجوز أن يأخذه، لأن أخذه هذه الإكرامية، وتلك الهدية، قد يدعوه إلى محاباة الشركة الدافعة على حساب شركته الأولى، أو قد يدفعه ذلك للتهاون فيما فيه نفعٌ لشركته التي يعمل بها، وكلُ ذلك قد يعود بالضرر على شركته الأولى. ويستحق الموظف الذي يمثل شركته في جهة أخرى كل المصاريف الفعلية التي يتحملها.

الجمعة, 15 يوليو 2011.