العقد شريعة المتعاقدين

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه المعاملات -
السؤال:

هل قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي؟ وما مدى صحتها؟

الإجابة:

قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) ليست من قواعد الفقه الإسلامي، وإنما هي قاعدة قانونية وأصلها مستمد من القوانين الغربية ونُقلت إلى القوانين المدنية الوضعية، فقد نصت عليها بعض القوانين المدنية العربية، كالقانون المدني المصري حيث ورد في المادة رقم 147 منه: (العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون؛ ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة؛ جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك). وكذلك ورد النص عليها في القانون المدني السوري مادة رقم 148. والحكم الشرعي في هذه القاعدة أنها غير مُسلَّمةٍ على إطلاقها، وإن جرى استعمالها على ألسنة كثيرٍ من علماء العصر، قال الدكتور بكر أبو زيد: "العقد شريعة المتعاقدين: هذا من مصطلحات القانون الوضعي، الذي لا يراعي صحة العقود في شريعة الإسلام، فسواء كان العقد ربوياً أو فاسدا، حلالاً، أو حراماً، فهو في قوة القانون ملزم كلزوم أحكام الشرع المطهر، وهذا من أبطل الباطل ويغني عنه في فقه الإسلام مصطلح: (العقود الملزمة). ولو قيل في هذا التقعيد: (العقد الشرعي شريعة المتعاقدين) لصح معناه ويبقى جلْبُ قالب إلى فقه المسلمين، من مصطلحات القانونيين فليجتنب، تحاشياً عن قلب لغة العلم" (معجـم المناهي اللفظية ص 394).

فالقاعدة المذكورة لا يعمل بها على إطلاقها كما قلت وتوضيح ذلك كما يلي: إن الراجح من أقوال الفقهاء أن الأصل في العقود وما فيها من شروط هو الإطلاق، وقد دلت على هذا الأصل دلائل النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب الالتزام والوفاء بكل ما يلتزم به المتعاقدان ويشترطانه، ما لم يكن في النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية ما يمنع تنفيذ عقد أو شرط معين، فحينئذ يمتنع بخصوصه على خلاف القاعدة، ويعتبر الاتفاق باطلاً، كالتعاقد على الربا أو الشروط التي تحل حراماً أو تحرم حلالاً، وهذا الاجتهاد هو ما عليه كثير من الفقهاء كالحنابلة وبعض المالكية وهو مذهب شريح القاضي وابن شبرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، المدخل الفقهي لمصطفى الزرقا1/479-480. وبناءً على ذلك يجب أن تكون العقود موافقة للأحكام الشرعية، وليس العبرة بمطلق تراضي المتعاقدين فقط، وإنما تراضيهما ضمن دائرة الحكم الشرعي، فإذا اتفق المتعاقدان على عقدٍ لا يخالف الحكم الشرعي، فحينئذ يقال إن الأصل في العقود تراضي المتعاقدين، وأما إذا تراضيا على ما يخالف الحكم الشرعي فلا قيمة لتراضيهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا ظهر أن العقود لا يحرم فيها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها لإيجاب الشارع، والوفاء بها مطلقاً إلا ما خصه الدليل، على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل والعقلاء جميعهم، وأدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي، ففعلها ابتداءً لا يحرم إلا بتحريم الشارع، والوفاء بها واجب لإيجاب الشرع، وكذا الإيجاب العقلي أيضاً. وأيضاً فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله تعالى قال في كتابه: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}، وقال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} فعلَّقَ جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سببٌ له، وهو حكمٌ معلَّقٌ على وصفٍ مشتقٍ مناسبٍ، فدلَّ على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات قياساً بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن، وكذلك قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضا المتعاقدان أو طابت نفس المتبرع بتبرعٍ ثبت حله بدلالة القرآن إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك" (الفتاوى الكبرى 4/90).

إذا تقرر هذا فإن العقد يكون شريعة المتعاقدين إذا لم يكن فيه مخالفة لأحكام الشريعة وقواعدها، فمن المعلوم عند أهل العلم أن الإنسان ليس حراً فيما يشترطه من شروط في عقوده ومعاملاته، بل لا بد أن تكون هذه الشروط لا تتعارض مع قواعد الشريعة وأصولها، قال الإمام البخاري في صحيحه: "باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله... وقال ابن عمر أو عمر: كل شرطٍ خالف كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط"، ثم روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أتتها بريرة تسألها في كتابها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ابتاعيها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله! فمن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مئة شرط". وفي رواية في صحيح مسلم: "ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق"، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وأن المراد ما خالف كتاب الله ثم استظهر على ذلك بما نقله عن عمر أو ابن عمر، وتوجيه ذلك أن يقال المراد بكتاب الله في الحديث المرفوع حكمه وهو أعم من أن يكون نصاً أو مستنبطاً فكل ما كان ليس من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله" (فتح الباري 6/282).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول اتفقوا على أنه عامٌ في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصاً عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر، أو غير ذلك شروطاً، تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود، الوقف وغيره، وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً". وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب، وهذا وإن كان أكثر العلماء يقولون: إنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ، ولا يقتصر على سببه، فلا نزاع بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها، كالآيات النازلة بسبب معين، مثل آيات المواريث والجهاد والظهار واللعان والقذف والمحاربة والقضاء والفيء والربا والصدقات وغير ذلك، فعامتها نزلت على أسباب معينة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والفقه والمغازي، مع اتفاق الأمة على أن حكمها عام في حق غير أولئك المعينين، وغير ذلك مما يماثل قضاياهم من كل وجه، وكذلك الأحاديث، وحديث عائشة مما اتفقوا على عمومه وأنه من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم وبعث بها حيث قال: "من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق"..." (الفتاوى الكبرى 4/247).

وقال العلامة ابن القيم:[ والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود، وما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل، فالصواب الضابط الشرعي الذي دلَّ عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفه حكمه فهو لازم، يوضحه أن الالتزام بالشروط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله، والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر. وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجاً مما يخاف منه ومما يضيق عليه، فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وقال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}. وها هنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله: إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطلٌ كائناً ما كان. والثانية: أن كلَّ شرطٍ لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيءٌ، وقد دلَّ عليهما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتفاق الصحابة" (إعلام الموقعين 3/390).

وخلاصة الأمر أن عبارة (العقد شريعة المتعاقدين) ليست قاعدة فقهية، ولم يستعملها الفقهاء المتقدمون، واستعملها بعض فقهاء العصر، وهي في الأصل قاعدة قانونية، وهذه القاعدة تكون صحيحة شرعاً إذا لم يكن في العقد وشروطه وقيوده ما يخالف الأحكام الشرعية، فليس للمتعاقدين حرية مطلقة فيما يتعاقدان عليه أو يشترطانه، بل لا بد من الانضباط بأحكام الشرع وقواعده.

تاريخ الفتوى: 20-8-2009.