حكم قول: إن روح الإنسان جزء من روح الله

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية -
السؤال:

ما صحَّة قول بعضِ الأئمَّة: روح الإنسان جزء من روح الله؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فهذه مقولة كاذبة خاطئة، ظاهِرها القول بالحلول والاتِّحاد؛ إذا ظاهر المعنى: أنَّ جزءًا من الله -تعالى- قد حلَّ في الإنسان -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وأيضًا هو كقول النَّصارى -عليْهم لعائن الله المُتتابِعة إلى يوم القيامة-: إنَّ اللاهوت قد حلَّ في النَّاسوت، وكلُّ هذا كفر لا يجوز إطلاقُه ولا اعتقادُه.

هذا؛ وقد تعلَّق هؤلاء وألئك على مقالتهم الضَّالَّة بقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]، فقال أولئِك الضُّلال: إنَّ في الإنسان بعضًا من الله، وهذا باطل؛ فالرُّوح المذْكورة في الآية ليستْ صفةً لله، وإضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فالرُّوح التي نفخها الله في آدَمَ وعيسى عليهما السلام هي من الأرواح التي خلقها الله سبحانه وتعالى - وأضافها إلى الله تعالى فيه تشريفٌ وتعظيم، كالإضافة في قولِه سُبحانه: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ} [الحج: 26]، وقولِه عزَّ وجل: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13].

وأيضًا فإن (مِن) في الآية ليست للتَّبعيض، حتى تكون الروح جزءًا من الله؛ فإنَّ (مِن) هنا لابتِداء الغاية؛ أي: هذه الرُّوح من عند الله، مبدؤُها ومنشؤُها من الله تعالى، فهو الخالق لها، والمتصرِّف فيها.

قال ابن كثير رحمه الله: "فقوله في الآية والحديث: (وَرُوحٌ مِنْهُ) كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [الجاثية: 13]؛ أي: من خلقِه ومِنْ عنده، وليست (مِنْ) للتَّبعيض كما تقولُه النَّصارى -عليْهِم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتِداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قولِه: {وَرُوحٌ مِنْهُ}؛ أي: ورسولٌ منه، وقال غيره: ومحبَّة منْه، والأظهر الأوَّل، وهو أنَّه مخلوقٌ من روح مخلوقة، وأُضيفت الرُّوح إلى الله على وجْه التَّشريف، كما أُضيفَتِ النَّاقة والبيت إلى الله في قوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} [الأعراف: 73]، وفي قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26]، وكما رُوِي في الحديث الصحيح: ((فأدخل على ربِّي في داره))، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كلُّه من قبيلٍ واحدٍ ونمطٍ واحد"؛ انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/784).

وقال الآلوسي في "روح المعاني": "حُكِي أنَّ طبيبًا نصْرانيًّا حاذقًا للرَّشيد ناظر عليَّ بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم، فقال له: إنَّ في كتابكم ما يدلُّ على أنَّ عيسى عليْه السَّلام جزءٌ منه تعالى، وتلا هذه الآية: {وَرُوحٌ مِنْهُ}، فقرأ الواقدي قولَه تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [الجاثية: 13]، فقال: إذًا؛ يلزم أن يكون جَميع الأشياء جزءًا منه -سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا- فانقطع النَّصراني فأسْلم، وفرح الرَّشيد فرحًا شديدًا".

وليعلم أنَّ المضاف إلى الله نوعانِ، أحدهما: إضافة ما يكون منفصِلاً عنْه، قائمًا بنفسه، أو قائمًا بغيْره، فإِضافتُه إلى الله إضافةُ خلق وتكوين، ولا يكون ذلك إلاَّ فيما يُقصد به تشريفُ المضاف، أو بيان عظمة الله تعالى لعِظم المضاف، فهذا النَّوع لا يمكن أن يكون من ذات الله سبحانه ولا من صفاته، إنَّما إضافة مخلوق إلى خالقه سبحانه ومن هذا النَّوع إضافة الله تعالى روحَ آدم وعيسى إليْه سبحانه وإضافة البيت والنَّاقة؛ بل كلُّ ما في السَّماوات والأرض إليه سبحانه.

الثاني: من المضاف إلى الله ما لا يكون منفصلاً عن الله؛ بل هو من صفاتِه الذاتيَّة أو الفعليَّة، كوجْهِهِ ويدِه، وسمعِه وبصرِه، واستوائِه على العرش، ونزولِه إلى السَّماء الدُّنيا في الثُّلث الأخير من الليل، ونحو ذلك، فإضافته إلى الله - تعالى - من إضافة الصِّفة إلى موصوفها.

ومن ثَمَّ؛ فالمراد بـ "روحي"؛ أي: روح شريفة نسبها الله عزَّ وجلَّ لنفسه نسبة تشريف، كما يُقال: "بيت الله"؛ قال تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} [البقرة: 125]، واللهُ عزَّ وجلَّ لا يسكُنه؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أعظمُ من أن يُحيط به شيء من خلقه، وقال تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73].

ورُوح الله عزَّ وجلَّ الَّتي هي صفة من صفاته لا تنفكُّ عنه، كما يقال: عِلْم الله، وسَمع الله، وإرادة الله، ونحو ذلك، فكلُّ ذلك صفاتُه عزَّ وجلَّ لا تنفكُّ عنه.

ولكنَّ بعض النَّاس لا يفرِّق بين النَّوعين من النِّسبة والإضافة، فيظنُّ أنَّ ما أُضيف إلى الله عزَّ وجلَّ هو جزءٌ منْه، أو يظنُّ أنَّ كلَّ ما أضيف إلى الله عزَّ وجل هو إضافة تشريف، وهذا تخليط وخطأ محض.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الجواب الصحيح": " فليس في مجرَّد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفةً له؛ بل قد يُضاف إليْه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفةٍ له باتِّفاق الخلق؛ كقولِه تعالى: "بيت الله"، و"ناقة الله"، و"عباد الله"؛ بل كذلك روح الله عند سلَف المسلمين وأئمَّتهم وجُمهورهم، ولكن إذا أُضِيفَ إليْه ما هو صفةٌ له وليس بصفةٍ لِغَيْره؛ مثل كلام اللهِ، وعلْم الله، ويد الله، ونحو ذلك - كان صفةً له". اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في كتاب "الروح": " ... هل الرُّوح قديمة أو محدثة مخلوقة؟
قال: فهذه مسألةٌ زلَّ فيها عالَمٌ، وضلَّ فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتْباع رسوله فيها للحقِّ المبين، والصواب المستبين، فأجْمعتِ الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنَّها محدَثة مخلوقة، مصنوعة مربوبة مدبَّرة، هذا معلوم بالاضطِرار من دين الرُّسُل صلوات الله وسلامه عليهم كما يُعْلَم بالاضطِرار من دينهم: أنَّ العالم حادث، وأنَّ معاد الأبدان واقع، وأنَّ الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له... ثم نقل عن الحافظ محمد بن نصر المروزي قوله: "ولا خِلافَ بين المسلمين أنَّ الأرْواح التي في آدم، وبنِيه، وعيسى، ومَن سواه من بني آدم - كلُّها مخلوقةٌ لله، خلقَها وأنشأَها وكوَّنَها واخترعها، ثمَّ أضافها إلى نفسِه كما أضاف إليه سائر خلقه؛ قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [الجاثية: 13]". اهـ.

وقال الشيخ العثيمين: "بل روح آدم روحٌ مَخلوقة خلقها الله؛ لكن أضافها الله إليْه على سبيل التَّشريف، والرُّوح ليستْ من صفاتِ الله تعالى؛ بل هي خلْقٌ من مخلوقات الله تعالى وأضيفتْ إلى الله تعالى في بعض النصوص إضافةَ ملك وتشريف، فالله خالقُها ومالكها يقبضها متى شاء، ويُرْسِلها متى شاء، فالقَول في الرُّوح كالقول في "بيت الله"، و"ناقة الله"، و"عباد الله"، و"رسول الله"؛ فكل هذه مخلوقات أُضيفتْ لله تعالى للتَّشْريف والتَّكريم".
هذا،، والله أعلم.