حكم حِرْمان ذريَّة البنت من الانتِفاع بالوقف

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الفرائض والوصايا -
السؤال:

هل يجوز حِرْمان ذريَّة البنت من الانتِفاع بالوقف؟ وينقل الوقف إلى أناس غُرباء، ليس لهم صِلة بالواقف بعد وفاة البِنت، بِالرَّغم من وجود ذريَّة لها؟ وهل يعتبر ذلك وقف جنَف وتَحايل؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلم يبيِّن السَّائل الكريم ما إذا كان الواقف قد جعل ذرِّيَّة البنت من المنتَفعين بالوقْف أم لا؟

فإن كانوا ممَّن يشملُهم الوقْف، فلا يجوز حِرمانُهم من وقْفِهم؛ قال في "كشَّاف القناع": "ويتعيَّن صرف الوقْف إلى الجهة التي عيَّنها الواقف حيث أمكن؛ لأنَّ تعْيين الواقف لها صرْفٌ عمَّا سواها".

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أخذ الناظر نصيب المورثة من الوقف، فأجاب بقوله: "لا يجوز هذا للنَّاظر، ولا يجوز تَمكينهم من أن يصرفوا الوقْف في غير مصارفه الشرعيَّة، ولا حرمان ورثةِ الواقف والفقراء الدَّاخلين في شرْط الواقف؛ بل ذريَّته والفقراء أحقُّ بأن يصرف إليْهم ما شرط لهم من المشْهد المذكور، فكيف يُحرمون، والحال هذه؟! فمَن صرف بعض الوقْف على المشهد، وأخذ بعضه يصرفه فيما لم يقتضِه الشرط، وحرَم الذريَّة الدَّاخلين في الشَّرط - فقد عصى الله ورسوله، وتعدَّى حدودَه من وجوب أداءِ الوقْف على ذريَّة الواقِف". اهـ.

وأمَّا إن كان الواقِف لم يُدْخِل ذريَّة البنت في الوقْف، أو جعل الوقْف للبنت فقطْ، وليس لذريَّتها من بعدها - فلا حقَّ لهم في الوقْف؛ لأنَّ أهل العلم اشترطوا في الوقْف شروطًا، منها كوْن الواقف أهلاً للتبرُّع، بأن يكون مكلَّفًا، عاقلاً، بالغًا، مختارًا، فلا يصحُّ الوقف من الصَّبي والمجنون، ولا المُكْرَه، ولا محجور عليْه، ومنها أن يكون الواقِف مالكًا للموقوف، ولكن لم يشترطوا أن يكون المنتفع قريبًا للواقف، فيصح الوقف للغريب.

وكذلك اشترط العُلماء في الموقوف عليْهم - وهي جهة الانتِفاع بالوقف - أن تكون جهة برٍّ وقُربة، أو مُباحة على الأقلِّ، فلا يَجوز الوقْف على معصية؛ كالوقْف على ترميم الكنائس؛ كما هو مذهب الجمهور.

وعليه؛ فإن كان الواقِف قد خصَّ بوقْفِه غيرَ بناتِ البنت؛ كالوقْف على المساكين، أو العُلماء، أو المساجد، أو غير ذلك - فهو وقفٌ صحيح، ولا جوْر فيه، وأمَّا إن كان أدْخلهم في وقفِه، فلا يجوز حِرمانُهم من وقْفهم؛ لأنَّه كما في القاعدة الفقهية: "شرط الواقف كنصِّ الشارع"؛ أي: في وجوب العمل به وعدم مخالفته،، والله أعلم.